(1)
عندي خمس ملاحظات أرجو أن نضعها في الاعتبار في قراءتنا للموضوع وتحليله، هي:
ان التحقيق لم يكتمل في الموضوع. وهو ما يعني أن ملف العمليات التي وقعت لا يزال مفتوحاً. ورغم أن الصورة الكاملة لما جرى لم تتضح بشكل نهائي بعد، الا أن ثمة ملامح أساسية تبلورت للحدث، تمكننا من اجراء تقييم نسبي يعتمد على القدر الذي ثبت من المعلومات والترجيحات المستقرة الى الآن، على الأقل لدى الجهات المعنية في مصر. إننا بصدد حدث وليس ظاهرة. وهو حدث له دلالته لا ريب، لكنه لم يتحول الى “ظاهرة” يعاني منها المجتمع المصري. وما شهدناه حتى الآن لا يتجاوز ثلاث وقائع تدور في فلك “خلية” أو أسرة واحدة، والشواهد المختلفة تدل على أن الخلية ليس لها أي ارتباط تنظيمي مع جهات أخرى، لا داخل مصر ولا خارجها. بالتالي فهي ليست جزءاً من “مشروع” يستحق الاستنفار ويثير القلق. بكلام آخر، فإننا لسنا في مواجهة خطر حال من أي نوع. والتدبير الساذج والأداء البائس الواضحان في العمليات الثلاث، قرينة قوية تؤيد ما نقول. لذلك فمن المهم للغاية أن يعطى الموضوع حجمه، بغير مبالغة في شأنه أو تهوين منه. واذا ما استخدمنا درجات قياس الاستنفار الأمني عند الأمريكيين، فغاية ما يمكن أن يقال اننا بصدد حدث يصنف في حدود اللون الأصفر، وليس هناك مبرر لاعتباره مستحقاً للتصنيف تحت اللونين البرتقالي أو الأحمر.
إن رد الفعل للحدث تجاوز بكثير الحجم الحقيقي للفعل، ومن أسف أن الاعلام لعب دوراً أساسياً في تضخيم الحدث، بعضه بحسن نية، بداعي الاثارة مثلاً، والبعض الآخر بسوء نية، خصوصاً من جانب الأطراف التي يهمها تشويه صورة مصر في الخارج، لأسباب سياسية وأحياناً لأسباب سياحية. ولا مفر من الاقرار في هذا الصدد بأن الاجراءات الأمنية الاحترازية التي أعقبت العمليات الثلاث، وفي مقدمتها التوسع في عمليات الاعتقال والاشتباه، أسهمت بدرجة أو أخرى في التهويل من شأن ما جرى.
(2)
لعلك لاحظت أن العمليات وجهت ضد السياح الأجانب على وجه التحديد، لأن السياح العرب كانوا ولا يزالون خارج دائرة الاستهداف. وحين يكون الأمر كذلك، فمعناه أن الخلية التي قامت بالعمليات الثلاث لم يكن هدفها ضرب السياحة أو تخريب الاقتصاد المصري كما ذهب البعض (رغم أن السياحة تأثرت لا ريب)، وانما كان هدفها سياحاً بذواتهم هم أولئك الأجانب الغربيون.
ضع هذه المعلومة الى جانب ما أسفرت عنه التحقيقات في الكويت من أن مجموعات المتطرفين الذين ألقي القبض عليهم بتهمة القيام بأعمال ارهابية، لم تكن تستهدف المجتمع الكويتي، وانما كان بعضها يعد لعمليات ضد الوجود الأمريكي في الكويت، والبعض الآخر كان بصدد التوجه الى العراق للاشتراك في المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي. وهو ما يعني أيضاً أن “الأجانب” كانوا هم المستهدفين أصلاً من جانب تلك المجموعات. وحين قامت أجهزة الأمن والشرطة بواجبها في تعقبهم أو احباط مساعيهم، حدث الاشتباك المسلح الذي أوقع ضحايا على الجانبين.
هكذا، فإنه في كل تلك العمليات لم يكن المجتمع المحلي هو الهدف، وانما كان المستهدف هو الأجانب الغربيين على وجه التحديد. أقول ذلك من باب التقرير وليس التبرير، ناهيك عن التقريظ. بمعنى أنني هنا في مقام الرصد وليس التقييم، لأنني لو كنت بصدد التقييم لاستهجنت استهداف الأجانب، ولاعتبرته جريمة عدوان على أناس أبرياء، ولا يقلل من فداحتها أنها لم تستهدف المواطنين. ولكن هذه الملحوظة مهمة للغاية في تحليل المشهد، لأنها تسلط الضوء على جانب من الصورة أهمله كثيرون ولم يلتفتوا الى خطورته وعمق دلالته، كيف؟
لأن غزو العراق بما استصحبه من وجود أمريكي في المنطقة، وتوريط لدول غربية أخرى فيما سمي بقوات التحالف، كان له صداه في خارج العراق، مثلما كان له صداه في داخله. واذ أكرر أنني بصدد التقرير وليس التبرير أو التقريظ، لأن بعض الذي يتم باسم المقاومة داخل العراق لا يقره عقل أو عرف أو شرع، فإن الخلاصة التي تهمنا في المشهد هي أن الوجود الأمريكي والتحالف الذي أقامته وقادته الولايات المتحدة، كانا من بين الأسباب القوية التي أثارت الغضب وأشاعت شعوراً بالمهانة لدى المواطن العربي، وترجم البعض ذلك الغضب في العمليات سابقة الذكر، الأمر الذي يدعونا الى القول إن ما سمي بالحملة العالمية الأمريكية ضد الارهاب أصبحت بمضي الوقت مصدراً لتفريخ التجمعات الارهابية. وبالتالي فإن استمرار هذه السياسة من شأنه أن يفتح الباب باستمرار لتكرار ما جرى ويجري، سواء ضد القوات الأمريكية أو ضد الأجانب الغربيين.
