متهم بالتجسس لصالح الحرس الثوري الإيراني
محكمة مصرية تبدأ النظر في قضية دبوس

نبيل شرف الدين من القاهرة: إستأنفت اليوم الخميس محكمة أمن الدولة العليا في القاهرة، نظر قضية المواطن المصري محمود عيد دبوس، المتهم بالتجسس لصالح الحرس الثوري الإيراني، للقيام بعمليات اغتيال داخل الدولة، والتخطيط للقيام بعمليات إرهابية ضد العاملين الأجانب داخل المملكة العربية السعودية .
وكانت المحكمة قد استمعت في الجلسة الماضية إلى أمر الإحالة الذي تضمن قيام المتهم للتخطيط للقيام بعملية اغتيال داخل الدولة مقابل مليون دولار تقاضى منها 50 ألف دولار، وجاء إلى مصر لاختيار العناصر التي تشاركه في تنفيذ العملية، كما قام بإرسال خطتين إلى الحرس الثوري توضح كيفية اغتيال القيادة السياسية داخل الدولة للموافقة على إحداهما، كما انه خطط لرصد الأماكن المهمة المتواجد فيها العاملون الأجانب داخل السعودية للقيام بعمليات إرهابية ضدهم، حيث كان يعمل بإحدى الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن بالسعودية، واستجابت المحكمة إلى طلب الدفاع بتأجيل القضية للإطلاع في أولى جلسات المحاكمة، وقررت التأجيل لجلسة إلى يوم الخميس .

تعقد الجلسة بهيئة قضائية رفيعة يرأسها المستشار عادل عبدالسلام جمعة، وعضوية المستشارين محمد حماد والدكتور أسامة جامع، بحضور حسام موسى رئيس نيابة أمن الدولة العليا وأمانة سر سعيد عبدالستار .

التخابر والسياسة
وفي تفاصيل القضية التي اطلعت (إيلاف) على جانب كبير من أوراقها، التي تشير إلى أن المتهم دبوس يقيم مع أسرته في العقار رقم 8 بحي عرفات بمدينة فيصل بالسويس شرق مصر، وهو حاصل على دبلوم المعهد الفني الصناعي ببورسعيد، وعرف عنه اهتمامه بقراءة الأدب الفارسي، وكذا تاريخ الثورة الإسلامية في إيران، وحسب التحقيقات فقد جرى تجنيده في أثناء تردده على مكتب بعثة رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة قبل خمس سنوات تقريباً حيث سقط في أيدي رجال هيئة الأمن القومي في آب (أغسطس) الماضي، وقد أرشد المتهم النيابة على التحقيقات التي أجريت معه بالقاهرة عن الأماكن التي عاينها في مصر والمرشحة لعمليات إرهابية وأصطحب رجال الأمن القومي ونيابة أمن الدولة العليا إلى هذه الأماكن، حيث تمت إجراء معاينة على أرض الواقع وتصويرها كإحدى وثائق هذه القضية المثيرة للجدل، والتي توقع بعض المحللين أن يصدر قرار من النائب العام المصري بحظر النشر فيها لاعتبارات "المصلحة العليا" للبلاد .
ويسود اعتقاد لدى المراقبين في القاهرة أن هذه القضية ترتبط بشكل أو آخر باعتبارات سياسية، إذ يرون أن القاهرة وطهران اعتمدتا سياسة "الخطوة خطوة"، لتطبيع العلاقات بينهما، وذلك بسبب وجود أطراف متشددة في كلتا العاصمتين، لدى كل فريق منهما شكوكه الكبيرة في نوايا الطرف الآخر فهذه العناصر في القاهرة لا تزال تخشى من فكرة تصدير الثورة أو "دعم عناصر الإرهاب" .
أما في طهران فإن العناصر المتشددة لا تزال تنظر إلى القاهرة على أنها عاصمة التطبيع مع إسرائيل، وأنها لا تزال تحتفظ بعلاقات رسمية معها، وتدفع الآخرين لإقامة مثل هذه العلاقات وتطالب هذه الأطراف مصر بقطع علاقتها مع إسرائيل كشرط لتطبيع العلاقات الإيرانية معها، وهو ما ترفضه القاهرة مؤكدة أن شروطاً من هذا النوع تعد تدخلاً صريحاً ومرفوضاً في شؤونها الداخلية .
واتهمت مصر إيران بإيواء إرهابيين مصريين ينتمون إلى تنظيمات أصولية مسلحة، كما أخذت على السلطات الإيرانية أنها تطلق اسم خالد الإسلامبولي -الذي شارك في اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات- على أحد شوارع العاصمة طهران، كما أن القاهرة تبدي بصورة منتظمة اهتمامها بالتوصل إلى تسوية سياسية بين طهران و"أبو ظبي" لقضية الجزر المتنازع عليها بين البلدين في الخليج (طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى)، وأكدت حرصها على إقناع طهران بأهمية حل هذه المشكلة، بما يدفع بالعلاقات العربية الإيرانية - خاصة مع مصر- خطوات إلى الأمام .

