رجل الدين الشاب تجاوزالمحرمات المحلية والاقليمية والدولية

أسامة مهدي من لندن : وإن كانت تبدو قدرتهم على المواجهة في انحاء متفرقة من العراق واضحة، الا ان رجل الدين المتشدد مقتدى الصدر ومسلحيه في جيش المهدي الذي يضم حوالي عشرة الاف فرد قد وقعوا في المحظور وتجاوزوا الخطوط الحمراء محليا واقليميا ودوليا، من خلال اعلانهم حظر التجول في العاصمة وتصعيد المواجهة مع السلطات وقواتها واعلان انفصال الجنوب العراقي، ووقف تدفق النفط الامر الذي ادى الى اشتعال اسعاره وتجاوزها 45 دولارا للبرميل الواحد.ونحت هذه الممارسات فرصة كبيرة للقوات العراقية والاميركية لشن الهجوم الواسع الذي بداته اليوم حيث سيطرت على وسط مدينة النجف بعد هجوم رئيسي صباحي وسدت الطرق المؤدية إلى ضريح الامام علي بن ابي طالب. وينتشر مشاة البحرية الاميركية في دبابات وعربات همفي في نقاط تفتيش في المنطقة بينما انسحب مسلحو جيش المهدي التابع للصدر إلى ضريح الامام علي ومنطقة مدافن قريبة .واكد متحدث باسم وزارة الداخلية العراقية إن القوات العراقية وحدها هي التي ستقوم بنزع أسلحة رجال الميليشيا المتحصنين في النجف عند مرقد الامام علي. وقال صباح كاظم "لدينا تعليمات صارمة بأن القوات العراقية فقط هي التي ستدخل الاماكن المقدسة."

وتم نشر نحو 2000 جندي أميركي و1800 رجل أمن عراقي حول مدينة النجف التي يبلغ عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة وتبعد نحو 160 كيلومترا جنوبي بغداد فيما قال شهود عيان إن الاف المدنيين يفرون من المنطقة المحيطة بمرقد الامام علي في وسط المدينة.

لكن أحمد الشيباني المتحدث باسم الصدر في المدينة شدد بالقول "نحن نقاتل القوات الأميركية منذ ثمانية أيام وسنواصل قتالها لثمانية أيام أخرى. نحن مستعدون تماما لصدّ أي هجوم على مواقعنا."

داخليًا
فعلى الصعيد الداخلي فان الصدر اعلن فرضا لمنع التجول في العاصمة التي يسكنها حوالي خمسة ملايين نسمة وتضم الادارات الرئاسية والوزارات والبعثات الدبلوماسية، حيث نزلت عناصر جيش المهدي الى شوارع بعض الاحياء الشعبية لمنع الواطنين من الالتحاق باعمالهم ووظائفهم وهو الامر الذي واجهته السلطات بالاعلان عن الاستعداد لمواجهة هذه العناصر بحزم اعتبارا لان العاصمة هي رمز الدولة ومركزها واي وجود مؤثرلانصار الصدر فيها سيقلل من هيبة الدولة وثقة الناس بها .

واضافة لهذا فان بيانات الصدر وتصريحات مساعديه تتصاعد في توجيه الاتهامات للحكومة ورموزها بالخيانة والعمالة للمحتل الاجنبي الامر الذي ردت عليه السلطات ببيان قوي قالت فيه " ان المسلحين يقومون بانتهاك الأعراض والحرمات واستخدام الأماكن المقدسة كملاجئ يحتمون بها و يخزنون فيها الأسلحة والاعتدة، ومن ثم تلتها الأفعال المشينة التي قامت بها نفس العصابات المسلحة في مدينة الثورة و المناطق المحاذية لها بقصف المنشآت و المؤسسات الحكومية مثل وزارة النفط و الدوائر الأخرى محدثة أضراراً فيها، وكذلك استهدافهم المدنيين من خلال القصف العشوائي على المواطنين والذي تسبب بسقوط 111 قذيفة على المحلات العامة والمناطق السكنية وسقط على أثرها 14 شهيدا و67 جريحا من المدنيين العراقيين مع إحداث أضرار كبيرة في المباني والمحلات التجارية والأسواق والدور السكنية وتدمير عدد كبير من السيارات المدنية وباصات نقل الركاب بينما شدد مجلس الامن الوطني على ان هذه التجاوزات لايمكن السكوت عليها .

