قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نصر المجالي من لندن: كشفت وثائق رسمية بريطانية من الأرشيف الوطني ،النقاب اليوم عن أحدث نكتة سياسية حدثت قبل 30 عامًا في رسالة كان وجهها الديكتاتور الأوغندي عيدي أمين دادا ، إلى رئيس وزراء بريطانيا العمالي إدوارد هيث في ما بين العامين 1973 و1974 أعرب فيها عن تضامنه الشخصي والشعب الأوغندي مع بريطانيا الجائعة والفقيرة التي كانت تواجه شتاء قاسيًا، بسبب قطع إمدادات النفط العربي عن الغرب بسبب حرب أكتوبر مع إسرائيل.

وفي الرسالة أعلن عيدي أمين الذي توفي منفاه في مدينة جدة السعودية في أغسطس (آب) من العام، عن تبرعه بعشرة آلاف شيلن أوغندي من جيبه الخاصة دعمًا لبريطانيا التي كما قال إنها تعاني من انهيار اقتصادي ويجب مساعدتها"، كما أعرب أمين عن استعداده للتوسط لإنهاء الأزمة بين حكومة لندن والجيش الجمهوري الإيرلندي الذي كان يقاتل لانتزاع استقلال إيرلندا الشمالية.

وأضاف في رسالته التي لم يكن كشفت تفاصيلها منذ ذلك الوقت، إلا يوم أمس، أنه على استعداد دائم لمساعدة بلد صديق مثل بريطانيا لمواجهة أزماتها، وكذلك مساعدة الشعب البريطاني "الصديق البريء الذي يعاني من وطأة الضرائب، مقابل خفض لرواتبه". يذكر أن بريطانيا كانت تستعمر أوغندا حتى منتصف ستينيات القرن الماضي.

وجاء في الرسالة التي لم تنشرها وزارة الخارجية البريطانية في تلك الأيام خشية الاعتراف بعيدي أمين كرجل دولة، قال أمين لإدوارد هيث إن أوغندا "أنشأت صندوقا عاجلا لتقديم معونات وصدقات لبريطانيا"، ومن ضمن التبرعات التي أرسلها الأوغنديون بطلب من رئيسهم هي شاحنة محملة بالقمح والخضروات، وطلب أمين رئيس وزراء بريطانيا إرسال طائرة شحن كبيرة للقيام بمهمات جسر جوي بين البلدين لنقل الإغاثة العاجلة.

وكان عيدي أمين دادا ، وهو رجل ضخم الجثة وملاكم محترف، وصل إلى السلطة في أوغندا عن طريق انقلاب عسكري ومنح نفسه رتبة جنرال، في حين كان وقتها برتبة (شاويش) في الجيش، واستمر حكمه بالنار والدم والقتل لمدة ثماني سنوات متواصلة، حتى أزيح العام 1979 عن السلطةو بذلك أنهي عهد أحد أكثر أنظمة الحكم دموية، في التاريخ الأفريقي. وخلال حكمه الدموي، أمم ممتلكات 90 ألف أسيوي في أوغندا، بل أجبرهم على مغادرة أوغندا خلال 90 يوما، ومن ضمنهم الرئيس الحالي يوري موسيفيني الذي أطلق فيما بعد حرب عصابات في البلاد أنهت حكم عيدي أمين، الذي كان اعتنق الإسلام خلال سنواته الوحشية في الحكم.

و تقول وكالة بانابرس إن أمين دادا كان يوصف "بجزار أفريقيا" نظرًا لمقتل حوالي 300 ألف شخص من ضمنهم خبراء وأجانب ببرودة دم خلال فترة حكمه ، وكان أبولو ميلتون أوبوتي الرئيس السابق لأوغندا الذي أطاح به أمين دادا عندما كان في زيارة إلى سنغافورة، شن حرب عصابات ضد نظام أمين دادا، إلا أن هذه المحاولات تلقت خلال ثماني سنوات عدة انتكاسات أمام جيش أمين دادا القوي.

كان الديكتاتور المخلوع توجه إلى ليبيا حيث منحه الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي حق اللجوء السياسي لمدة حوالي عامين، قبل أن يتوجه.للإقامة في السعودية حيث وافته المنية في اغسطس 2003 .

