ليس رثاءً ... إنما أسئلة مطروحة
حتى لا يستشهد الحريري مرة أخرى!
ألبير خوري من بيروت: لئن عجزت الأجهزة التقنية المتطورة جدًا وقدرتها المتفوّقة على رصد وتشويش وتعطيل العبوة الضخمة التي استهدفت موكب رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري وصحبه وحراسه ومواطنين أبرياء، فإن حادث استشهاده الفظيع والمفجع لكل اللبنانيين، على مختلف طوائفهم وأطيافهم ومناطقهم، شوّش العقول والأفكار مما أدى إلى إرباك الرأي والرؤية، يخشى ان يكون مقدمة لإنفجار كبير. صحيح أن عملية التفجير الإرهابية، كائنًا من يقف وراءها، دولة أو فريقًا أو منظمة أصولية، واستشهاد الرئيس الحريري في فترة صعبة وحرجة محليًا وإقليميًا, شكّلا معًا لحظة تاريخية فاصلة ما بين لبنان قبل الرابع عشر من شباط(فبراير) الحالي ولبنان ما بعده، لكن الصحيح أيضًا، وعلى رغم الخسارة الكبيرة التي أصابت لبنان والعالم، إن لم يكن الإنسانية جمعاء، أن استشهاد الزعيم الوطني الكبير أكد لحمة اللبنانيين، وإصرارهم على مواجهة المؤامرة مهما بلغت التحديات والتضحيات، وان الموت مكان واسع للحياة أيضًا، يقود المرء إلى أن يحاكي حضوره، وكأنه حضور اللحظة الأخيرة، وأن يستقبل أيامه بشعور التفاؤل، لإن ليس أمامه سوى هذا الشعور، لكي يحصد لحظات يومه وصولًا إلى لحظات اليوم الآخر.
واستشهاد الرئيس الحريري في لحظة من العبث السياسي اللبناني، تبادلت فيه السلطة والمعارضة شتى أنواع الإتهامات، وصلت أحيانًا، وعلى لسان بعض الموالين، مسؤولين وغير مسؤولين، إلى اتهام الرئيس الشهيد بالعمالة للغرب و"إسرائيل" والعمل على تصفية المقاومة ودعم القرار الدولي 1559، "إن لم يكن الحريري نفسه خلف القرار"، كما قال بعضهم من هذا الاستشهاد الفظيع يكاد يحاكي غيابه حضوره إن لم يكن أكثر. فهذا الرحيل الفجائي والمفجع، اشتعل لبنان من أقصاه إلى أقصاه. الناس تبكيه وما زالت، والوطن اسود الحاضر مجهول المستقبل، وهو الذي حوّل ليله إلى نهار ودماره إلى إعمار ومؤسساته إلى انجازات وأعمال.
وبحجم التفجع تتوالى الشهادات ممن عرفوه عن قرب ولم يعرفوه إلا لمامًا أو شعروا أن الفقيد الكبير مدّ لهم يد العون ذات يوم... وقد تكون تلك أوفى الشهادات وأكثرها صدقًا، مقارنة بما جاء على لسان المسؤولين بين موالين ومعارضين، وحيث انبرت الخطب، من على المنابر والشاشات والميكروفونات، مدّاحة ووصولية بلا حدود، وتلك هي المقارنة في لحظة العبث اللبناني بامتياز.
لقد أوقع رحيل الحريري لبنان في بحر من الدموع. هكذا بكى الملايين في القصر والقبر، والحفرة التي خلفها الانفجار المرعب، حفرت عميقًا في قلوب الوطن والمواطنين. انقلبت الطاولة عبثيًا على من فيها ليكاد خلط الأوراق السياسية المشوّشة، ليس في لبنان وحسب، إنما إقليميًا ودوليًا، وحيث الأمور متداخلة لدرجة يصعب الفصل فيما بينها تمامًا كما يصعب، أقله حتى الآن، توجيه أصابع الاتهام لهذه الدولة أو ذلك الفريق أو تلك المنظمة.