ولذلك اكدت حكومة علاوي ان القوات العراقية من الحرس الوطني و الجيش والشرطة العراقية بالتعاون مع العشائر والقوى السياسية العراقية ستقوم بإعادة النظام و القانون في كل المناطق التي تقوم فيها "هذه الزمر بأعمالها الإجرامية وستقوم بتلقين هؤلاء المجرمين الدروس التي يستحقها كل خارج عن القانون ... و سنقوم بعون الله و بهمة الشرفاء من أبناء العراق بإعادة الأمن و الاستقرار و الطمأنينة إلى كل ربوع العراق العزيز" كما قالت .

واضافت في بيان شديد اللهجة "اننا ننصح هذه الجماعات المسلحة بان تستفيد من قانون العفو الذي أصدرته الحكومة مؤخرا بإلقاء سلاحهم والانخراط مجددا في الحياة المدنية .. لذا نطلب من شعبنا الكريم الالتزام بالنظام و القانون و عدم مجاراة هذه العصابات المسلحة في أعمالها الإجرامية " .

واضافة الى هذا الموقف الرسمي فإن هناك المرجع الدينية الكبار في النجف التي لم تعلن تاييدها لحركة الصدر وعلى العكس من ذلك فانها تدعو باستمرار الى نزع سلاح المدينة واخلائها من كل المظاهر المسلحة وهو مايعني حل مليشيات الصدر .

وكان اخر موقف في هذا الاتجاه عبر عنه الوقف الشيعي وهي مؤسسة حكومية ترعى مصالح الشيعة رسميا الذي دعا الى اخلاء المدن المقدسة من جميع المظاهر المسلحة . وطالب في بيان له جميع الاطراف الى فتح باب الحوار والاستجابة الى المبادرات السلمية .. وفيما يلي نص البيان :

