بشار دراغمه من رام الله: في إطار السعي الإسرائيلي المتواصل لتهويد كل ما هو فلسطيني، تسعى قوات الاحتلال إلى ضم المزيد من الأراضي، وليس ذلك فحسب بل تشريد سكانها عنها، وقد أثار الجدل العام الذي ثار مؤخرا حول العلاقات بين الدولة الاسرائيلية وما يسمى الصندوق القومي الاسرائيلي، الاهتمام مجددا بصفقات الاراضي التاريخية، التي سميت "صفقات الملايين". وقالت صحيفة هآرتس التي نشرت تقريرا مطولا حول المسألة، ان الحديث يدور عن سلسلة صفقات ادت الى ان تكون نحو نصف الاراضي التي "يملكها" الصندوق القومي اراضي صودرت او نزعت من الفلسطينيين الذين شردوا عن ديارهم عام 1948. وكان الصندوق القومي اشترى الاراضي من "الدولة" ابتداء من عام 1949 وبداية الخمسينات. وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي في حينه دافيد بن غوريون، بادر الى بيع الاراضي الى الصندوق منعًا لامكانية ان يفرض ضغط دولي على اسرائيل اعادتها الى الفلسطينيين.
وحسب "هآرتس" جرت الصفقة الاولى رغم معارضة المستشار القانوني للحكومة في حينه، يعقوب شبيرا، الذي شكك في قانونيتها. وتوقف بيع الاراضي بعد أن نفد المال لدى الصندوق القومي ولاعتبارات اخرى. واضافت الصحيفة ان قضية صفقة الملايين تم بحثها في السنوات الاخيرة لدى عدة باحثين بينهم د. ارنون جولان من جامعة حيفا، د. ميخال اورن من معهد شيختر لدراسات اليهودية في القدس والبروفسور يوسي كاتس من جامعة بار ايلان.
وجاء في التقرير انه "منذ 1961 تدير اسرائيل اراضي الصندوق القومي من خلال الدائرة المسماة "ادارة اراضي اسرائيل"، وانه حتى وقت قريب سمح لليهود فقط بالمشاركة في العطاءات لاستئجار اراضي الصندوق القومي، ولكن في الاسبوع الماضي قضى المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية ميني مزوز بأن "هذه الادارة لا يمكنها أن تواصل هذه السياسة لأنها تميز بين اليهود وغير اليهود".
وفي الاسبوع الماضي كشفت "هآرتس" النقاب عن ان الصندوق القومي و"الدولة" وصلا الى المراحل المتقدمة من المفاوضات للفصل بين الصندوق وادارة اراضي اسرائيل، الامر الذي سيتيح للصندوق تسويق "اراضيه" وفقا لرأيه الخاص. وجاء قرار مزوز في اعقاب التماس رفع الى المحكمة العليا ضد سياسة الادارة، وبعد ان تبلور في النيابة العامة الاسرائيلية التقدير بأن هذه السياسة سترفضها المحكمة العليا.
"وكان الصندوق القومي تأسس بقرار من المؤتمر الصهيوني الخامس الذي انعقد في بازل سنة 1901، حيث سعى قادة الحركة الصهيونية الذين اقاموا الصندوق الى تجنيد الاموال من يهود العالم لشراء الاراضي في فلسطين، لتستخدم لاقامة ما سمي "الوطن القومي لليهود". وكان مصدر التمويل الرئيس للصندوق مئات آلاف "الصناديق الزرقاء" لجباية التبرعات والتي وزعت على الطوائف اليهودية ولا سيما في اوروبا وفي الولايات المتحدة.
"وفي العقدين الاولين بعد تأسيسه عمل الصندوق على شراء الاراضي الى جانب جهات عديدة اخرى. ولكن في اعقاب الثورة العربية الكبرى عام 1936 توقف تجار الاراضي الخاصين عن الانشغال في ذلك خوفا على حياتهم، وبقي الصندوق القومي شبه وحيد.
