قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أستاذ للفقه المقارن بجامعة صنعاء لـ" إيلاف" :
التطرّف الدينيّ والسياسيّ نشأ في المجتمعات اليهوديّة والمسيحيّة

عبده عايش من صنعاء: كثر الحديث عن التطرف والمتطرفين في السنوات الأخيرة، وتركزت الإتهامات بصفة خاصة على التيارات والحركات الإسلامية ، كما أن وسائل الإعلام الغربية الأوربية والأميركية ألقت بتهم الإرهاب على الإسلام والمسلمين، وبات من وجهة نظرهم أن (الجهاد) إرهابا, والمدافعون عن أرضهم ومقدساتهم (إرهابيون) فانقلبت بذلك الحقائق، وصارت الافتراءات أحكامًا ، تلصق بحركات وشعوب بدون سند ولادليل .

إيلاف إلتقت بالدكتور عبدالله قاسم الوشلي أستاذ الفقه المقارن بجامعة صنعاء ، وطرحت عليه العديد من الأسئلة المتعلقة بحقيقة التطرف في البلدان العربية والإسلامية ؟ وعما إذا كانت المجتمعات الأوروبية والأميركية خالية من التطرف الديني والسياسي ؟ وما الذي يعمل على بروز ظاهرة التطرف في أوساط الشباب ؟ وهل للأنظمة الحاكمة الغاشمة دور في ذلك ؟

ومن جهة أخرى هل تقبل الحركات الإسلامية بالديمقراطية , وبالتعدد الفكري والسياسي وحتى العقائدي في المجتمع الواحد ؟ وهل يمكن أن يقام حوار حضاري بين المسلمين وأعدائهم , في وقت بلدان المسلمين تحت نير الاحتلال ؟ .


وفيما يلي نص الحوار:
كيف برزت ظاهرة التطرف في المجتمعات العربية والإسلامية ؟ وهل المجتمعات الغربية لا يوجد بها تطرف ديني وسياسي ؟

ظاهرة التطرف والتي يطلق عليها في المصطلح الاسلامي ( الغلو والافراط ) ليست ظاهرة على المجتمعات الاسلامية والعربية كما يصورها الغرب في وسائله الاعلامية وأنشطته الدبلوماسية ومؤسساته الامنية ، بل إنها ظاهرة تفشت في المجتمعات الغربية وترعرعت فيها قبل أن تكون في المجتمعات الاسلامية والعربية ، وهي أول ما ظهرت في الديانة اليهودية وجرّت إليها الديانة المسيحية , فوجد التطرف ( الغلو والافراط ) في اليهود والنصارى قديما ، كما توراثه الأجيال في مختلف العصور والأزمنة حتى أن القرآن الكريم خطابهم بقوله " يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم عن الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " .
وفي عصرنا الحديث نجد أن التطرف في المجتمعات اليهودية والمسيحية قد ظهر على ألسنة كثير من ساستهم وأصحاب الرأي فيهم والقادة العسكريين أكثر من أي عصر مضى ، وأفصحت بذلك ألسنتهم وعبر عنه ساستهم ومثلوه عمليا في شن الحرب على المسلمين وبلاد المسلمين, وقادتهم العسكريين برهنوا على هذا التطرف بالحروب التي شنها الغرب ممثلة في أميركا وتحريضها من اليهود على كثير من بلاد الاسلام مثل فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان وكشمير وغيرها من بلاد الاسلام مباشرة وغير مباشرة ولنترك الواقع اليوم في بلاد الاسلام هو الذي يترجم هذا التطرف والغلو والافراط بكل صورة ومعانيه .

