سمية درويش من غزة: انتفضت الصحف الفلسطينية اليوم تزامنا مع انتفاضة حزب الله المليونية في العاصمة اللبنانية "بيروت"، حيث تصدرت صور التظاهرة الضخمة الصفحات الأولى تحت عناوين مختلفة.
وتفنن رسامو الكاريكاتور بريشتهم، حيث أبرزت أمية جحا المشهورة على صدر صفحة "الحياة الجديدة" شجرة الأرزة اللبنانية ونقار الخشب الاميركي على شكل غراب يحاول هدم البيت اللبناني.
أما جريدة "الأيام" فأبرزت قرار 1559 بانه الشبح القادم للمنطقة بينما أظهرت القدس الساحة اللبنانية كساعة تتجه فيها القوات السورية نحو الانسحاب وعقرب التصعيد الاميركي يلاحقها.
وقال حافظ البرغوثي رئيس تحرير صحيفة الحياة الفلسطينية في مقاله تحت عنوان "اللحديون"، الذين حملوا قميص الزعيم اللبناني الراحل رفيق الحريري وحولوه الى ما يشبه قميص عثمان لإخراج لبنان من عروبته وتقديمه على طبق من خشب الأرز الى أعداء الأمة وصالوا وجالوا خلال الأيام الماضية تحت وصاية الإعلام الغربي ورعاية التصريحات الاميركية الإسرائيلية المتناغمة وكادوا يلعنون كل ما هو عربي في لبنان ويدوسون على أضرحة الشهداء، هؤلاء لعلهم فوجئوا بلبنان النقاء والانتماء يرد عليهم أمس في قلب بيروت حصن الشهيد الحريري.
ومضى قائلا، من قتل الحريري هم الذين حاولوا الإجهاز على لبنان الواحد الموحد حول هويته الوطنية القومية، وليس أولئك الرخويين والهلاميين، ممن تنطعوا أمام الفضائيات وأدوا عروض ستربتيز سياسية تخجل منها هيفاء وهبي ونانسي عجرم واليسا وأخواتها.
المعارضة وإسرائيل
وأشار البرغوثي ليس لبنان من سيسقط في فخ الاحتلال والخيانة حتى لو سقطت كل النظم، لأنه موشى بالمقاومين والشهداء أكثر من غيره من الأقطار العربية، واذا كان ثمة مخطط رهيب لتحطيم لبنان فهو يبدأ من طرد سوريا، ثم نقل حالة اللبننة الى داخل سوريا حتى تتلبنن طائفيا وعرقيا كما هو حال العراق.
وأكد رئيس تحرير صحيفة الحياة، بأن الرد الشعبي اللبناني أمس ربما كان فيه عبرة حتى للعراقيين الذين أخذتهم الطائفية أيما مأخذ وذوبت فيهم عراقيتهم العروبية لصالح شيوخ الطوائف وآياتها ،والذين تظاهروا في وسط بيروت امس ليسوا شيعة او سنة بل لبنان الذي خرج ليؤكد وجوده وسيادته على قراره.
وأوضح فما قيل في وسائل الإعلام عن اقتراب التطبيع وعن اتصالات سرية بين المعارضة وإسرائيل ليذكرنا بمعارضة سعد حداد ولحد وغيرهما من الملاحدة وكلهم في اللحد وإن لم يتلحدوا في عهد الرئيس لحود فسيتلحدون لاحقا بفضل وعي الشعب اللبناني.
الحرب الأهلية الطاحنة
ومن جهتها أوضحت صحيفة القدس ،لم تكن الجريمة الشنعاء باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بداية لهذه الحالة المأساوية من عدم الاستقرار التي تسود القطر اللبناني الشقيق، توأم فلسطين وامتدادها ومرآتها السياسية والأمنية، بل كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وأدت الى انقسام اللبنانيين، بعد ان كانت كل المظاهر تشير الى انهم تجاوزوا عهد الانقسام والاصطفاف الطائفي، وانشغلوا بإعادة تعمير وطنهم، ووصل ما انقطع من الجسور بينهم وبين محيطهم العربي بعد الحرب الأهلية الطاحنة، التي دامت خمسة عشر عاما، وأودت بحياة عشرات الآلاف من اللبنانيين، دون جدوى او طائل او هدف.