وفي ايار 1948 طرح انشاء دولة اسرائيل علامة استفهام بشأن استمرار وجود الصندوق الذي رأى البعض انه فقد أهميته. وكان بن غوريون من المؤيدين لحل الصندوق، ولكن حدثا غير متوقع ادى به الى تغيير رأيه، حسب "هآرتس". ففي 18 كانون الاول 1948 استدعى بن غوريون الى لقاء عاجل يوسف فايس، مدير قسم الاراضي في الصندوق القومي، وكانت مداولات الجمعية العمومية في الامم المتحدة انتهت قبل ذلك بستة ايام، بصدور قرار 194 القاضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. وحسب الباحثة الاسرئيلية د.ميغال اورن، فقد اثار القرار التخوف في قيادة الدولة من موجة لاجئين يطالبون باملاكهم.
"الحل": تهويد الارض
يقول التقرير انه كان في يد اسرائيل في حينه نحو 5,3 ملايين دونمات من الاراضي التي كان يملكها الفلسطينيون ممن تحولوا الى لاجئين، واعتقد بن غوريون في حينه بأن هذا المخزون من الاراضي - والذي يشكل سدس المساحة الشاملة لفلسطين - ضروري لضمان وجود اسرائيل. وحسب الباحث د.ارنون جولان، خاف بن غوريون من أن تفسر مصادرة الاراضي كتحد للامم المتحدة، فلجأ الى ما سماه د.جولان بـ "الحل الوحيد" الذي قضى بنقل الاراضي بسرعة الى اياد يهودية خاصة. وتحدث التقرير عن اعتبار آخر (مالي) حيث كانت اسرائيل تحتاج للاموال التي لدى الصندوق القومي.
وجاء في التقرير انه في بداية اللقاء أبلغ بن غوريون فايس بأن الحكومة قررت ان تبيع للصندوق القومي مليون دونم من "الاراضي المهجورة" بسعر منخفض. وعقدت بعد ثلاثة ايام من ذلك اليوم في لقاء آخر "الصفقة العقارية الاكبر التي في اسرائيل حتى اليوم" . فمقابل 11 مليون ليرة تلقى الصندوق القومي الملكية الكاملة على نحو مليون دونم في مناطق رواق القدس، والسهل الساحلي الجنوبي،والكرمل الجنوبي واصبع الجليل. وفي اللقاء طرح فايس ورئيس الصندوق القومي ابراهام غرانوت على بن غوريون مسألة قانونية الصفقة. فغضب بن غوريون وقال للرجلين انهما لا يفهمان الحاجة السياسية والامنية العاجلة للاستيطان.
فايس وغرانون لم يكتفيا بالرد واعربا عن تخوفهما من دعاوى مستقبلية لاصحاب الاراضي الفلسطينيين. ولنزع تخوفاتهما فقد وعدا بالتصدي لدعاوى المالكين.
وفي اعقاب نجاح "صفقة المليون" الاولى، اعتزم قادة اسرائيل والصندوق القومي النقل التدريجي لكل الاراضي المستولى عليها الى ملكية الصندوق القومي. ولكن عمليا منذئذ نقل الى الصندوق القومي فقط نحو ربع مليون دونم اخرى. والسبب العملي لذلك، كما تقول د. اورن كان نفاد المال لدى الصندوق القومي، وسبب آخر هو ان "اسرائيل رأت بأن الضغط الدولي ليس فظيعا بهذا القدر".
ونقلت "هآرتس" عن الصندوق القومي زعمه في اطار تعقيبه على ذلك "ان الاراضي اشتريت بالمال الكامل وبالاسعار التي كانت مقبولة في تلك الفترة لمثل هذا النوع من الاراضي". وزعم رئيس مجلس ادارة الصندوق القومي يحيئيل لاكت انه "لا يوجد دونم واحد لم يدفع عنه حتى القرش الاخير". كما ان د. جولان يشير الى ان اسعار الاراضي التي بيعت الى الصندوق القومي كانت قريبة من اسعار السوق.
















التعليقات