نصر المجالي من لندن: اشارت تقارير إلى أن الحكومة الأردنية بدأت إجراءات عملية وعلى نحو قانوني وفي شكل احترازي ، دعوى قضائية سجّلها زعيم المؤتمر الوطني العراقي الدكتور أحمد الجلبي الذي يوصف في العاصمة الأردنية بأنه "بطل قضية انهيار بنك البتراء"، والذي قدم شكوى رسمية من خلال ابنته الناشطة على صعيد أميركي تمارا أمام محاكم الولايات المتحدة التي لم تنظر فيها حتى اللحظة.

ونقل تقرير لصحيفة "الرأي" شبه الحكومية اليوم عن مصدر مسؤول أن وزير المال محمد أبو حمور ومحافظ البنك المركزي أمية طوقان وضعا رئيس الوزراء فيصل الفايز ومجلس الوزراء بالترتيبات التي ستتخذ استعداداً لمواجهة الدعوى بافتراض أن المحاكم الأميركية "قبلت النظر فيها إسقاطاً لعنصر المفاجأة وتحسباً للمخاطر فيما لو لم تؤخذ الاحتياطات اللازمة بجدية رغم الثقة بأنها ليست ذات موضوع".

وأضاف المصدر الذي رغب عدم ذكر اسمه أن الترتيبات التي تعتزم الحكومة الأردنية إعدادها للمواجهة تتركز في جمع الوثائق المتعلقة بالتحقيق والأحكام وتقارير البنك المركزي آنذاك وتقارير بنك البتراء الداخلية ونتائج وخلاصات لجان التدقيق والتحري المالية والجنائية، وهو لفت إلى أن كل هذه الوثائق ستبوب بعد أن تترجم قانونياً إلى اللغة الإنجليزية وهي خطوة أولى تمهد في المستقبل العاجل إلى استشارة محامين متخصصين وتشكيل هيئة من بينهم تتولى القضية في حال لو أخذت الدعوى مجراها.

وهنالك معركة "كسر عظم" بين حكومة عمان والدكتور الحلبي، اذ أصدرت محكمة أمن الدولة الأردنية عام 1992 قرارا غيابيا بسجنه 22 عاما بتهمة التورط في انهيار بنك البتراء، وهي تهمة دأب الجلبي على نفيها في كل تصريحاته الصحافية والإعلامية، متهما حكومة الأردن بالتواطؤ مع نظام الحكم السابق في العراق على عاتق الشعب العراقي ومصالحة الاقتصادية.

يشار أيضا، إلى أن الدكتور الجلبي ومعه ابن شقيقه سالم الجلبي مدير المحكمة الخاصة بجرائم الحرب التي ستنظر في الجرائم التي ارتكبها صدام حسين ومساعديه أثناء فترة حكم حزب البعث لخمسة وثلاثين عاما مضت في العراق، صدرت بحقهما أحكاما بالاعتقال لأخطاء ارتكباها، وهو أمر ينفيه الجلبيان.

وقال المصدر الأردني المسؤول موقف حكومة بلاده من الشكوى التي تقدمت بها تمارا الجلبي باسم والدها ضد الحكومة الأردنية، وقال "هذه قضية جديدة مختلقة، وهي حشو من الأكاذيب والاتهامات التي تضمنتها رسالة تمارا التي حددت فيها ملامح ومرتكزات الادعاءات في الدعوى التي طالت الحكومة الأردنية ممثلة بوزير المال السابق باسل جردانة والبنك المركزي الأردني ومحافظه في ذلك الوقت الدكتور محمد سعيد النابلسي ورئيس الوزراء الأسبق في السبعينيات والثمانينات مضر بدران.

ووصف المصدر دعوى الجلبي أمام المحاكم الأميركية، بأنها "سياسية لا تستند إلى وقائع وانه يريد من خلالها تحقيق مكاسب إعلامية تخلصه من مآزق سياسية وجنائية متتالية، غير أن المصدر قال إن الثقة بهزالة الدعوى لا يمنع من أخذ الحيطة لدرء مخاطر حتى لو كانت نسبة تحققها شبه معدومة".

