علي اوحيدة من بروكسل: اتخذت السلطات البلجيكية إجراءات أمنية غير مسبوقة لضمان الأمن الشخصي للرئيس الأميركي جورج بوش والذي يقوم بأول زيارة له لمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو اعتبارا من مساء نهار الأحد ولغاية صبيحة الأربعاء القادم.
وسيقيم الرئيس بوش في منزل السفير الأميركي قرب القصر الملكي البلجيكي ولكنه سينتقل خلال إقامته الى كل من المجلس الأوروبي ومبنى المفوضية والسفارة الأميركية ومقر حلف شمال الأطلسي .
ولمواجهة أية حالة طارئة قررت السلطات البلجيكية إغلاق أحياء بكاملها أثناء تواجد الرئيس الأميركي وغلق العديد من محطات القطار الأرضية وجراجات السيارات ونشرت مئات من العناصر المسلحة الأميركية والبلجيكية في العديد من المحاور وأسطح المباني الكبرى.
ونصحت السلطات عبر مساحات إعلانية في الصحف جميع المواطنين بتجنب العاصمة أثناء فترة زيارة بوش والقدوم إليها في حالات الضرورة فقط.
ووصل وفدان أمنى وصحافي أميركيين كبيرين إلى بلجيكا منذ منتصف الأسبوع الجاري ويتوقع ان يبلغ عدد الصحافيين الذين سيغطون محادثات الرئيس الأميركي مع القادة الأوروبيين ألفي صحافي.
وفي مبادرة استثنائية قرر المسؤولون الاوروبيون منح إجازة مدفوعة الأجر لكافة الموظفين في المؤسسات الاتحادية يوم انعقاد القمة الاوروبية-الأميركية. كما تم توزيع تراخيص تنقل خاصة لسكن الحي الأوروبي والصحافيين وحظر دخوله على غير المرخصين لهم.
وتستعد السلطات الأمنية لمواجهة ثلاث مظاهرات كبرى ستنظم مساء الأحد ونهار الثلاثاء وسط العاصمة وأمام مقر المجلس الوزاري الأوروبي وقبالة مقر حلف الناتو دعت إليها اكثر من ستين منظمة وهيئة غير حكومية..
ولن يكون الرئيس الأميركي الوحيد الذي سيتواجد في بروكسل حيث يتوقع وصول ثلاثين رئيسا أوروبيا وأجنبيا للعاصمة البلجيكية يمثلون دول الاتحاد الأوروبي ودول الناتو(كندا، وأيسلندا، وتركيا) وكذلك الرئيس الأوكراني يوتشناكو الذي يقوم هو الآخر بزيارة للمؤسسات الاوروبية في الفترة نفسها.
ولكن الاستعداد الأمني الاستثنائي لزيارة الرئيس بوش يخفي انقسامات عميقة هذه المرة في صفوف الدول الاوروبية نفسها بشان التعامل مع القمة التي ستجمع قادتها مع الرئيس بوش وتحديد أولياتها .
وحتى وان كانت مواضيع التقارب وأسباب التنافر متعارف عليها وتتمثل في المسالة العراقية وإشكالية الدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط و إدارة الملفين الإيراني والسوري ومبيعات الأسلحة للصين وتطبيق بروتوكول كيوتو لحماية البيئة والتحكم في انهيار الدولار الأميركي فان مسائل حيوية أخرى تهدد بالحد من ثقل زيارة الرئيس الأميركي وتحويلها الى مجرد محاولة لتنقية الأجواء بين ضفتي الأطلسي(...).
وعلمت "إيلاف" من مصادر دبلوماسية أوروبية شاركت في الإعداد للقمة انه لم يحصل أي اتفاق بعد بشان فرص صدور بيان مشترك أوروبي-أميركي بعد قمة الثلاثاء المقبل و إذا ما كان الطرفان سيكتفيان بعقد مؤتمر صحفي مشترك .
ويبدو ان عدة دول أوروبية أعربت عن غضبها أمام تلقيها مطالب محددة من قبل المفوضة الاوروبية بعدم توجيه أية أسئلة محرجة للرئيس الأميركي سواء بالنسبة للعلاقات الدولية او مستقبل حلف الناتو و نظرية الحرب الاستباقية او القضايا المتعلقة بالبيئة أثناء اللقاء وهي المواضيع التي يركز علها الرأي العام الأوروبي.
وتقول نفس المصدر ان رئيس وزراء لوكسمبورغ جان كولد يونكار الذي يتولى حاليا رئاسة المجلس الأوروبي سيفتتح القمة باسم جميع زملائه وقبل ان يعطي الكلمة مباشرة للرئيس بوش .