هل ثمة أسباب موضوعية لظاهرة التطرف في المجتمعات الاسلامية والعربية ؟

من وجهة نظري فإن ظاهرة التطرف في المجتمعات العربية والاسلامية ، هي ردة فعل لما تعانيه أمة الإسلام من ظلم واستكبار وتعالي عليها من قبل دول الغرب وبالاخص اميركا المتمثل في الاستيلاء على بلادهم عسكريا ونهبها لثرواتهم والإحتيال على مقدراتهم ، و قتل شيوخهم واطفالهم ونسائهم ومطاردة ومضايقة شبابهم ، إما مباشرة كما حصل في البوسنة والهرسك ، ثم في أفغانستان ثم أخيرا في العراق ، وما نسمع من تهديد ووعيد لأكثر من بلد ، وقبل ذلك ما حصل لهم من إضطهاد في أكثر من بلد في الستينات من القرن العشرين وما يسمعونه ويشاهدونه من دعم ومساعدة لليهود في فلسطين للاستيلاء عليها وما يجري من قتل وتشريد لابنائها بمباركة تامة من أميركا ومساعدة ودعم من كثير من دول الغرب ، كل هذا يجعل كل مسلم عنده ادنى غيره على دينه وإخوانه الذين يمثل معهم الجسد الواحد الذي يتداعى لأي شكوى فيه ويتألم على ما يناله ويعانيه .
كما أن ذلك يعد انعكاسا لما يعانية شباب المسلمين والعاملين لهذا الدين وكثير من الحركات الاسلامية في بلدانهم من قسوة وشدة من حكامهم وذوي السلطان فيهم من جانب ولما يلمسون من تنكر من ذوي السلطان فيهم لشريعة الاسلام وإقصاء لها عن واقع الحياة ، وفي الوقت نفسه مايرون من تشجيع للأنظمة المستوردة والقوانين الغربية التي تطبق في بلدانهم وما يرونه من تشجيع للفساد الخلقي والاخلاقي في بلدانهم ومضايقة أي مقاومة لهذا كله ، ومن قمع شديد لكل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر الى غير ذلك .
وتعود ظاهرة التطرف إلى ضعف الفقه الديني وقسوة الجهل في المسلمين وقلة الوعي عند العاملين بهذا الدين وكثير من الدعاة إليه أو الذين نصبوا أنفسهم لهذه المهمة ولم يكونوا مسلحين بسلاح العلم والمعرفة ومعدين أنفسهم بعدة الحكمة والبصيرة التي دعاهم إليها كتابهم في قوله تعالى ( وما كان للمؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" ، وفي قوله تعالى ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) وقوله ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين )


هناك من يرى أن تطرف السلطات الحاكمة في مواجهة الشعوب تنشىء تطرفا مضادا ، فما رأيكم ؟

من أسباب وجود التطرف في مجتمعات المسلمين هو عنف السلطات وقسوة التعامل مع الشعوب بإسلوب يتنافى مع الحقوق الإنسانية وما يدعو إليه الاسلام من سماحة، خاصة عندما أوغلت السلطات التعسف والظلم في حق من يعمل لاشاعة الحب والاخاء ويسود الامن والامان المجتمعات في ظل شريعة الاسلام .
والمطلوب من حكام المسلمين في الظرف الحالي إذا أردوا إنهاء التطرف أن يمتثلوا الرحمة وحنوّ الأبوة واستشعار المسؤولية والحرص على تحقيق المصلحة العامة وتحقيقها لمن ولاهم أمر رعايتهم ودرء المفاسد عنهم والسهر على أمن مواطنهم وحاجاتهم وتحقيق العدل فيهم والتسوية بينهم ومحاربة التمايز والمواطنة من الدرجة الثانية , وأن يؤمنوا بأنهم يحكمون شعوب مسلمة لا ترضى بديلا عن دينهم الاسلامي وتطبيق شريعتهم ، وليأخذوا أسوة من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الاموي الذي جاء بعد ملك عاض لم يسر على هدى الحكم الراشد ، ترعرع فيه التطرف وتصاعد فيه العنف من بعض الفرق الاسلامية كالخوارج وكانت تلك المعارك الدينية مع هذه الفرقة المتطرفة في فكرها، الضيقة في صدورها التي أشهرت التكفير لأدنى قول أو إعتقاد واستحلت الدماء والاعراض وكانت تلك المعارك الدينية مع الملك
العاض الذي كان في سياسته دخن وفي تصرفاته غبش وفي ردة الفعل عنده قسوة وشدة مع غياب العدل وسيرة الخلافة الراشدة .
فلما انتصب الخليفة عمر بن عبد العزيز وامضى السيرة الراشدة أولا على نفسه وأسرته ثم حمل الامة الاسلامية عليها، والتزم العدل واسلوب الحوار الفكري والاقناع العلمي المعروف بالرحمة ، وأظهر المساواة ، و بذلك قضى على التطرف الفكري والسياسي والعسكري خلال سنتين ونصف من حكمه وحلت جميع الفرق المتطرفة المغالية نفسها واندمجت مع المجتمع ولم يبق للخوارج عمل يظهر منه اذى ولا فعل يلحق بالمجتمع العبث وهكذا نقول إن حكام المسلمين لو ينهجوا هذا النهج لما وجد للتطرف مكان في المجتمعات الاسلامية والعربية ولا غلو وافراط في الفكر والدين .