وإليه، كانت التحقيقات في قضية بنك التراء المنهار ، في نهايات الثمانينات الفائتة كشفت عن تفاصيل مثيرة أعلن بعضها فيما يزال بعضها الآخر طي الكتمان خصوصاً ما يتعلق "بقائمة من المنتفعين من هبات الجلبي، وهم الذين ساهموا في شكل مباشر وغير مباشر في إخفاء وطمس معلومات تخدم التحقيق حتى أن منهم حاول في حينها عرقلة مجرياته إلا أن بعض هذه الممارسات قد «وضع لها حد» في حينها، حسب ما أفاد به تقرير صحيفة (الرأي) الأردنية اليوم.

ويكتنف الغموض حتى اللحظة قصة هروب الجلبي من الأردن، مع تعدد الروايات حولها كما أن ظروف جلبه إلى القضاء من الخارج ما تزال غير واضحة، فيما عزتها بعض المصادر إلى حماية من أجهزة استخبارات أميركية آنذاك التي رشح أنها مارست ضغوطاً على الشرطة الدولية (إنتربول) لتجاهل ملاحقة الأردن للمطلوب تكراراً ومراراً.

وتعود قضية بنك البتراء المنهار التي تسببت بخسائر قدرها 400 مليون دينار على الاقتصاد الأردني إلى نهايات ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي عندما كشف البنك المركزي الأردني إبان معالجته لتداعيات الأزمة الاقتصادية عام 1989 سلوكيات مشبوهة في البنك من بنيها تسجيل أصول نقدية وهمية في حسابات خارجية مزعومة تبين لاحقاً أنها خسائر تقترب من 200 مليون دولار، إضافة لاقتراض غير مبرر من البنك المركزي آنذاك بقيمة 40 مليون دينار وهو ما اعتبر في حينه خطأ فنياً من جانب «المركزي» وتهاوناً غير مفهوم.

هذا إضافة لمماطلة إدارة البنك في كشف بياناته والوفاء بالتزاماته تجاه «المركزي» رغم أن تقارير موثقة صادرة عن دائرة الرقابة والتفتيش في البنك المركزي حذرت أكثر من مرة من أخطاء إدارية ومالية في البنك.

وشكك محافظ البنك المركزي الأسبق محمد سعيد النابلسي وهو أحد المدعى عليهم في قضية الجلبي أمام المحكمة الأميركية في إمكانية قبول الدعوى شكلاً وقال «الدعوى مشكوك فيها بالنسبة لصلاحية القضاء الأميركي في النظر فيها لتضمنها اتهامات لحكومات أخرى خارج أميركا والمعروف أن الحكومات تتمتع بحصانات حسب القانون والعرف الدولي».

وتابع النابلسي القول، "الدعوى استندت لقوانين أميركية ضعيفة"، وحصل النابلسي الذي أكد أنه وأطراف القضية لم يبلغوا بها رسميا على نسخة من محتويات الدعوى بصفة شخصية وقال إنها ارتكزت على طلب تعويض للجلبي وبنك البتراء في واشنطن على اتهامه للمدعى عليهم جميعاً بالتآمر على تسليم الجلبي عام 1989 وما قبله للنظام العراقي السابق وتدمير بنك البتراء حتى أنه (أي الجلبي) ما يزال يكرر التصريح بأن هذا الأمر مازال مستمراً حتى الآن من جانب الأردن وهو كلام "فارغ لا يستند إلى حقائق".

ويقول الجلبي أن قضية بنك البتراء قضية مالية جنائية ليس لها أساس سياسي وأنها اكتشفت إبان الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالأردن عام 1989 وأن تداعياتها قائمة قبل ذلك بسنوات.

ومن جهته أكد محافظ بنك الأردن المركزي، محمد سعيد النابلسي أن اجتماعاً عقد بالفعل ضمه مع وزير المال محمد ومحافظ البنك المركزي أمية طوقان ، جرى فيه تبادل وجهات النظر حول كيفية مواجهة دعوى الجلبي في حال قبلت في أميركا وضرورة اعداد الوثائق المطلوبة في هذه القضية لكشف وفضح زيف ادعاءاتها. لافتاً إلى أن الحكومة تعتزم اتخاذ القرارات المناسبة في هذا الشأن وما تتطلبه من وثائق وأسانيد مشدداً على أهمية مثل هذه الإجراءات كي لا تفاجأ الحكومة أ مرت الدعوى بأحكام قد تطال الحجز على أموال مودعة لصالح البنك المركزي في بنوك في الولايات المتحدة ، محذراً أن مثل هذه الإجراءات قد تتخذ تزامناً مع قبول الدعوى. ويحتفظ البنك المركزي الأردني بنصف احتياطاته بالدولار في بنوك منها بنوك أميركية وهو اجراء مالي متعارف عليه.