بسم الله الرحمن الرحيم
(رب اجعل هذا البلد آمناً)
إن الأحداث المؤسفة التي تشهدها مدينة النجف الأشرف تدعو جميع أبناء العراق الشرفاء والأطراف السياسية إلى تحمل المسؤولية لمعالجة الأزمة بالطرق الجدية الفاعلة.
وبالرغم من الدعوات المتكررة من قبل المرجعية الدينية والأطراف الحريصة على أمن العراق بضرورة إخلاء المدن المقدسة من جميع المظاهر المسلحة باعتبارها أماكن عبادة ، إلا أن استجابة الأطراف المتحاربة لم تكن بمستوى نزع فتيل الأزمة. ولأن تفاقم الأوضاع في المدن المقدسة سيؤدي دون شك إلى زعزعة الأمن والاستقرار في رقعة واسعة من العراق، فإن تضييق دائرة الصراع والوصول إلى حلول معقولة هو مسؤولية الجميع.
إن ديوان الوقف الشيعي إذ يعرب عن بالغ قلقه لتصاعد وتيرة الأزمة، يدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس ، وعدم تصعيد المواقف ، وفتح باب الحوار، والاستجابة للمبادرات السلمية والتحلي بالإيجابية.
ويدعو ديوان الوقف الشيعي أيضاً إلى بقاء القوات المتعددة الجنسيات خارج المدن المقدسة التي لابد لها من أن تكون مناطق منزوعة السلاح ، وتحت حماية الشرطة العراقية والحرس الوطني العراقي والقوى القانونية الأخرى.
اقليميًا
ثم جاء اعلان احد مساعدي الصدر عن انفصال الجنوب العراقي ليدق ناقوس خطر تقسيم العراق الذي ترفضه بقوة جميع دول المنطقة وخاصة المجاورة منها التي ترى فيه خطرا يهدد امنها واستقرارها ايضا، خاصة وان هذا الجنوب سيكون شيعيا الى جانب دولة جارة كبرى تنتمي الى المذهب نفسه وطالما اتهمت بالتدخل في شؤون العراق والمنطقة .
فقد اعلن نائب محافظ البصرة سلام المالكي امس انفصال المحافظات الجنوبية البصرة والناصرية والعمارة عن بغداد وانشاء ما اطلق عليه " اقليم الجنوب العراقي" وهو ما تصدت له السلطات العراقية بقوة حيث اكد الدكتور عدنان الجنابى وزير الدولة العراقية عدم اعتراف الحكومة بالقرار مشددا على انها لن تتفاوض مع انصار الصدر " لان موقفهم مخالفة للقانون ويجب على الصدران ينهى تواجد مسلحيه فى مدينة النجف" . واضاف الوزير ان " هذا الشخص موظف فى المجلس البلدي ولا يمثل شيء للحكومة العراقية وليتكلم كما يشاء وان الحكومة العراقية لا تعترف به ".
ونائب محافظ البصرة هو ممثل الصدر هناك وكان مهد لهذا الاجراء في تهديد له بفصل المحافظات الجنوبية الثلاث عن العراق في حالة عدم انسحاب القوات الاميركية من النجف والاعتذار الرسمى من قبل رئيس الوزراء اياد علاوى وحكومته للصدر والتيار الصدري وتعويض الشهداء والمتضررين من جيش المهدي وحذر قائلا "اذا لم تتم الاستجابة لهذه المطالب فاننا نهدد بانفصال البصرة والعمارة والناصرية واقامة اقليم الجنوب " .
وفي هذا الاطار قال ديبلوماسي اماراتي في وزارة الخارجية لصحيفة "السياسة" الكويتية اليوم ان حكومة اياد علاوي بعثت خلال الايام الاربعة الماضية بموفدين الى عدد من الدول العربية والخليجية منها مصر والمغرب والسعودية حملوا الى مسؤوليها تفاصيل الخطة الايرانية لاعلان دولة شيعية في جنوب العراق، تحت مسمى اقليم الجنوب الانفصالي استنادا الى اعترافات ممثلين ايرانيين في العراق بينهم القنصل الايراني في كربلاء الذي صودرت في مقري قنصليته واقامته وثائق لاتدحض عن هذا المخطط كما صودرت فيهما معدات مراقبة واتصال متطورة الى جانب كميات من الاسلحة والمتفجرات .
واتهم الديبلوماسي الاماراتي النظام الديني المتشدد في طهران باعادة نبش خطط الشاه السابق التي كان رسمها مع اسرائيل في الستينات واوائل السبعينات لتقسيم العراق واقامة دولة شيعية في جنوبه .
لقد جاء الاعلان عن انفصال الجنوب الذي اضطر الصدر الى إعلان عدم موافقته عليه فيما بعد ليؤكد اقليميا ان حركة الصدر تشكل تهديدا للامن والاستقرار في المنطقة كلها وهو ماسيصب في مصلحة الحكومة العراقية والولايات المتحدة الحليفة لها التي تتولى قواتها المواجهة الرئيسية ضد انصار الصدر وتمنحها مبررات تصفية حركته . .
