محمد الخامري من صنعاء: وافق مجلس الوزراء اليمني في جلسته الاعتيادية صباح اليوم على مشروع القرار الجمهوري بشأن إنشاء الإدارة العامة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في وزارة الداخلية والتي ستتولى عملية التخطيط لمكافحة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله وأنواعه والجريمة المنظمة بكافة أنواعها وتلقي المعلومات حول هذه الجرائم وتحليلها والتنسيق مع الأجهزة المختصة في الدول الشقيقة والصديقة بما يضمن الحد منها وكشفها في أوقات مبكرة.
كما ناقش المجلس العديد من القضايا والممارسات المؤدية إلى التطرف والإخلال بالمصالح العامة وإثارة الفتن في أوساط المجتمع وسبل علاجها والتخلص منها قبل أن تستفحل ويستشري خطرها في المجتمع.
وكان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح قد وجه مجلس الوزراء ببحث هذه القضايا والعمل على إيجاد حلول عاجلة لها وذلك في النواحي التنموية والتعليمية والثقافية ومكافحة الفقر وامتصاص البطالة وتنظيم عملية حيازة السلاح.
بدوره شخص المجلس بعض الجوانب المتسببة في تنامي هذه الظاهرة وعلى ضوء هذا التشخيص شكل فريق عمل وزاري لوضع برنامج عمل تفصيلي يتضمن الأولويات في التنفيذ والآليات اللازمة للوصول إلى الحد والقضاء على تلك الظاهر اينما وجدت بمعالجات منطقية وتجفيف منابعها كتنمية المناطق التى تزداد فيها المشكلات الاجتماعية وتتسم بالظروف الطبيعية الصعبة والشاقة، مع التركيز في نفس الوقت على تهيئة المناخ المناسب لتشغيل الشباب وملء الفراغات السياسية والفكرية والروحية لديهم بما يضمن إشغالهم بما ينفعهم ويعود عليهم بالفائدة بدلا من الفراغ الذي قد يجعلهم أداة بيد التطرف والتشدد وسرعان ما يتحولون إلى قنابل بشرية تتفجر لتصيب المجتمع بالويلات والدمار.
والملاحظ ان هناك من يخلط بين التشدد الديني والتطرف الممقوت وبين الحركة الإسلامية الموجودة في الساحة اليمنية والمعترف بها رسميا ، اذ ان هذه الحركة من الناحية التاريخية وبالرغم من أن ظهور " الإخوان " في اليمن يعود الى أواسط الستينات، فإنهم يمثلون امتدادا للحركة الإصلاحية التي قادها في هذه البلاد علماء سابقون ومجتهدون في الدين الاسلامي امثال ابن الوزير والمقبلي والجلال وابن الأمير الصنعاني والإمام محمد علي الشوكاني وغيرهم كثير ، وهذا لا ينفي تأثرهم بالاخوان المسلمين في العصر الحديث حيث بدأت صلة الإسلاميين في اليمن بالاخوان المسلمين في الأربعينيات ممثلة بقدوم الاخواني الجزائري الفضيل الورتلاني الى اليمن في نيسان 1947م موفدا من قبل مؤسس الإخوان في مصر الإمام حسن البنا ، والذي جاء على انه مندوب لشركة تجارية يملكها الحاج محمد سالم صديق البنا، ومن خلال هذا الغرض التجاري والاقتصادي عمل على الدعوة إلى الإصلاح في مملكة الإمام.
ولكن عندما لم تنفع جهود إصلاح النظام من الداخل ، عمل الورتلاني مع نفر من اليمنيين على تحضير وتنفيذ ثورة 1948 التي أطاحت بالإمام يحي حميد الدين، وأعلنت تنصيب إمام جديد - عبد الله الوزير- وتشكيل مجلس وزراء ومجلس شورى على قاعدة الميثاق الوطني المقدس الذي اعتبر دستورا للثورة.
ولم يستمر النظام الجديد سوى ثلاثة أسابيع ، استطاع الإمام أحمد بن يحي حميد الدين ، ولي العهد، إفشال الثورة وإسقاطها والاستيلاء على السلطة.
وطوال هذه المرحلة، لم يتبلور في اليمن أي تنظيم للإخوان المسلمين بالرغم من تأثير تنظيم حسن البنا المتزايد عبر الورتلاني ومن ناصره من اليمنيين من منطلق الإصلاح والتغيير ليس إلا.