وكان الدكتور أدين حسب مأكده الدكتور النابلسي، في قضايا رئيسة مرتبطة ببنك البتراء تبلغ نحو 50 قضية جنائية صدرت فيها أحكام قطعية بحقه وبعض أفراد أسرته طالبته بـ 350 مليون دينار ، وقال النابلسي إن لجنة التصفية التي عينتها لجنة الأمن الاقتصادي حددت المطلوب في القضية آنذاك بشكل مبدئي يبلغ 270 مليون دينار ردت منها 60 مليوناً فيما احتسبت في قيد البنك المركزي الأردني خسارة مباشرة بـ 210 مليون دينار لافتاً الى ان ما بقي حتى الآن في التصفية هو بحدود 450 مليون دينار.

وقال إن الخسائر على الاقتصاد بشكل عام بلغت 400 مليون دينار وقد شكلت آنذاك حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي للأردن، عدا عن الأضرار المعنوية المتعلقة بالثقة بالجهاز المصرفي وتقلص التحويلات والفرصة الضائعة على الاستثمار. وقال النابلسي "لكن الجلبي وحده ادين بسرقة واختلاس واساءة ائتمان بمبالغ قدرها 30 مليون دولار وأكد النابلسي ان «المركزي» في حينها أصر على اعادة الاموال للمودعين في بنك البتراء رغم اعتراض من وصفهم بالمتنفعين على مثل هذه الاجراءات".

واضاف النابلسي في تصريحاته "ومن بعض الممارسات المشبوهة التي تراوحت اخطاؤه بين مصرفية وجنائيه ان الجلبي دأب على «لملمة» النقد الاجنبي وخصوصاً الدولار ورفع سعره في السوق السوداء بهدف تسديد خسارته خارج الاردن وهو ما ساهم في تعميق ازمة الدينار عام 1989 وهو ما ادعى انها اموال مودعة للبنك في الخارج بينما هي خسائر واصول وهمية".

واستبعد النابلسي ان تكون ثمة تسويات بحثت مع الجلبي منذ ذلك الحين حتى الآن لكنه لفت الى عروض تسويات من اطراف لم يذكرها خارج الاردن وبصيغ متعددة قوبلت بالرفض وقال «بعض المنتفعين تبرعوا بادعاء القيام بتسويات دون علم الحكومة .. اعتقد انهم اوهموا الجلبي بانهم من طرف الحكومة».

وفي تداعيات قضية بنك البتراء أكد النابلسي انه شكل «إبان توليه البنك المركزي» 6 لجان فنية كل لجنة مكونة من 3 مصرفيين خبراء واظهرت تقارير اللجان الجرائم المرتكبة في البنك من قبل الجلبي وافراد عائلته سواء بالتزييف او الاحتيال او اساءة الائتمان مشدداً انه لم يتخذ اي قرار منفرداً بل من خلال لجان التصفية.

ويواجه الجلبي وعدد من افراد اسرته قضايا تتعلق بالاحتيال والسرقة في لبنان وسويسرا، حيث تملك عائلة الجلبي بنك مبكو في لبنان وشركة تمويل في سويسرا باسم سوكوفي.

وصدر على كل من جواد وحازم الجلبي (اشقاء احمد الجلبي) في الأول من ايلول عام 2000 عن محكمة سويسرية احكام بالسجن لمدة 6 شهور تتعلق بقضايا التحايل وتقديم حسابات وهمية واتهامهم بالتسبب بانهيار الشركة من خلال الاحتيال.

وصدر قرار قضائي في 9/4/1992 في القضية التي مثل فيها 22 متهماً عن محكمة أمن الدولة ضد الدكتور احمد الجلبي جاء فيه: ادانة المتهم الفار من وجه العدالة الدكتور احمد الجلبي بالاختلاس والحكم عليه بالاشغال الشاقة لمدة 15 سنة وإدانته بالاختلاس بالاشتراك والحكم عليه بالاشغال الشاقة لمدة 15 سنة وادانته باساءة الائتمان والحكم عليه بالحبس لمدة سنتين وادانته بتهمة اساءة الائتمان بالاشتراك والحكم عليه بالحبس لمدة سنتين وادانته بتهمة الاحتيال بالاشتراك والحكم عليه بالحبس لمدة 3 سنوات.