دوست ودبوس
وتقول أوراق القضية إن المتهم المصري (دبوس) ترسخت لديه قناعات بأهداف الثورة الإسلامية في إيران، واقتنع بضرورة تطبيقها في مصر، ومن ثم بدأ يفكر بالحصول على منحة دراسية لدى إحدى الجامعات الإيرانية، واتصل بمكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة للاستفسار عن امكانية دراسة اللغة والأدب الفارسي مع المسؤول في المكتب، وهو دبلوماسي يدعى محمد رضا حسين دوست، وزعم له انه كاتب ومثقف إسلامي ومن الصف الثاني للجماعة الإسلامية في مصر لعلمه باهتمام الثورة الإيرانية بالجماعات الإسلامية في مصر، ومما يعد دافعاً لهم لحصوله على الموافقة على المنحة الدراسية الإيرانية، وفقاً لما ورد في أوراق القضية التي تعد الأولى من نوعها منذ سنوات مضت، وتحديداً بعد قضية التنظيم الشيعي الذي نسب إليه الارتباط بإيران .
وتطرقت أوراق القضية إلى الدبلوماسي "دوست"، قائلة إنه شجع المتهم المصري على التقدم بأوراقه للحصول على المنحة ودعاه لحضور الاحتفال السنوي بالثورة الإيرانية الذي أقيم في مكتب بعثة رعاية المصالح بالقاهرة في 1999، ودعاه لاحقاً إلى طهران لحضور مؤتمر دولي في مناسبة مرور 20 عاماً على الثورة الإيرانية ومئة عام على مولد الزعيم الراحل آية الله الخميني فأعد بحثاً تناول فيه أسباب الثورة الإيرانية وتأثيرها على المجتمع الإيراني، وبالفعل سافر إلى إيران وامتدت إقامته هناك عشرة أيام اتصل خلالها بمسؤولين في "الحرس الثوري" .
وتمضي أوراق التحقيقات مشيرة إلى أنه في نهاية العام 2001 تلقى دبوس الموافقة على المنحة الدراسية بجامعة "الإمام الخميني" في مدينة قزوين، وتعددت لقاءاته مع الدبلوماسي المتهم "دوست" بالقاهرة حيث تبادلا الرأي بشأن سبل تحسين العلاقات بين مصر وإيران، وفي أحد اللقاءات طلب منه "دوست" صراحة أن يتعاون مع الحرس الثوري الإيراني في تنفيد عمليات اغتيال لشخصيات مصرية، لم يتم تحديدها، حيث يتولى الحرس الثوري وضع الخطط والإشراف عليها ويقوم دبوس بالتنفيذ، وتضمن ذلك اختيار أفضل الأماكن لإدخال الأسلحة إلى مصر، وقد أبلغ المتهم الثاني المتهم الأول بأنه سيتم تهريب العناصر التي ستتولى عمليات الاغتيال في معسكرات الحرس الثوري، بحسب ما ورد في التحقيقات.
كما كشفت التحقيقات ان "دوست" سلم دبوس ورقة مدوناً بها شفرة التعامل بينهما عبر البريد الإلكتروني وطلب منه حفظها في ذاكرته والتخلص منها بحرقها، كما طلب منه إنشاء عنوان خاص للبريد الإلكتروني على شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت" ليتبادل معه الرسائل عبرها واتفقا على ان ينتحل دبوس "اسم كودي" هو محمود الفيصل، أثناء المراسلات التي تمت عن طريق أحد مكاتب الإنترنت في السويس، وكان من بين أوراق التحقيقات محضر معلومات يفيد أن المتهم أجرى معاينة لبعض الأماكن في مصر مثل السويس وشرم الشيخ بهدف القيام بعمليات إرهابية فيها وأرسل عشرين تقريراً إلى المتهم الثاني الذي رد عليه برسالة قال فيها له إنه يستحق عشرة آلاف دولار مقابل هذه المعاينات والتقارير .
كما ورد في اقوال المتهم في التحقيقات التي أجرتها نيابة أمن الدولة العليا المصرية أنه اتفق على تقاضيه مبلغ مليون دولار وتوفير مأوى وإقامة له في دولة أوروبية في حال اكتشاف أمره مع الدبلوماسي الإيراني الذي انتهت مدة خدمته في القاهرة، وخلفه آخر فيها واصل اتصالاته مع المتهم دبوس، وفي هذه الأثناء استدعي الأخير إلى إيران لإجراء مقابلات، غير أن الحرب في العراق كانت قد اندلعت وخشية مساءلته في المطار عن أسباب زيارته إلى إيران في هذا الوقت، حصل على تأشيرة سفر إلى المملكة العربية السعودية متخذاً إياها كمحطة ترانزيت إلى إيران.