وتقاسمت الدول الاوروبية المواضيع التي سيتطرق إليها الجانب الأوروبي ولكن للتعبير فقط عن مواقف الاتحاد إذ سيشرح الرئيس الفرنسي جاك شيراك الدور العالمي للاتحاد الأوروبي ثم يتطرق رئيس وزراء بريطانيا توني بلير الى دور أوروبا في الشرق الأوسط ويتحدث رئيس سلوفاكيا عن الموقف الأوروبي تجاه العراق والمستشار الألماني غيرهارد شرودر عن السياسة الأوروبية تجاه ايران ورئيس وزراء إسبانيا خوزيه ثاباتيرو عن السياسة العربية لأوروبا والمستشار النمساوي فولفغانغ شيسال عن دور أوروبا في البلقان ورئيس وزراء ايرلندا برتي اهرين عن السياسة الاوروبية تجاه روسيا بينما سيتولى رئيس وزراء هولندا بتير بالكيناندة التطرق الى مسالة مكافحة الارهاب والتصدي للتشدد الإسلامي في أوروبا .
وبمقتضى هذا الاتفاق فانه لن يحق لأي مسؤول أوروبي التطرق إلى مسائل أخرى حسب نفس المصادر وتجنب إحراج الرئيس الأميركي.
وسوف يحرم قادة خمس عشرة دولة من بين الدول الخمس والعشرين من الحديث خلال القمة مما أثار حفيظة عدد من الدول مثل بلجيكا وإيطاليا والبرتغال و الدول الاسكندنافية ودول البلطيق .
ويتوقع المسؤولون الاوروبيون لحظات حرجة داخل القمة خاصة إذا ما سعت بعض الأطراف مثل دول الشمال ذات النزعة الاستقلالية المعروفة الى التطرق الى مواضيع حساسة مثل المعتقلين الأوروبيين في غوانتنامو وبروتوكول كيوتو للمناخ وتهميش دور الأمم المتحدة ومساعدة الدول الفقيرة وهي مواضيع ليست مدرجة رسميا.
ولكن الطرف الأوروبي قد يتطرق إليها خلال حفل العشاء مساء الثلاثاء، بين الرئيس بوش وكل من خافير سولانا منسق السياسة الخارجية وخوزيه باروزو رئيس المفوضية.
وستواجه القمة لحظات حرجة للطرفين إذ سيركز بوش كافة جهوده على الملفين الإيراني والعراقي الى جانب طرح إشكالية التعامل مع سوريا بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
ويرى الدبلوماسيون ان القمة ستعكس وقوف الجانبين الأوروبي والأميركي مرة أخرى كل على حدود تحركه إذ اكتشفت أوروبا ومنذ هجمات 11 سبتمبر أنها غير قادرة على الضغط على الولايات المتحدة وثنيها عن توجهاتها الأحادية الجانب في العديد من الملفات وخاصة الحرب الاستباقية وتهميش الأمم المتحدة.
وفي المقابل اكتشف الجانب الأميركي انه غير قادر من جهته على تنفيذ خططه بدون دعم أوروبا الاقتصادي والسياسي وهو ما أثبتته الحرب الأخيرة في العراق.
ولا يتوقع ان يحصل بوش على أي دعم لموقفه لا تجاه ايران ولا تجاه سوريا في هذه المرحلة.
وسيكون اللقاء الخاص وعلى انفراد بين الرئيس بوش والرئيس شيراك مساء الاثنين حاسما بالنسبة لسوريا.
ومقابل ذلك فان النداء الذي أطلقه المستشار الألماني شرودر بتحويل الناتو إلى مجرد منتدى للحوار بين الولايات المتحدة وأوروبا سيلقي بظلاله على المحادثات الاوروبية-الأميركية وبما في ذلك داخل الناتو لكونه يعكس إرادة أوروبية صريحة لمزيد من استقلالية القرار والتحرك.
ويتوقع أن يروج الرئيس الأميركي بقوة الى مشروع الإصلاحات السياسية في المنطقة العربية و يدعو الى ممارسة مزيد من الضغوط عل ايران والى فرض عقوبات إضافية على سوريا وهما مطلبان سيصعب على الأوروبيين تلبيتهما في المرحلة الحالية بسبب طموحات الاتحاد الأوروبي المعلنة وخاصة من قبل بريطانيا الحليف الأول لواشنطن بلعب دور اكبر في تفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط وهو الهم الرئيس للاتحاد الأوروبي حاليا.