توقع تحول استراتيجي في أروقة "لانغلي"
غوس رئيساً لوكالة الاستخبارات الأميركية


بيل شـرف الدين من القاهرة: كما سبق ونقلت (إيلاف) في تموز (يوليو) الماضي، عن دبلوماسيين غربيين توقعاتهم بأن بورتر غوس، النائب الجمهوري عن فلوريدا، ورئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي هو المرشح الأوفر حظاً ليقع عليه اختيار الرئيس الأميركي جورج بوش، لشغل منصب المدير الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية CIA خلفا لجورج تينت المدير السابق الذي قدم استقالته مؤخراً، في أعقاب دعوات أعضاء في مجلس الشيوخ إلى القيام بعملية اصلاح واسعة بعد سلسلة من الأخطاء والفشل الذي لحق عدة مهام في أداء الوكالة، فقد أعلن في واشنطن رسمياً عن اختيار غوس اليوم الثلاثاء بالفعل رئيساً لوكالة الاستخبارات.

ونقلت وكالة "أسوشيتدبرس" عن الرئيس الأميركي قوله إن "غوس مُعد جيدا لتلك المهمة، وهو الرجل المناسب لقيادة الوكالة في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ أمتنا"، كما وصفه بأنه "قائد وخبير بالأمور الاستخباراتية وبمكافحة الإرهاب"، كما نقلت عن غوس إعرابه عن اعتقاده بأن "كل أميركي يعلم أهمية جمع أفضل المعلومات الاستخبارية الممكنة بالنسبة لعملية صنع القرار".

ولن يتسلم غوس البالغ من العمر خمسة وستين عاماً مهام عمله إلا بعد موافقة مجلس الشيوخ على هذا الترشيح، ويأتي اختياره بعد أن تداولت وسائل الاعلام ‏الأميركية المختلفة عدة أسماء لشغل منصب رئاسة أكبر وكالات الاستخبارا في العالم، ومن أبرزهم السيناتور السابق سام نان، والسيناتور الجمهوري كريستوفر كوكس، والأدميرال المتقاعد ويليم ستادمان مدير وكالة الأمن القومي السابق، إضافة إلى جون ماكلوجلين نائب مدير وكالة الاستخبارات المستقيل جورج تينيت، والذي يتولى مهام مدير الوكالة منذ استقالة تينت.

وتضم وكالة الاستخبارات المركزية نحو 17 الف موظف على الاقل، وتبلغ ميزانيتها السنوية حوالي 3.1 مليار دولار، وخلافاً لفكر مؤسسات وأجهزة الأمن العربية، فإن الوكالة المركزية التي تأسست عام 1947، وتتخذ من ضاحية "لانغلي" بالقرب من واشنطن مقرا لها، لا تعد عبر موقعها على الانترنت أن هذه الارقام من الأسرار أو حتى الشؤون الداخلية.
ومنذ إعلان إستقالة تينيت في مطلع حزيران (يونيو) الماضي، يقوم مساعده لشؤون العمليات في الوكالة جيمس بافيت بمهامه، على رغم أن الأخير قرر أيضاً الاستقالة، مع الإشارة هنا إلى أن بافيت هو المسؤول عن إدارة العمليات السرية التي تنفذها الوكالة، وهو أيضاً أحد أشهر صقور المجمع الاستخباري، حيث أمضى في العمل بالوكالة المركزية أكثر من 33 عاماً، وهو يرأس ما يعرف باصطلاح "الخدمة السرية" بها منذ خمسة أعوام.

وتنحى تينيت عن منصبه بعد سبعة أعوام من قيادة الوكالة، وقال في معرض تفسيره لهذا القرار المفاجئ إنه جاء "لأسباب شخصية تستهدف أساسا تمضية وقت أكبر مع عائلته"، لكن استقالته فاجأت الكونغرس حيث تساءلت المعارضة الديموقراطية ما اذا كان مدير السي آي ايه كبش الفداء لكل الاخطاء التي ارتكبتها ادارة الرئيس جورج دبليو بوش في العراق، وبينما رأى معظم الجمهوريين ان هذا القرار "مناسب" لبدء الاصلاحات اللازمة لاجهزة الاستخبارات، غير أن دايان فينستين العضو الديموقراطي بمجلس الشيوخ اعتبر في تصريحات صحافية أن "استقالة مدير لوكالة CIA قبل شهور من الانتخابات الرئاسية وفي اوج حالات الإنذار ترقباً لهجوم إرهابي محتمل أن يكون كبيراً، هو أمر غير عادي، وربما كانت له خلفيات ما".

ويرى خبير استخبارات عربي سابق أن عهد تينيت ومساعده بافيت، سوف يسجل باعتباره أكثر عهود الفشل في تاريخ وكالة الاستخبارات الأميركية، ليس فقط بسبب فشلها في التنبؤ بهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) من العام 2001 ، ولكن أيضاً بسبب سلسلة من الأخطاء المعلوماتية، والتقديرات المرتبكة التي ورطت القيادة السياسية في اقرارات تتعلق بالعراق، خاصة ما يتعلق منها بحيازة نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل.

ودعت مجموعة متنفذة من أعضاء مجلس الشيوخ، الديموقراطيين والجمهوريين على السواء، إلى البدء في عملية اصلاح واسعة للاستخبارات بعد الاستقالة غير المتوقعة لجورج تينيت، واقترح هؤلاء الاعضاء، وبينهم الديموقراطيان جون روكفلر، وبوب غراهام، والجمهوريان اولمبيا سيمون، وترينت لوت، مشروع قانون ينص على عملية اصلاح واسعة لاجهزة الاستخبارات التي تواجه انتقادات حادة بسبب تقصيرها في العراق وفي مكافحة الإرهاب قبل اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 ، على النحو المشار إليه.

ومنذ نهاية الحرب الباردة وتحديداً في العام 1989، حدث تحول في العقيدة الاستخبارية للوكالة، إذ وضعت في أولويات أنشطتها الدفاع عن المصالح الاميركية خاصة في مجال التجسس الاقتصادي، ومهمة الوكالة هي جمع وربط وترجمة معلومات يمكن ان تؤثر على الامن القومي للولايات المتحدة.

ومازلنا مع الخبير العربي الذي أمضى عقوداً في متابعة أنشطة الخدمة السرية الدولية والإقليمية، حيث أعرب عن اعتقاده بأن هناك تحولات كبرى تجري حالياً في "لانغلي" ـ مقر الوكالة المركزية ـ مؤداها أن الوكالة قد تحول مسارها خصوصا على الصعيد التقني، إذ أصبح ضباطها يتعاملون مع معدات فائقة التطور، لكن هذا جاء على حساب الركيزة الاولى والأهم في أي جهاز خدمة سرية وهي "الاستخبارات البشرية" التي تعني ببساطة نشر عملاء ومخبرين ومتخصصين في اختراق الأجهزة، وفهم البيئة التي يتعاملون معها ـ والتحليل لم يزل للخبير الاستخباري ـ مؤكداً أن هذه الأمور تعد من بدهيات العمل السري، غير أنه يفسر هذا الأمر بطغيان دور التقنية على حساب الاداء البشري، وضرب مثلاً لذلك بالواقع العراقي، واختتم حديثه قائلاً إن وكالة استخبارية بهذه الضخامة وتلك الميزانية لا يمكن ان يقبل منها أداء يقل عن مثيلاتها في أوروبا، وهنا تبرز الحاجة للمراجعة الراهنة.