هل يسمح عبد الله الثاني "الإلكتروني" بما يجري؟

نصر المجالي من لندن: فجرت قضية التشاجر العشائري في ضاحية من ضواحي العاصمة الأردنية عمان قبل شهر من الزمن ، قضايا كانت مخفية تحت البساط، وهي بتداعياتها أعادت بلدا طامحا ليكون أول مملكة إلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وما جاورها من بلدان عربية وشمال إفريقية وآسيوية، وتلك القضية التي قتل فيها عدد من الأشخاص، وجرح آخرون، إضافة إلى قتل متعمد للثأر أو الإنتقام للشرف، أثارت حسب مراقبين تساؤلات كثيرة عن حال المجتمع المدني بمؤسساته المكتملة في الأردن التي يسعى إلى إنجازها العاهل الهاشمي الملك عبد الله الثاني بكل ثقة واقتدار.

وفي الأيام الأخيرة، حفلت وسائل الإعلام الأردنية بكتابات وآراء كثيرة لمتخصصين في الشان القضائي وكذلك لصحافيين ومقدمي برامج تلفزيونية على القنوات الأردنية المحلية منها والفضائية، حول مسائل العودة إلى القوانين العشائرية التي فرضت على الأردن وغيره من مناطق بلاد الشام والعراق ونجد في ظل الحكم العثماني التركي الذي ساد المنطقة لخمسة من القرون انتهت في العام 1916 ، بعد الحرب العالمية الأولى التي بدأ تشكيل الكيانات الوطنية الصغيرة في الشرق العربي، عبر اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني.

وفي الأيام الأخيرة، فإنه لوحظ أن الأردن، على كل مستوياته الشعبية والرسمية والإعلامية أيضا، انهمك في قضايا بعيدة كل البعد عن طموحات الملك الشاب عبد الله الثاني في بناء حكومة إلكترونية، في بلد صغير الإمكانيات لتحقيق هدف أن تكون مملكته الصغيرة، المحدودة الإمكانيات، منطقة حرة لجميع دول الجوار ومن جاورها أوروبيا وآسيويا.

يشار إلى أن الحكومة الأردنية أقدمت في منتصف سبعينيات القرن الماضي، على قرار جريء بإلغاء مظاهر القانون العشائري الذي كانت تحتكم إليه في قضايا كثيرة، عبر قضاة كبار من القبائل التي تشكل العامل الأساسي في الكيان الأردني، حيث شكلت محكمة الجنايات الكبرى، للنظر في كل المسائل المتعلقة بالجرائم من قتل عمد أو خلافه أو اعتداء أو اغتصاب أو تعد على حقوق الآخرين.

ورغم قيام تلك المحكمة، إلا أنه تم تحييدها، سواء من جانب الحكومة التي لا حول لها ولا قوة أمام الضغط العشائري الكبير، أو من جانب العشائر التي كانت تقرر بعيدا عن السلطتين التنفيذية والقضائية ما يحلو لها عبر القانون الذي ساد منذ ستماية عام خلت، متناسين مهمات الدولة الحديثة. ويذكر لهذه المحكمة الجنائية أنها أصدرت مئات القرارات التي نفذ بعضها تم تنفيذه، لكن مئات أخرى تمت تسويتها عبر شيوخ القبائل حسب اختصاصاتهم في حل النزاعات، سواء داخل القبيلة ذاتها، أو مع القبائل الأخرى، في حالات القتل والاعتداء على الشرف وما شابهها.

وتساءلت مصادر تتابع الشان الأردني، عن استمرار مثل هذه الحالة والعودة إلى الوراء لقرون خلت، في الوقت الذي دأب فيه العاهل الأردني على العمل لبناء حكومة إلكترونية كونية تضاهي دول العالم المتقدم رغم شح الإمكانيات الاقتصادية، لكن ثروتها التي تعتمدها هي إنسانها في الدرجة الأولى حيث نسبة الأمية في المملكة هي الأقل في العالم، إذ تبلغ فقط 7 بالمائة من عديد السكان الذين يشكل عنصر الشباب منهم 75 بالمائة.

ولفت نظر هذه المصادر الأنباء الواردة من العاصمة الأردنية التي قالت أن وزارة الداخلية ومستشارية العشائر في الديوان الملكي الهاشمي بدأت بوضع ترتيبات متكاملة لكيفية التعامل مع القضايا العشائرية، إضافة إلى أنها قطعت شوطاً بحل العديد من القضايا العشائرية المزمنة واغلبها قضايا القتل والعرض ويتم ذلك عبر لجنة مشتركة يشرف عليها وزير الداخلية وفواز بن زبن بن عبد الله مستشار الملك لشؤون العشائر.

وقالت معلومات في عمان أن هذه الترتيبات جاءت كاستجابة للواقع العشائري ومتطلباته مبنية على العرف والعادة وتأخذ بعين الاعتبار التطورات او المتغيرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الأردني وزيادة عدد سكان المملكة.