مجمع ينبع
وتواصل التحقيقات سرد ما حدث للمتهم "دبوس" في السعودية قائلة إنه توجه إلى بعض أقربائه في مدينة "ضبا" شمال غرب المملكة، حيث تمكنوا من إلحاقه بالعمل كإداري في إحدى الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن، وهناك أيضاً لم تتوقف اتصالاته مع الإيرانيين، حيث تلقى تكليفاً بجمع معلومات عن التواجد الإيراني بمنطقة "ينبع" وعن عدد الشركات الأجنبية والعاملين بها وجنسياتهم ومقار إقامتهم فأبدى موافقته على ذلك فوراً، وبالفعل أرسل تقريراً يتضمن معلومات بشأن مجمع بتروكيميائيات "ينبع"، وحدد فيه المقر الإداري للمجمع وجنسيات العاملين به وطبيعة الحراسة الأمنية عليه، وتلقى من الإيرانيين شكراً على المعلومات، ثم حدث أن وقع يوم السبت الأول من شهر آيار (مايو) الماضي اعتداء إرهابي على المجمع أدى لتفجيره ومقتل 3 ماليزيين وبريطانيين وسوري واسترالي، بالإضافة إلى إصابة 18 من أفراد الأمن السعودي، لكن تفيد التحقيقات أيضاً أن المتهم "دبوس" لم يشارك في هذه التفجيرات بنفسه .
ومضت التحقيقات قائلة إن المتهم "دبوس" طلب في تلك الأثناء تحويل مستحقاته المالية إلى حسابه المصرفي، فأرسلت إليه رئاسة الحرس الثوري الإيرانية قائلة إن سيدة إيرانية تقيم بالمدينة المنورة وحددت له شفرة لمقابلتها حيث تسلم منها خمسين ألف دولار قبل أن يعود إلى مصر في 20 آب (أغسطس) عام 2004 في اجازة، معتزماً العودة مجدداً إلى السعودية، تمهيداً للسفر إلى إيران غير ان هيئة الأمن القومي (المخابرات العامة) المصرية كانت تترصده قبل أن تداهم منزله في مدينة السويس، وتعثر على مستندات ورد ذكرها تفصيلاً في أوراق القضية، وهي عبارة عن بيانات لحساب مصرفي في بنك "ملي" الإيراني، وجواز سفر به تأشيرة دخول إيران وخطاب من الجمهورية الإيرانية بالموافقة على تلقيه منحة دراسية وأيضاً ايصال بمبلغ قدره 600 دولار من شركة "الراجحي" السعودية .
تجدر الإشارة إلى أن بلدية طهران كانت قد وافقت مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي على رفع اسم وصورة خالد الإسلامبولي، الذي اغتال الرئيس المصري السابق أنور السادات عام 1981، من أحد شوارع العاصمة الإيرانية، غير أنه بعد يومين من هذا القرار أعلنت مجموعة إسلامية إيرانية أنها ستقيم نصبا تذكاريا لقاتل السادات، مما زاد الأمور تعقيداً بين البلدين مجدداً .
وكانت إيران قد أعلنت قطع العلاقات مع مصر بعد فترة قصيرة من الثورة الإسلامية في إيران عام 1979؛ بسبب اتفاق السلام واستضافة مصر لشاه إيران الراحل المنفي محمد رضا بهلوي .