ومن النكات السياسية التي كانت تطلق في عهد عيدي أمين انه كان في أحد الأيام برقية مهينة للرئيس التنزاني الراحل جوليوس نيريري قارنه فيها بإمرأة سيجعلها خادمة لو تزوجها، و خاطبه في برقيته التي نشرتها الصحف الأوغندية في تلك الفترة قائلا "أؤكد لك أني أحبك. لو كنت امرأة لفكرت في الزواج منك رغم شيب شعرك. إلا أن ذلك مستحيل لأنك لست امرأة".

يذكر مع ذلك أن شعبية أمين دادا سرعان ما أخذت في التراجع مما جعله يخشى على منصبه إلى درجة اتهام كل معارضيه بالتجسس عليه لحساب الخارج، و صرح يوما في هذا الخصوص "من السيئ أن يكون المرء جاسوسا و جزاء هذه الجريمة هو الموت".

وهكذا طلب أمين دادا من المحكمة العسكرية بعد أن قام بتحويل النظام القضائي إلى جهاز عديم الجدوى و أجبر العاملين فيه على المنفي "عدم إضاعة الوقت في التحدث بشأن جاسوس واحد. يجب إيجاز الحديث".

وكان أمين دادا يصرح أنه يمقت الإسرائيليين لأنهم "مجرمون" وصلوا إلى فلسطين "كلاجئين" ثم قاموا بمصادرة هذه الأرض العربية، كما أنه رغم أميته وجهله ألف كتابا اختار له عنوان "أزمة الشرق الأوسط" ضمنه رؤيته حول كيفية تحرير فلسطين، وقد دفعه هذا الهوس إلى حد تنظيم تدريبات عسكرية لاحتلال إسرائيل شارك فيها المظليون و المشاة والقوات الجوية.

و تكشف الأرشيفات في هذا الخصوص كيف كان دادا ينوي تحقيق حلمه المتمثل في الهجوم على إسرائيل في إطار ما كان سيشكل أول تحالف عالمي للقوات المحاربة .من أجل الدفاع عن العرب.

ووفقا لمخططه فإن هذه القوة كانت ستحتل إسرائيل انطلاقا من مصر لتعسكر في هضاب الجولان قبل أن تقوم بنشر قوة جوية بطائرات مروحية محملة بمظليين. و خطط دادا لأن يقود شخصيا هذا الهجوم من مقر قيادته في كولولو -إحدى هضاب شمال شرق كامبالا- ليتجه فيما بعد إلى ميدان المعركة لرفع معنويات قواته. و توقع داد في ختام الخطة هزيمة اليهود.

و قال ويليام كيغوندو و هو صحافي متقاعد كان عضوا في الوحدة الصحافية التابعة لأمين داد "صحيح أن هذه النظرية كانت ساذجة إلا أنه تمسك بها و كون هذه القوات و ذهب إلى حد دعوة الأجانب للإنضمام إليها".

يذكر كذلك أن أمين دادا أعلن نفسه "فاتحا للإمبراطورية البريطانية" بعد أن أقام معسكرا يتكون من أكواخ منخفضة دعا إليها عددا من الدبلوماسيين ومن ضمنهم وزير خارجية بريطانيا لتلك الفترة لورد .كارينغتون و قام أمين بعد ذلك بمناداة هؤلاء الدبلوماسيين الواحد تلو الآخر من كوخ منخفض للغاية كان جالسا بداخله، وكان يجب الجلوس على الركبتين واستخدام اليدين للتمكن من الدخول للاجتماع مع الدكتاتور.

وقد وضع دادا وحدته الصحفية في حالة تأهب قصوى بهدف تسجيل كل تفاصيل هذا الاجتماع غير العادي، ونشرت كل الصحف في اليوم الموالي بنشر صور دبلوماسيين ذليلين أمام الدكتاتور.

وختاما، فإن عيدي أمين، وظف عيدي أمين هذا الدليل الصحافي غريب الأطوار خلال الاجتماع الشهير مع الدبلوماسيين البريطانيين، لإعلان نفسه فاتحًا للإمبراطورية البريطانية و هو اللقب الذي يضاف إلى سلسلة من الألقاب الأخرى مثل "الماريشال" و"الحاج" حتى يتقرب من المسلمين وأخيرا " الرئيس مدى الحياة"ن وهي رئاسة لم تستمر.