قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

داعبت نسمات صيفية استثنائية جلستنا الاسبوعية "الخميسية" علي مقهانا الاثير فخففت من غلواء حوارات الانتخابات والاوضاع الاقتصادية واسعار كروت الشحن والانترنت مع تكهنات بزيادة جديدة للبنزين.. نقاشات صاخبة وساخنة يدور مثلها في المنازل والمصالح الحكومية ووسائل المواصلات.. الهموم تراكمت.. والأنات تصاعدت.. لكنها ما تلبث أن تنزل لبئر الصبر العميق.. لا أمل في انفراجة قريبة .. بل أن الضغوط تتزايد يومياً مع انفلات تام في الرقابة علي الاسواق.. من ثم تحول "التجار" الي "دراكولات" يمصون الدماء كل ساعة متفوقين علي اساطير ملك الظلام التي زعمت انه كان يخرج لاصطياد ضحاياه ليلاً..

فجأة باغتني استاذ مساعد بالجامعة: اليس من واجب الصحافة أن تنبه وتحذر من المصيدة التي احكمت "انشوطتها" علي رقابنا ؟!. وتطوع جاري "الستيني" وكيل الوزارة المتقاعد قائلاً له "صلي علي النبي.. هي فين الصحافة ".. علقت "عفواً لا تقارنوا صحافة زمان بالآن فلكل وقت رجاله وأولوياته واهتماماته.. قاطعوني "لكن نجوم الصحافة ومواهبها "ظهروا في العصور الديكتاتورية.. وعندما زعمتم اننا تحولنا للديموقراطية، إذا بنا نجد ابواقاً للسلطة وإخصائيين في تبرير قراراتها واساتذة في الباس الباطل ثوب الحق.. 

انطلقت مدافع الغضب ضد المهنة الجميلة وتطوع اصدقاء وجيران بالصاق أوصاف بزملاء يعاقب عليها القانون.. هدوء! قلتها لهم.. اتهامكم للصحافة صحيح في بعضه وخاطئ فيماعدا ذلك.. كيف؟ سألوني.. أجبت المهنة التي دخلتها بعد حرب 1973 ليست هي التي اعرفها الآن.. زدنا ايضاحاً .. قلت التحقت بوكالات ابناء ثم صحيفة بعد امتحانات صعبة.. لم يشفع لي تقديري في التخرج ولا اجادتي للغات أجنبية .. لم تكن المهنة مجرد وظيفة كما هي الآن .. الامتحان لم يكن مسوغاً للتعيين.. لكن المقابلة الشخصية مع رئيس التحرير هي الفلتر.. لماذا تريد أن تكون صحفياً؟ سؤال موحد واجهه كل الملتحقين بصاحبه الجلالة آنذاك .. قال زميل لنا أنه يرغب في رؤية اسمه مكتوباً في الجريدة .. لكن الراحل ابراهيم الورداني قال له مع السلامة.. وكشف آخر أنه يمتلك موهبة الكتابة.. فقال له المسئول من الذي حكم علي موهبتك.. رد الشاب اتصور هذا.. ولم يكن حظه أفضل من سابقه.. عندما سألوني أجبت باحبها.. فردوا إلا تعلم أن الحب يفشل إذا كان من طرف واحد؟... قلت لعلها تحبني إذا وجدتني مخلصاً لها.. لم يرحموني: وإذا لم تجدك مخلصاً أو غير كفؤ لها ؟!.. بسرعة أجبتهم تطردني يا فندم.. وضع الراحل الكبير محسن محمد تأشيرته "يخضع لاختبار شخصيمني لثلاثة أشهر ثم ينظر في أمره"!

سألتهم لماذا "شخصي" يستطيع سؤال رئيس القسم.. قال الراحل جلال العريان "حطك في دماغه".. نهايته عملت مترجماً ومراجعاً ومحرراً وديسك مان.. لم أسأله مره عن تعييني وكلما يمر من أمامي أنظر إليه فيبادلني النظرة ويقول "لسه" .. ثم جاء القرار.. تعيين بـ 65 جنيهاً وعلاوة استثنائية 30 جنيهاً وكانت ثروة.. 

لم يمهلني أصدقاء المقهي طويلاً وسألوا بالحاح لكن لماذا أصبحت الصحافة كما قلت بلا شغافة ولا لطافة.؟. استطردت كانت المؤسسات مدارس مختلفة.. الاهرام بوقارها وشموخها.. الاخبار بصياغتها وإخراجها.. روزاليوسف جمعت بين الشطة والشقاوة والمرح..