هل تعتقدون أن الضغط والمواجهة الأمنية هي السبيل الوحيد لمحاصرة التطرف في المجتمعات ؟

إن استمرار المضايقة للجماعات الاسلامية واستخدام الشدة والعنف لن يزيد ما يوجد من تطرف في بعض الحركات الاسلامية إلا تصاعدا وانتشارا ،لأن العنف لا يولد إلا العنف ، والواجب على السلطات في البلاد الاسلامية إذا أرادت أن تقضي على التطرف في بعض الحركات الاسلامية فعليها أولا أن تتخلى عن القسوة والشدة وأن تتخذ وسائل نافعة ومفيدة غير وسيلة السجون والتعذيب وانتهاك الحقوق الانسانية والتضيق على الحركات ، وعليها أن تسلك مسلك الحوار والاقناع الفكري مقترنا بالتسامح واللين والرحمة ورفع الظلم والمعاناة وإظهار العدل والعدول عن إقصاء
الشريعة الاسلامية عن واقع الحياة والعودة إلى تطبيقها في واقع الامة التي تدين بدين الاسلام و ذلك هو السبيل الوحيد للقضاء على التطرف أو على الاقل في حصره والتضييق عليه والقضاء على فاعليته .

بات الجهاد ومن يقول به في الظرف الراهن مستهدفا في الداخل والخارج لماذا ؟

يجب أن يعلم كل قارئ أن الجهاد هو فريضة إسلامية على كل مسلم من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل والدفاع عن المستضعفين وإفساح المجال أمام دعوة الاسلام لكي تنشر ولمنع من يحول بين الاسلام واعتناقه , وهو الفريضة الماضية الى يوم القيامة لقوله صلى الله عليه وسلم " الجهاد ماضي إلى يوم القيامة على البر والفاجر، منذ بعثني الله ، إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ،لا يبطله جور جائر ، ولا عدل عادل ، والإيمان بالأقدار ".
وكون الجهاد الاسلامي مستهدفا من أعداء الاسلام فهذا ليس بغريب ولا مستنكر ولكن الغريب أن يستهدف ممن عزهم وقوتهم وهيبتهم وأمنهم وسعادتهم في إقامته وإحيائه واستمرار الاعداد له من قبلهم وهم المسلمون ومن يتولى أمر المسلمين وسلطاتهم خصوصا وهو يتلون في كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قوله تعالى ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) ، ويسمعون قوله نبيهم محمد ( ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) وقوله أيضا ( توشك أن تداعي عليكم الامم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قلة نحن يومئذ يارسول الله , قال لا , بل كثير , ولكنكم غثاء كفثاء السيل ، أصابكم الوهن ، قالوا وما الوهن يارسول الله , قال حب الدنيا وكراهية الموت " .

لكن هناك من يقول أن من يطلق عليهم (المجاهدين) في فلسطين وأفغانستان والعراق إرهابيون؟

الجهاد ليس إرهابا كما يصوره أعداء الاسلام ولا الذين يمارسونه بإرهابيين بل إنه الحق المشروع الذي به يدافع المسلمون عن دينهم وأنفسهم وبلدانهم حين يعتدى عليهم الاخرون ممن لا يدينون بدين الاسلام من أهل الكتاب من ليهود والنصارى والمشركين وغيرهم ، والعجب أن هؤلاء الاعداء يستخدمون في المسلمين كل ما يحلو لهم من قتال واحتلال للأوطان وانتهاك للحرمات وقتل للاطفال والنساء والشيوخ وهدم البيوت على رؤوسهم أحياء بكل انواع القوة التي يملكوها ولا يسمون ذلك كله إرهابا بل المؤسف يسمونها تحريرا وإنقاذا ، وإذا أراد المسلمون أن يدافعوا عن أنفسهم ويوقفوا ما ينالهم من هؤلاء الأعداء من ظلم يطلقون عليهم إرهابيون وكأن الارهاب أصبح مقصورا على المسلمين حين يدافعون عن أنفسهم ودينهم ، وبهذا صارالمنطق مقلوبا ، أصبح الذبّاح هو المسالم والمدني الذبيح هو الارهابي المقلق ، والشيء المؤسف أن الساسة في بعض بلاد المسلمين ووسائل إعلام بعض المسلمين تردد عبارات الارهاب وتدين نفسها به بوعي أو بغير وعي مجاراة لهذا العدو وتحت مصطلح محاربة الارهاب الدولي ، ونجد أنه لا يحارب ولا يعني بهذا الاسم إلا المسلمين والواجب أن يعي حكام المسلمين وساستهم ما يريد منهم عدوهم وما يستهدف فيهم وما يدبر لهم من مزيد ذلك وإهانة واستباحة أرض وعرض ونهب للثروات والخيرات .