لقد وصل التشوّش في الأسئلة والتحاليل إلى منتهى الجهل والعبثية، وبحيث بات السؤال عن الجهة التي اغتالت الحريري ولماذا من دلائل الجهل الكبير على الفراغ السياسي الذي ضرب لبنان منذ التمديد لرئيس الجهورية إميل لحود على غير إرادة فريق كبير من اللبنانيين، والعديد من الإدارات الإقليمية والدولية. ولما صار التمديد أمرًا واقعيًا، بات التعامل بين رئيس البلاد ورئيس حكومته أمرًا مستحيلًا للتفاوت الكبير في رؤية الحريري، لبنان وطنًا سيدًا مستقلًا لجميع أبنائه، وصاحب الدور الإقتصادي المالي الثقافي الحضاري المميز في محيطه، وبين رؤية استراتيجية تجد من الضروري التزام وحدة المسار والمصير مع الشقيقة سورية في الظروف الخطيرة التي يمر بها العالم، وتحديدًا الشرق الأوسط، انطلاقًا بما يجري في العراق وفلسطين...
ومع ذلك يبقى السؤال: من قتل الحريري ولماذا من ضرورات المرحلة الخطرة التي يمر بها لبنان، خصوصًا بعد التفجير العنيف الذي أصابت شظاياه كل الوطن والأشقاء والأعداء على السواء.
والأجوبة، على جهل سياسي بالواقع اللبناني حينًا وأحيانًا، تبعًا لعواطف جياشة تفتقد الموضوعية والتحليل، جاءت سريعة جدًا إن لم يكن متسرعة أكثر، خصوصًا من جانب المعارضة، التي ربما وجدت في خسارة الحريري، المعتدل حتى آخر لحظة من حياته، فرصة مانحة للاستفادة منها إلى أبعد الحدود، وبالتالي تصعيد طلباتها وضغوطها "المتلائمة إلى حد كبير مع صيحات الشارع اللبناني"، حتى بلغت أقصى تحدياتها على لسان رئيس الحزب التقدمي الإاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي اتهم سورية علنًا بأنها "من أعدَّ وخطط ونفذ" عملية الاغتيال الفظيعة(!) ووافقه الرأي، ولو على مسافات بعيدة أو قريبة، لقاء قرنة شهوان ولقاء البريستول والمعارضات الأخرى.. لكن جميعها أصرت في بيان أسمته "انتفاضة الاستقلال" على تنفيذ نقاط أساسية في برنامج إصلاحي يعيد للبلاد استقلالها وسيادتها، على اعتبار أن وحدتها تأكدت في مسيرات الحداد والاحتجاج التي رافقت رحيل الحريري.
وأهم هذه النقاط ما يؤشر الى انقسام حقيقي في البلاد، اقله على الصعيد السياسي، اذا لم نقل الشعبي، بانتظار أن تهدأ العواطف الجياشة والاحلام الحقدية والكيدية، وحيث تنكشف حقيقة لا بد من الاعتراف بها، وان حاولت حكومات ما بعد الطوائف تغطيتها بالشعارات والخطب الانشائية المعتادة.
الأكيد حتى الآن، إن الوحدة الوطنية التي شكلت عصب اتفاق الطائف لم تتحقق مهما بالغت المظاهر في نكران هذه الحقيقة، ولو كان الأمر على عكس ذلك، لما وصلت الأمور المأساوية إلى ما هي عليه اليوم. وإذا كان من حق المعارضة أن تتباهى بـ"وطنيتها" كونها تضم جميع الطوائف والمذاهب والأطياف السياسية، فإن من حق حكومة الرئيس عمر كرامي، ولم يمر بعد ثلاثة أشهر على تسلمها سلطاتها الدستورية الدفاع عن ذاتها كونها تحاول ترميم خراب وتصحيح مسار تتحمل مسؤولياته حكومات حريرية متعاقبة فشلت في تنفيذ بنود اتفاق الطائف، وفي مقدمتها، تشكيل حكومة وحدة وطنية واحدة تجمع كل اللبنانيين تحت سقف واحد. وأبعد من ذلك، ألم تمد حكومة الرئيس عمر كرامي يدها للجميع منذ اللحظة الاولى لتأليفها، تمامًا كما فعل رأس السلطة منذ التمديد له؟ أوليس في الدعوتين ما يؤكد ان السلطة وحكومتها مدركتان جيدًا للأخطار الجسيمة التي تهدد البلاد، والتي أوصلت وسط هذه الأجواء المتشنجة إلى اغتيال الرئيس الحريري وتداعياته أكبر من أن يتحملها لبنان وسورية معًا.