سألت مسؤولاً أمنياً كبيراً في مصر عما اذا كان يؤيد ذلك التحليل أم يعارضه، فهز رأسه موافقاً وقال: هو صحيح لا ريب! - حينئذ قلت أن ذلك جرس ينبغي أن يسمع.
(3)
حين تتبعت ما نشر من معلومات عن أفراد الخلية استوقفتني فيها مؤشرات عدة. منها سرعة التحول من الحياة العادية الى التطرف والتشدد. وهو التحول الذي لعبت فيه الأشرطة المسجلة دوراً حيوياً. وكما كان للتكنولوجيا دورها في التحول من الاعتدال الى التطرف، فإنها كانت الباب الذي عبروا منه من التطرف الى الارهاب. حيث وجدوا على شبكة “الانترنت” ما أرادوا أن يعرفوه عن تصنيع القنابل والمتفجرات. بالتالي فإنهم في تحولاتهم لم يكونوا بحاجة الى “منظرين” يلقنونهم الأفكار المتطرفة، ولا “جهاديين” يدربونهم على السلاح أو يشرحون لهم كيفية تصنيع المفرقعات.
بين أفراد الخلية من كان عاطلاً ومن كان مطارداً من قبل رجال المباحث، ومن تمكن منه فكر “المفاصلة” حتى عن الأب، الذي تركه ابناؤه الثلاثة، وآثروا أن يعيشوا بعيداً عنه. واذا كان ذلك حالهم مع الأب والأهل، فما بالك بهم مع المجتمع باسره.
الأجراس التي تطلقها هذه الصورة تستدعي حزمة من الأسئلة، في المقدمة منها ما يلي:
لماذا يترك الشبان والفتيات أسرى المعرفة الدينية الضحلة، التي لا توفر لهم أي حصانة تسمح لهم بالصمود أمام رياح التطرف والتشدد، والى أي مدى اسهمت سياسة “تجفيف الينابيع” في اضعاف التدين واحداث تلك الهشاشة، الأمر الذي أهدى الى دوائر التطرف والارهاب أرتالاً من الشباب “الخام” الذين انمحت معارفهم، حتى صاروا جاهزين لاستقبال أي فكر ينتسب الى الدين، حتى اذا أسلمهم الى الموت؟
واذا كان للبطالة دورها في جنوح بعض الشبان الى التطرف والارهاب، فإن ذلك يصبح عنصراً مؤرقاً لا بد من التحسب له، خصوصاً في ظل الارتفاع النسبي لمعدلاتها في مصر. حيث يقدر بعض الخبراء عدد المتعلمين الذين يعانون من البطالة بحوالي مليوني شخص. ويرتفع رنين الجرس هنا اذا استمعنا في هذا الصدد الى رأي الدكتور اسماعيل صبري عبد الله الخبير الاقتصادي المرموق، الذي يحذر فيه من أن الشباب المتعلم هو أخطر مصادر العنف. وهو رأي يتفق مع مقولة الرئيس البرازيلي لولا داسيلفا الذي اعتبر أن الجوع الذي تعاني منه الجماهير هو أخطر أسلحة الدمار الشامل.
(4)
من يهتم بأمر الشباب في بلادنا؟ اذا حاولت أن تجيبب عن السؤال الذي تطرحه المناسبة، وفحصت العناوين المرشحة للقيام بمهمة “رعاية الشباب”، فستجد أنك تستبعدها واحداً تلو الآخر، وستكون المفاجأة أنك ستعثر على ضالتك في خانة العناوين غير المرشحة، حيث ستدلك أكثر من اشارة وقرينة الى أن “جهاز الأمن” هو الجهة التي تتعامل مع ملف الشباب المصري. ذلك أن ما يسمى بوزارة الشباب والمجالس والأجهزة المتفرعة عنها معنية في حقيقة الأمر بالرياضة فحسب، و”انجازاتها” على ذلك الصعيد مشهودة (لا تسأل عن المونديال).
ان شئت الدقة فقل ان ظاهرة “موت السياسة” في مصر جعلت من الأمن لاعباً رئيسياً في الساحة. وان شئت أن تذهب في المصارحة الى أبعد، فلا مفر من أن نقرر بأن الأمن لم يعد أداة التعامل مع قطاع الشباب وحده، ولكنه صار القناة التي يتم من خلالها التفاهم مع مختلف الأنشطة السياسية. ولأن حدود الأمن معروفة وأساليبه متنوعة، وهي في العالم الثالث غير محدودة، فإن التعويل عليه وحده في حماية النظام العام وتحقيق السلم الأهلي، لا يحمله بأكثر مما يطيق فحسب، ولكنه لا يخلو من مغامرة أيضاً، لسبب جوهري هو أن الأمن القومي لأي بلد أكبر من أن يقوم به رجال الأمن وحدهم.
من يسمع هذه الأجراس؟













التعليقات