هل الحوار الحضاري مع الآخر ليس ممكنا حاليا بينما بلدان المسلمين تخضع للاحتلال العسكري المباشر ؟
.
الحوار في الاسلام مبدأ لا يتوقف العمل به في أي وقت أو ظرف أو حال من الاحوال ، فهوعمل مفتوح بين المسلمين وبين غيرهم سواء في حالة السلم أو الغلبة أو الهزيمة ، المهم أن لا يكون هذا الحوار على أساس المبادئ والثوابت ، أما في حالة ما يحقق به إحقاق الحق وإبطال الباطل وحقن الدماء وتحقيق السلام فهو الاسلوب المفضل في الاسلام والمقدم على سواه وهو الذي يجب أن يعمل به المسلمون اولا قبل أن ينتقلوا إلى ما سواه .
والحوار سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع الأمم عند الدعوة ، كما تجد ذلك واضحا في القرآن الكريم في دعوتهم لأقوامهم ، قبل قتالهم وهذا معلوم واضح من السيرة النبوية الشريفة ، وبناء على ذلك نقول أن الحق مع الاخرين ومجادلتهم ممكن لتحقيق أهداف الاسلام والمسلمين في أي وقت وظرف وهذا لا يعني توقف مقومة المسلمين لمن يحتل بلادهم وينتهك أعراضهم وينهب ثرواتهم ويستهدف أغلى شيء عندهم وهذا لا يتنافى ولا يتناقض مع وجود الحوار فهذا شيء وذاك شيء آخر .

هل ثمة إمكانية لتعاون الحركات الاسلامية المعتدلة مع الحكومات الوطنية في العالم العربي لتجاوز حالة العداء المزمنة ؟

الحركات الاسلامية في حقيقتها متفاوتة وتقوم بواجب الطاعة لحكوماتها الوطنية ولكن كثيرا من هذه الحكومات هي التي تتحرش بهذه الحركات بسبب ما داخلي أو خارجي بهدف تحجيم نشاطها أو توقيفها والبعض لا يقف عند هذا بل يحاول إستفزازها وإثارة الغيرة على الاسلام فيها ، من خلال سياستها وإدارتها للبلاد من إقصاء الشريعة الاسلامية عن الحياة وإتاحة المجال للدعوات الهدامة فكرا أو أخلاقا وتشريعا ، و أن يعيثوا في الارض إفسادا ، وهذه التصرفات تدفع بعض هذه الحركات الاسلامية في أن تقوم بواجبها من النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف ضد هذه الدعوات إلى غير ذلك وإن كان بعضها قد يخطئ الحكمة في ممارسة هذا الواجب مما يظهر للبعض أنه لا إلتقاء بين الحكومات الوطنية والحركات الاسلامية ، والعكس هو الصحيح فأغلب الحركات الاسلامية عندها إستعدادا تاما للتعاون بل وتمد يدها دائما لولاة أمرها وتبذل لها التعاون والعمل جنبا إلى جنب على أساس أن يقوم هذا السلطان بواجبه تجاه الدين والامة والوطن وتحقيق امر الله لهم في قوله (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " .

يقول البعض أن الحركات الاسلامية تقبل بالديمقراطية بصورة تكتيكية حتى تتمكن من الصعود إلى السلطة ، وبعد ذلك تنقلب على الديمقراطية ، فما رأيكم ؟

الديمقراطية الغربية والتي أصبح حكام المسلمين والعرب مدعوين إلى تطبيقها في بلدانهم فيها حق وفيها باطل لا يجوز للمسلمين أن يأخذوا به ، وجانب الباطل فيها هو مايمس جانب التشريع الذي يوكل أ مره الى الاشخاص المنتخبين دون الدراية بتشريع السماء لأن هذا الحق هو لله وحده .
أما ما يتعلق بحق إختيار السلطة ومراقبتها ومحاسبتها وإعطاء الحق في هذا لكل مواطن ولمن ينوبه وإشاعة الحرية واعتبارها حقا من حقوق كل مواطن ومحاربة الفردية والاستبداية في الحكم والسلطان وغير ذلك فهذا من الحق الذي يتطابق مع مبدأ الاسلام " الشورى " وهو صفة إيمانية وأمر موجه إلى كل مسلم.
والحركات الاسلامية عندما قبلت الديمقراطية وممارستها إنما قبلتها من هذه الزاوية وهي الجانب الشوروي فيها وتبنتها من منطلق مبدئي لاتكتيكي وهي تسعى جادة في أن يلتزمها حكامهم حقيقة قولا وفعلا ، لا شكلا من خلال التصريحات ووسائل الاعلام والممارسة تحكي غير ذلك ، وعلى ذلك فان الحركة الاسلامية إذا أذن الله عز وجل لها بالتمكين فإنها ستكون خير من يمثل الديمقراطية الشوروية مبدأ لا تكتيكا وماالتوفيق الا من عند الله والعاقبة للمتقين.