وقالت صحيفة (الرأي) شبه الرسمية إن هذه الترتيبات تشتمل على إعادة ترتيب "العطوات والصلحات والحق والجلوة"، وهذه هي قوام القانون العشائري في الأردن، الذي يبدو انه لا يزال ساري المفعول . وقالت الصحيفة أن وزير الداخلية المهندس سمير الحباشنة والشريف فواز زبن سيبدأون بالتعامل مع قضايا المقاسم العشائرية والخلافات الناشئة أو المزمنة حول هذا الأمر.

يذكر بأن وزارة الداخلية ومستشارية العشائر بدأت منذ اشهر بالعمل وفق صورة منتظمة لعادة ترتيب الأمور العشائرية درءاً للخلافات والتعامل معها وفق حلول مقبولة وعادلة.ملك الأردني عبد الله الثاني.

وفي مقال لافت للانتباه، مثله مثل مقالات كثيرة، فإن عريب الرنتاوي، وهو صحافي عاد من المنافي الفلسطينية بعد ربع قرن من العمل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واحتل مواقع مرموقة في الإعلام الأردني كاتب ومقدم برنامج حواري في التلفزيون وعضو مجلس لإعلام وهيئة الإذاعة والتلفزيون، حاله حال صالح القلاب الذي عاد وتسلم وزارة الإعلام مرتين، فإن الرنتاوي كتب يقول، وفي كلامه الكثير من الدلالات والمؤشرات:

"نحن أكثر الناس انشغالا بالحديث عن الحداثة والعصرية والمعاصرة... فلا يخلو خطاب أو تصريح، مقال أو بيان، ندوة أو محاضرة، من هذه المفردات التي بتنا منشغلين بوضعها في خاتمة كل مطلب نريد أو شعار نرفع: قانون انتخاب عصري، قانون أحزاب حديث، قانون أحوال شخصية حداثي، مجتمع عصري، أردن حديث ومستقبلي.
ولقد ذهبنا في الحداثة وما بعدها حد اقتحام عوالم "الحكومة الالكترونية"... لكأننا نجحنا في تخليص جهازنا البيروقراطي من ترهله ومحسوبيته وانتاجيته المتدنية، نجحنا في ترشيق أداء البشر والمؤسسات، ولم يبق علينا سوى أن ننتقل إلى عوالم الذرة والالكترون.
والطريف في الأمر أننا نتحدث عن الحكومة الالكترونية بذات القدر من الحماس الذي يغمرنا عندما نتحدث عن تطوير مفهوم "الجلوة العشائرية"... بل إن الحماس يأخذنا عند تناول الثانية أكثر بكثير مما يصيبنا عند تناول الأولى، فالجدل الفقهي هنا يشتعل ليطاول الجد الرابع أو الخامس، وأقارب الدرجة الرابعة أو الخامسة، إلى غير ذلك مما تثيره هذه المسألة من استحضارات وتداعيات.
ننسى في حمأة الحرص على الموروث والتراث، أن العالم اجتاز ثورة المواصلات إلى ثورة الاتصالات... وأن مفهوم الجلوة بالأساس لم يعد له ما يبرره في "زمن القرية العالمية".... ننسى أننا مجتمع تجاوز حالة البداوة منذ سنوات، ولم يعد يذكرنا بها سوى ذلك البند في قانون الانتخابات... ننسى أن المسافة بين أبعد نقطتين في الأردن لم تعد تتعدى الساعات الأربع... ننسى أن الحداثة والمجتمع المدني والمعاصرة إلى غير ذلك من المفردات التي يزخر بها قاموسنا المحلي وخطابنا السياسي، لا تنسجم بحال من الأحوال مع سعي البعض منا إلى تأبيد هذا الموروث، حتى وإن اضطر إلى القفز عن الحقائق العنيدة التي تقول أن هذه وتلك لا تلتقيان، فإما السير باتجاه الحكومة الالكترونية ومجتمع المواطنة والحداثة والعصرنة وسيادة القانون الواحد، وإما الركون إلى تجربة "كاتب الاستدعايات" وهيمنة الموروث الذي لا يستفيد منه واقعيا سوى الإقطاع السياسي ونخبة المتنفذين والمنتفعين.
آن الأوان لكي نغادر هذه الازدواجية، وأن نقتصد في الجهد والوقت المبذولين في محاولة "اختراع العجلة" واكتشاف النار... آن الأوان لتجاوز المراوحة وتجشم عناء المحاولة لتسجيل اختراقات في حركتنا وحراكنا للأمام، وإلا ستظل قضايا من نوع تطبيق قانون السير ومنع إطلاق الأعيرة النارية في التوجيهي وحفلات الزواج، تحديات عصية على المجابهة والاحتواء.