دوليا
ولم تقف ممارسات انصار الصدر عند هذا الحد وانما تبعتها بتهديد صادرات النفط الى الخارج وهو الامر الذي لن تسمح به القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا باي ثمن ويبدو انهم نسوا ان النفط كان اهم عوامل اشعال الحرب الاخيرة التي اطاحت بصدام حسين ونظامه الذي بدا منذ احتلال الكويت عام 1990 يشكل تهديدا حقيقيا لاقتصاد الدول الكبرى التي يعتبر النفط شريان حياته .
فقد قامت عناصر من جيش المهدي بإرغام العاملين في شركة نفط الجنوب بغلق أحد أنابيب النفط و إيقاف تصدير النفط العراقي منه بنسبة 50% مما تسبب في خسارة مادية تقدر ب 30 مليون دولار يوميا .. اما إذا تم قطع كامل الأنبوب فستكون خسارة العراق 60 مليون دولار يوميا "وهي من الأموال تقطع من قوت الشعب و رواتب الموظفين و المتقاعدين و إيقاف عملية الإعمار و البناء" كما قال مصدر رسمي مضيفا انه " نتيجة لهذه الأعمال الإجرامية و التخريبية قررت الحكومة الضرب بيد من حديد على أيدي هذه الزمر الخائبة التي تريد العبث بمصير الشعب و الوطن ".
وقال مسؤول نفطي عراقي إن هجوما تخريبيا على واحد من خطيّ أنابيب تصدير في جنوب العراق أدى الى تراجع انتاج النفط العراقي واوضح ان الهجوم على خط الانابيب الذي يبلغ قطره 48 بوصة في شبه جزيرة الفاو يوم الاثنين خفض تدفق امدادات النفط الى 1.1 مليون برميل يوميا من 1.9 مليون. وكان مسؤولون اخرون في صناعة النفط قالوا إن الانتاج توقف اثر تهديدات من ميليشيا جيش المهدي .
ونتيجة لذلك فقد سجل سعر برميل النفط في نيويورك رقما قياسيا متجاوزا عتبة 45 دولارا لاول مرة اليوم ليصل الى 45.40 دولارا، نتيجة المخاوف المتعلقة بمجموعة يوكوس الروسية النفطية العملاقة والوضع في العراق. وبلغ سعر برميل النفط المرجعي 45.40 دولارا، وهو السعر الاعلى حتى اليوم .
ويرى محلل نفطي ان الوضع في العراق "خارج عن السيطرة" وقال "طالما الوضع في العراق غير مستقر ستبقى اسعار النفط مرتفعة" وهو الامر الذي لن تسمح الولايات المتحدة باستمراره طويلا ولذلك فهي تستعجل الحسم لسبب اخر هو قرب موعد انتخابات الرئاسة الاميركية التي سيكون العراق وتطور الاوضاع فيه واحدا من عوامل حسم المعركة الانتخابية .
ولذلك فانه ليس من المستغرب ازاء كل هذه التطورات ان يعلن الجيش الاميركي اليوم أن قواته تستعد بمشاركة قوات الأمن العراقية لشن هجوم واسع النطاق على مسلحي جيش المهدي في النجف .
وقال بيان صادر عن وحدة الاستطلاع الحادية عشرة التابعة لقوات مشاة البحرية الاميركية إن "قوات المارينز والجنود الأميركيين والحرس الوطني العراقي يجرون تدريبات مشتركة استعدادا لشن هجوم واسع على العدو في مدينة النجف". واضاف أن قوات المارينز وعناصر من الحرس الوطني العراقي يعملون حاليا على تشكيل القوة التي ستشن الهجمات الرئيسية في المدينة . وأوضح البيان أن "قوات المارينز وقوات الحرس الوطني العراقي كانوا قد بدأوا منذ عدة أيام تدريباتهم المشتركة لغرض تشكيل قوة ضاربة لاقتحام المدينة التي خرق فيها القانون والنظام". وأكد الكولونيل أنتوني هاسلام أمر الوحدات في النجف في البيان ان "القوات العراقية والاميركية تستكمل الان استعداتها النهائية لغرض حسم هذه المعركة التي بدأتها ميليشيا مقتدى".
واعرب علاوى عن استعداد حكومته لوقف اعمال القتال فى النجف اذا وافق مقتدى الصدر
وانصاره على القاء اسلحتهم والتحول الى حزب سياسى يشارك فى العملية السياسية فى البلاد.
وقال فى تصريح لهيئة الاذاعة البريطانية اليوم ان العملية السياسية مفتوحة امام جميع العراقيين غير انه يجب على الحكومة ان تبدى صرامة وشدة فى وجه من وصفهم بالخارجين على القانون والعناصر الضارة وقدر الخسائر الناجمة عن شن هجمات على المؤسسات النفطية فى جنوب العراق خلال اليومين الماضيين بنحو ستين مليون دولار .