هل يقبل الاسلاميون بالتعدد الفكري والسياسي والعقائدي داخل المجتمع الواحد ، في إطار التعددية الحزبية والسياسية الديمقراطية ؟

مجتمع الاسلام مجتمع حضاري منفتح على الغير لأن الدين الاسلامي الذي يعتنقه يحمل هذه الطبيعة ، يربي المنتسبين إليه عليها ويدعوهم إلى ممارستها ليس في مجتمعاتهم فحسب ولكن في كل المجتمعات وفي مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية وهذا ليس بالأمر المدعى ولكنها الحقيقة التي تدل عليها نصوص مصادر الدين والممارسة العلمية للدعاة إليه والمجددين في كل وقت وحين ، وخير شاهد على ذلك نجد أن القران الكريم فتح باب الحوار لمختلف أنواع وأصناف الذين لم يدينوا بدين الحق الاسلام ، فحاور أهل الكتاب والمشركين ، وحاور الدهريين ، وجاور منكري البعث ، وحاور كبراء القوم وطغاتها ، بل أرشد العباد الى الحوار اللين والهادئ والبصير ، ويكفي على ذلك قوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام هندما كلفهما بدعوة فرعون المدعي الألوهية والربوبية بقوله " قولا له فولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " .
ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنفتح في حواره على كل أهل الديانات كما أنه حاور المشركين والدهريين والقرآن حكى لنا كثيراً من هذه الحوادث على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته العاطرة سجلت لنا مزيداً من البيان والتفصيل لهذا الحوار سواءاً قبل قيام دولة الاسلام ومجتمعه أو بعد قيام دولة الاسلام ومجتمعه وما انفتاحه على اليهود في المدينة وحواراته المتعددة لهم وانفتاحه على نصارى نجران والحبشة، ومحاورته لهم وغيرها ودعوته لأهل الكتاب في بلاد الروم وغيرها في قوله" قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم " لأكبر دليل وشاهد.
والمسلمون عندما امتد سلطانهم إلى بلاد المعمورة وعلى كل الديانات فتح علماؤه ودعاته الحوار والجدال، والنقاش العلمي بأوسع نطاق ، مع أنهم ذوو السلطان، وأصحاب الغلبة، ومع ذلك كان اختلاطهم ونقاشهم مع المجتمعات المتنوعة والحضارت المختلفة والاستفادة منها وإفادتهم بالحق الذي يحملون، والنقاش في المجتمع الواحد والمشاركة السياسية طغت إلى مستوى المشاركة في الوزارات وغيرها كان جلياً واضحاً سجلته في الكتب التراجم .
فهذ السجل التشريعي والتاريخي شاهد على تقبل العاملين للإسلام التعددية السياسية والفكرية بل والعقائدية إلتزاماً بالقاعدة القرآنية " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" بل سيجدون في هذا الإنفتاح وسيلة تفتح أمامهم آفاقاً واسعة في نشر الاسلام وتعريف من لا يعرف عن الاسلام شيئاً بالإسلام وسيحققون به إقامة الحجة وأداء البلاغ، وإن لبعض الحركات الاسلامية في هذا الباب لتجربة رائدة إستطاعت من خلال الاستفادة من هذه الفرصة المتاحة أن تجعل الاعداء أولياء حميمين، ومن الجاهلين بحقيقة الاسلام عالمين به، ومن المنكرين لشموليته وأنه عقيدة وشريعة من يؤمن بذلك وتتبناه في برامجه السياسية، ومن المنحرفين عنه إلى العودة إلى جادته إلى غير ذلك وهذه هي سنة الله عز وجل التي دعا إليها من يحملون دينه وأخذوا على عاتقهم تبليغه والدفاع عنه حين قال " لاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" ، وبالجملة فإن الحركة الاسلامية في ظل الحرية الفكرية والسياسية تجد المجال
الخصيب والواسع في القيام بواجبها، والفرصة المتاحة للاتصال والتواصل مع من لا يعرفها وبحجتها تبلغ بالحوار مع كل الفئات والشرائع والافكار المتعددة المتباينة مقصودها .