يجب الاعتراف بذلك، كما يجب الإقرار بأن المعارضة التي رفضت تمديد السلطة والحكومة المتفرعة عنها، بدعم سوري واضح، إن لم يكن بالاختيار المباشر، كانت على حق عندما توقعت تداعيات التمديد وأخطاره الجسيمة على الوطن، لكنها وفي الوقت نفسه، اخطأت عندما اعتمدت التصعيد منهجًا متماديًا خرج عن إيقاعاته اللبنانية المعتادة إلى إيقاعات دولية، ربما لم تكن مقصودة، بقدر ما صادف توقيتها مع صدور قانون محاسبة سورية ومن بعد القرار الدولي 1559 الأمر الذي شكّل في توقيته ومطاليبه مادة اتهامية خطرة اعتمدتها السلطة وأجهزتها، عن جهل او قصد، أدت إلى تأجيج الصراع، فأصابت جسد الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعدما جرّحت سياساته ووضعتها في خانة الخيانة!
ويبدو إن لم يكن الأكيد، أن سياسات الرئيس الشهيد، في الحكومة كما خارجها، وتحديدًا في "المعارضة الوسطية" التي اعتمدها في حياته العملية والسياسية على السواء، ستبقى مجال بحث وتحليل ونقد لسنوات طويلة آتية. وكذلك الحال, ما يتناول عملية استشهاده، اسبابًا ومعدين ومنفذين، وإن اصرّت المعارضة على اتهام دمشق. كما فعلت في محاولة اغتيال النائب مروان حمادة، علمًا بأن واشنطن وباريس صاحبا القرار 1559 وألد أعداء سورية في المرحلة الراهنة، امتنعتا حتى الآن عن توجيه أصابع الاتهام إلى دمشق تحديدًا، أو إلى أي من الجهات الأخرى المشكوك بأمرها، ريثما تنتهي التحقيقات اللبنانية او اللبنانية – الدولية من مهمة كشف الجناة الحقيقيين. وبين ما ترفضه الإدارتان الاميركية والفرنسية، وما تؤكده المعارضة اللبنانية جهارًا وعلنًا، على الشاشات وفي الصحف والاجتماعات والمحادثات والمناقشات... بين هذا وذاك يجوز طرح السؤال الكبير، وتحديدًا على اقطاب المعارضة: ماذا لو كانت سورية بريئة من جريمة الحريري وانكشف الفعلة الحقيقيون، وهم كثيرون، محليًا وإقليميًا ودوليًا؟
والسؤال يضم متفرعات كثيرة: هل يكفي القول على ما تدعيه المعارضة إن دمشق وضعت نفسها في قفص الاتهام بتكرارها على الدوام أنها "تلزمت" الأمن اللبناني وهي المسؤولة عنه مباشرة؟
السلطتان اللبنانية والسورية لا تنكران أن هناك ثغرات في النظام الأمني، وهناك تقصير، لكن التقصير لا يبرر الاتهام بالجريمة، وبالتالي، إذا كان من حق المعارضة استغلال لحظة تاريخية دراماتيكية ما كما عملية اغتيال الرئيس الحريري، فإن ما لا تمتلك حقه استغلال دماء الرئيس الحريري وبالتالي مشاعر الناس لتسجيل نقطة انتصار على السلطة، وبما لا يليق بزعيم لبناني تعدى حجمه وموقعه وفعله وتأثيره الساحة المحلية الى العالمية وشكّل قيمة انسانية رائدة.
في مقابل ذلك، هل يمكن لهذه المعارضة أن تدعي تمثيلها كل هؤلاء الذين زحفوا الى قريطم وجامع محمد الأمين واحتلوا شوارع العاصمة؟ نسأل حتى لا ينبري أحد من أهل السلطة ليتّهم المعارضة بامتلاكها ما لا تمتلكه حقًا، خصوصًا أن الحريري حافظ طيلة حياته السياسية على اعتدال ويشهد له أنصاره ومعارضوه على السواء. وإذا كانت السلطة غالت على جهل كبير في محاولاتها المتكررة لتحجيم الزعيم الوطني الكبير، فإن المعارضة وبالجهل نفسه، تمارس تحجيمًا من نوع آخر حين تفرط في تحميل الأطراف الأخرى المتمثلة بالسلطة وحلفائها أعباء دماء الحريري، مع الأخذ بالاعتبار أن الموقفين لا يتقاطعان في مكان ما، وبالتالي فإن التحالف مع سورية من جهة ومعارضتها من جهة أخرى، لا يؤدي في أي حال إلى اكتشاف العنصر المفقود في اللعبة، وقد يكون العضو الأكثر تميزًا وخطرًا حتى يكتمل مخطط التنكيل بجثة الوطن بعدما نكلوا بجثة الرئيس الشهيد.














التعليقات