وقررت المحكمة الأردنية، جمع العقوبات بحق الدكتور احمد الجلبي والحكم عليه بالاشغال الشاقة لمدة 22 سنة مع غرامة مالية تعادل قيمة ما اختلس والبالغة 266ر27 مليون دولار و 775 الف مارك الماني و 945ر9 ألف جنيه استرليني و 332ر1 مليون دينار.

وجاء في حيثيات الحكم الصادر عن محكمة أمن الدولة الأردنية في العام 1992 "، ان بنك البتراء ومن خلال الدكتور الجلبي بحكم وظيفته في البنك كرئيس لمجلس ادارته ومدير عام له، وبمساعدة (بعض) اقربائه العاملين في البنك آنذاك، تعامل مع بنوك مراسلة، اصطلح على تسميتها بالبنوك الشقيقة، وكلها بنوك تخص آل الجلبي، وتخدم مصالحه ومصالح اقربائه من المتهمين عبر شبكة البنوك المذكورة، مما سهّل عليه تسخير موارد البنك المالية والتعدي عليها، سواء تمثل ذلك باختلاس مبالغ مالية، او التصرف باموال البنك بإقراضها والتفريط بها، على نحو لا يتفق مع مصلحة البنك، كونه كان الآمر الناهي في بنك البتراء وكافة البنوك المراسلة المذكورة. وتبين للمحكمة بأن الدكتور الجلبي قد لجأ في سبيل ذلك الى اتباع طرق واساليب احتيالية وتضليلية بقصد التمويه عن مساهمي البنك و/او البنك المركزي و/ او المدقق الخارجي للبنك".

والحكم يقول "وقد كان يتم ذلك إما عن طريق التلاعب في قيود البنك وسجلاته، و/او التزوير ودس كتابات غير صحيحة، واتلاف الحسابات والاوراق، وانشاء القيود الوهمية في الحسابات المختلفة، واستعمال حسابات وهمية لا وجود لها، وباستنزاف اموال قطاع الصيارفة وتفريغ الاقتصاد الوطني من موارد العملة الاجنبية، او قيامه بشراء ديون معدومة وتسخير موارد البنك المالية في المتاجرة بالذهب وغيره من المعادن، والمضاربة بالعملات وتهريبها للخارج، وتجميعها في شركات ومؤسسات مالية تابعة له ولآل الجلبي في لندن وجنيف وواشنطن وبيروت، متجاهلاً بذلك كافة القوانين والأنظمة النافذة المفعول، والمتعلقة بالعمل البنكي والمصرفي وتجاوزها، بالاضافة لعدم التزامه بأي نسب او متطلبات يفرضها البنك المركزي في الاحتياطي النقدي الالزامي، والسيولة والائتمان والعملات الاجنبية، بل وقد تجاهل كل امر او تعميم او اجراء او تقرير من مفتشي البنك المركزي، صادر الى بنك البتراء ودون مبالاة بأي إجراء قد يتخذ بحقه".

كما جاء في حيثيات الحكم ايضاً، بأن المحكمة وجدت بان الدكتور الجلبي قد ساعده على مقارفته لهذه الاعمال ما اصبح معلوماً للمحكمة علم اليقين، من اتصاف المذكور بشخصية متميزة وانه ذو سطوة كبيرة ونفوذ هائل، وعلى قدر كبير من الذكاء وشخصيته الطاغية وتأثيرها على الغير، مما جعل موظفي البنك والعاملين فيه تحت إمرته، يسودهم الاعتقاد بان مديرهم على درجة عالية من الاستقامة والنزاهة في العمل ، وهدفه في العمل التفاني والاخلاص بما يخدم مصلحة البنك، ولم يدر في ذهن اي منهم حتى ولو مجرد هاجس او خاطر، انه يقوم بأي عمل لا يتفق ومصالح البنك. عليه، فقد تسابق الجميع لتنفيذ اوامره الصادرة اليهم لكسب رضاه والتمتع بثقته، بحيث كان هو الوحيد الآمر الناهي".

وختاما، فإنه بالنسبة لخسائر بنك البتراء، خلصت المحكمة الى القول بان مجموع هذه الخسائر بلغ (233) مليون دينار، من ضمنها اختلاس مبلغ (157) مليوناً و (290) ألف دينار.