كان امامنا رواد نتعلم منهم.. قامات باسقة .. في الاهرام عمود احمد بهاء الدين يقابله آخر لأنيس منصور.. السياسة الي جانب الثقافة والفلسفة والاسلوب الجميل.. لطفي الخولي ويوسف أدريس وسلامه احمد سلامه.. صلاح هلال ملك التحقيقات الصحفية تقرأه وكأنك تتابع فيلماً.. نجيب المستكاوي ملك الرياضة والعظيم عبد الوهاب مطاوع .. في الأخبار الأخوان أمين وموسي صبري وجلال الحمامصي ونعمان وجلال عيسي ومحمود عوض وأنتهاء بابراهيم سعدة متعدد المواهب.. لاحظوا أن الصحافة تميزت لأن الزمن كان عصر الكتاب والقارئ.. لم تكن الايميلات ظهرت ولا الانترنت أو السوشيال ميديا.. تشتري الصحيفة لتعرف الجديد.. الآن الصحف تخرج بالاخبار "البايتة" أو المتابعات الباهتة .. التنافس كان شرساً.. مثلا الراحلان هدي توفيق وزوجها حمدي فؤاد يغطيان الخارجية للجمهورية والاهرام.. ينامان تحت سقف واحد وينفردان باخبار من نفس الوزارة لصحيفتيهما.. لم يكن الصحفي يجلب اعلانات وبالتالي لم تكن "عينه" مكسورة للمصدر.. لم نعرف "متحدثارسميا" أو مدير علاقات عامة يرسل الاخبار للجميع وتظهر بصياغة واحدة في الصحف ووسائل الاعلام وعليها اسم صحفي لم يبذل جهداً.. زمان كان الصحفي يقيم بقلمه.. صلاح حافظ الشيوعي وعبد الرحمن الشرقاوي اليساري لم يمنعهما أحد لموقفهماالسياسي.. صباح الخير التي اسسها احسان عبدالقدوس كان شعارها القلوب الشابة والعقول المتحررة.. ظهر فيها حسن فؤاد وجمال كامل ومحمود السعدني ولويس جريس ورؤوف توفيق.. واخر العمالقة مفيد فوزي الذي مازال يكتب ويؤلف برشاقة شاب ثلاثيني رغم سنواته الثمانين اطال الله عمره.. الجميل أن الصحفي لم يكن متخصصاً في شئ واحد.. مثلاً في الجمهورية كان صديقي الراحل احمد ماهر متخصصاً في الفن ".. 

عرف ماهر بعلاقة بين المليونير الشوربجي وكلير بباوي زوجة يوسف بباوي أحد ملوك الماكينات والعدد والآلات.. استأجر شقة أمامهما وصور لقاءاتهما وكتب القصة كأروع محرر حوادث.. قتل يوسف بباوي الشوربجي وكانت صور "ماهر" أحد مستندات دفاعه عن زوجته الخائنة.. " أيضا عمنا عبد الرحمن فهمي الذي تملك عائلته المبني القديم للجمهورية عرفناه "عمدة الرياضة" لكنه ترجم مذكرات شارلز مانسون زعيم الهيبيز وقاتل النجمة شارون تيت بأروع اسلوب.. 

عادوا لمحاصرتي وماذا عن جيلك! قلت مواهب جيلي انحصرت في عادل حمودة ثم ابراهيم عيسي والراحل عبد الله كمال في الجيل التالي.. قرروا احراجي وماذا عنك أنت وزملائك رؤساء تحرير آخر عهد مبارك.. قلت كنا آخر "صبيان" للمعلمين الكبار.. أجدنا تقديم صحيفة تهتم بالقارئ.. لكن مستوانا لم يصل للاسماء السابقة.. عاشوا في مناخ مختلف.. وقدم كل منهم "بصمة" خاصة به لدرجة أنك كنت تستطيع معرفه الكاتب دون أن تقرأ اسمه.. أضف إلي ذلك الطموح.. سألت مرة أنيس منصور ماذا بعد أن حققت كل شئ الكاتب الأكثر مبيعاً، جائزة الدولة التشجيعية 1963، والتقديرية 1982،الابداع الفكري لدول العالم الثالث عام 1983 من الهند ورئيساً لتحرير آخر ساعة واكتوبر والجيل وتقديم 170 كتاباً للمكتبة العربية؟ ضحك وقال اتمني أن يصلوا لـ 200 كتاب (مات بعد 177 كتاباً) و أنال جائزة مصطفي أمين ،وحصل عليها وعلي جائزة مبارك للآداب عام 2000.. لكن اجمل ما قاله "بداخلي مباراة يومية ليس لها كأس أو دوري.. فأنا في امتحان مع نفسي".. أين نحن من هؤلاء.؟!.

سألوا ما الحل؟ قلت مؤكد هناك مواهب لم تأخذ فرصة .. هذه واحدة.. ينبغي أن ترفع الدولة يدها عن الصحافة ويتوقف شراء وبيع الجرائد لأنها أصبحت كلها لوناً واحداً وبنفس المذاق وتقريباً ذات العناوين.. حتي زمن مبارك كان للسلطة رجالها مثل ابراهيم نافع وجلال دويدار وسمير رجب ومحفوظ الانصاري (أكثرهم ثقافة) لكن لم يكن هناك ابداً نماذج كالتي نراها علي الشاشة الآن أو نقرأ لها في الصحف.. وإذا كان التأميم قد أضر الصحافة قليلاً فأنه لم يقض علي المواهب.. اما مايحدثالان فهو "تجريف" لمهنة كانت صاحبه الجلالة ويريدونها أن تصبح خادمة في بلاط السلطان.. الأمل في صحافة خاصة مستقلة ووطنية دون ممارسة ضغوط عليها وإلا يعمل الصحفي مستشاراً اعلامياً في وزارته أو هيئة أو في الاعداد التليفزيوني.. قال الاصدقاء الاحوال الاقتصادية صعبة.. أجبت لا تناقشوني أذن في "مسئولية الصحافة".. المسئولية تعني استقلالية.. وطالما تم إطعام "الفم" ستستحي "العين".. وعاد النداء التقليدي ينهي المناقشة "هاتوا الطاولة.. فين الدومينو"..