عقب ثورة 1962 تقلد محمد محمود الزبيري منصب وزير التربية والتعليم في أول حكومة جمهورية، ثم عين نائبا لرئيس الوزراء لشؤون التربية والإعلام، وهو أول من شارك في السلطة من الرموز الإسلامية الشهيرة .
وكان الزبيري قد أسس "حزب الله" في 1964 وصار أمينا عاما له، ولكنه اغتيل في 30 آذار 1965.
وعلى اثر ذلك، ومع قدوم مجموعة من الشباب الدارسين في مصر ، تم تأسيس تنظيم الاخوان المسلمين ، ومن أبرز مؤسسيه عبده محمد المخلافي، والشيخ عبد المجيد الزنداني عضو مجلس الرئاسة السابق ورئيس جامعة الإيمان الإسلامية ، وياسين عبد العزيز نائب رئيس الهيئة العليا لحزب الاصلاح ، وعبد السلام خالد كرمان وزير الشؤون القانونية الأسبق وعضو مجلس الشورى حاليا.
دخل عبده محمد المخلافي مجلس الشعب ( البرلمان )، وكان له دور كبير في صياغة الدستور الصادر عام 1971.
وفي السبعينيات والثمانينيات ، كانت علاقة الإخوان بالنظام متينة، حيث تضامنوا مع السلطة في مواجهة حرب العصابات التي شنتها الجبهة الوطنية المعارضة والمدعومة من حكومة الشطر الجنوبي من اليمن " الماركسية " ، كما ساهموا في تكوين الحزب الحاكم حاليا " المؤتمر الشعبي العام ".
بالإضافة إلى ذلك فقد شارك الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشورى عام 1988، وحصدوا ثلث المقاعد ، هذا ما حصل مع الحركة الإسلامية في الشمال سابقا. أما في الجنوب، فان الحزب الاشتراكي اليمني فرض نظام الحزب الواحد وتبنى الخط الماركسي، ولم يسمح لحركة إسلامية بالوجود، بالرغم من ان بعض المصادر تذكر تنظيما للإخوان بقيادة المرحوم عمر طرموم ، ولكنه كان صغيرا، وكان الحظر على التنقل والاتصال بين الشمال والجنوب عائقا إضافيا لعزلة القيادات التي كانت تحاول عمل شئ في هذا المجال عن نظيراتها في الشمال ومصر والعالم.
استمر هذا الوضع الى قيام الوحدة اليمنية في 1990، وإقرار نظام التعددية، وبذلك برز الإسلاميون في تنظيم جديد ( التجمع اليمني للإصلاح )، وخاضوا الانتخابات ، ودخلوا البرلمان، وشاركوا في السلطة.
نلاحظ من خلال السرد التاريخي المتقدم أن الحكام - باستثناء المرحلة الماركسية - لم يتصادموا مع الحركة الإسلامية التي كانت تتبنى القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع ، حيث كانوا في الغالب من المحافظين أيضا. ومن ثم، فان الحركة الاسلامية في اليمن لم تكن في نشأتها واستمراريتها قائمة على أساس التضاد والتناقض العقيدي بين مبدأين مختلفين.
كما انه من الملاحظ ان بعض الباحثين في شئون الحركات الإسلامية يتجاوزون مرحلة الأزمة والتصادم مع النظام التي عانت - وتعاني منها إلى اليوم - حركات مماثلة في أمكنة أخرى من العالم العربي والإسلامي ، وقد أكد هذه الحقيقة الرئيس عبد الله صالح حين قال: " نحن لا نخاف الخطاب الديني لأن شعبنا اليمني أصلا شعب مسلم ومحافظ ومتمسك بدينه، واليمنيون هم دعاة الإسلام وممن حملوا راية الإسلام في أصقاع عديدة من الأرض، وليس لدينا مشكلة أقليات من أي نوع".
اخيرا ان ما أوجزناه في هذا التقرير يدل فعلا على انعدام أسباب التصادم بين الإسلاميين والنظام في اليمن، على الأقل في الظاهر ، لذلك يجب البحث عن التنظيمات الدخيلة على الحركة الإسلامية والتي حاولت ان تتلبس بها وانتشرت وحاولت ان تجد لها موطئ قدم في اليمن واجتثاثها أينما وجدت لأنها لا تحب التعايش السلمي بين الشعوب والأعراق كما أنها لا تنفذ حكم الله الذي قال " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " وليس بالمتفجرات والأعمال الإرهابية .
















التعليقات