تفكيك بنية حزب الله
وذكر حديث القدس ،ومع التدخل الدولي المكثف في القضية اللبنانية، الذي يأخذ في اعتباره قضايا واولويات قد لا تكون لها علاقة مباشرة بالوضع الداخلي اللبناني، إلا بالقدر الذي يخدم المصالح الاميركية والفرنسية، والغربية عامة، فان سوريا أصبحت المشجب الذي يعلق عليه الجميع، ليس فقط أخطاءها وتواجدها الذي طال أكثر مما يجب، وإنما مخططات إعادة رسم الشرق الأوسط الجديد، وتصدير الديمقراطية الاميركية، وحماية المصالح والأهداف الإسرائيلية التي لم تنحسر عن حلمها القديم بأن يصبح لبنان الدولة العربية الثالثة التي توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، بعد تفكيك بنية حزب الله ونزع سلاحه بالطبع.
وتابعت القدس قائلة، بالأمس جرت مظاهرات حاشدة شارك فيها مئات الآلاف من اللبنانيين فيما يمكن اعتباره نوعاً من رد الاعتبار للدور السوري في لبنان، وحفظ ماء الوجه للجيش السوري هناك ورفض القرار 1559 الذي ينص على نزع سلاح حزب الله، والتمسك باتفاق الطائف كخيار ارتضاه اللبنانيون، ومن العجيب ان سحب التشكيك انطلقت من دوائر إعلامية غربية ولبنانية معارضة، اولا حول حجم المظاهرات الموالية للحكومة اللبنانية، وثانيا بشأن كونها تمت بالإجبار أحيانا، او بمشاركة مواطنين سوريين ،وهذا يبعث بالفعل على التعجب، إذ ما دام الحكم للشارع ولحجم المظاهرات فكيف تكون مظاهرات المعارضة محسوبة على مبدأ الديمقراطية، ومظاهرات التأييد مرفوضة، لمجرد انها ترفض التدخل الأجنبي الاميركي الفرنسي، كما يتجسد في القرار 1559.
رياض الصلح
أما المحلل السياسي عدلي صادق كتب تحت عنوان "رياض الصلح"،قائلا، هكذا هو لبنان بشخصياته السياسية وطوائفه، وأحزابه فالدولة هي إطار للتعايش المشترك بين الطوائف، دون أن تكون هذه الدولة ذات صيغة مؤهلة للتقدم بالبلاد الى عملية انصهار مشيرا الى انها سلطة فوقية لتجميع الطوائف والمناطق، التي تتساكن جنبا الى جنب. وتابع صادق في مقاله ،هكذا ولد استقلال لبنان على فرضية استمرار التفسخ الوطني، في إطار علاقات سياسية، تعمل على ديمومة الاستقلال والتفسخ معا، لم تتعمق خلال السنين فكرة الدولة ولم تزدهر، لكي تشكل انتماء للإنسان في الوطن، معززا بمؤسسات تضامن جماعي، مدني ونقابي يضمن للإنسان اللبناني التوازن النفسي والمادي.
فريق المارونية السياسية
وأضاف المحلل السياسي الفلسطيني لم تبن الدولة الإطار السياسي والفكري والإداري والاقتصادي الذي يوحد الناس من كل الطوائف، ويبني إجماعا، وبدل أن تحاول الدولة، أن تفعل ذلك انخرطت هي نفسها في التناقضات، بحكم بنيتها وصيغتها الأولى فظل اللبناني في حضن الطائفة التي لها ثقافتها الخاصة ومدارسها الخاصة وخططها وسياساتها
في هذا الواقع المأزوم بطبيعته.
ومضى يقول ،انتعشت أحلام كل طائفة في السيطرة وفي الغلبة، ورأى كل فريق أن موقعه يتعزز بامتداداته الخارجية وبتبعيته الدينية والسياسية ومن هنا استأنس فريق المارونية السياسية أو زعماؤه بالعلاقة مع الغرب وظن بعض زعماء السنة، على إثر اغتيال رفيق الحريري أن نصيبهم عند هؤلاء محفوظ على قاعدة الشراكة القديمة بين الأرستقراطيتين، المارونية والسنية،موضحا بان الساحة التي تتجه اليها التظاهرات، في وسط بيروت تحمل اسم رياض الصلح أحد الداعين، في العام 1928، الى انعقاد المؤتمر الأول، لوحدة سورية وبضمنها لبنان.
إسقاط حكومة دمشق
وذكر صادق بان الشيخ حسن نصر الله لم يخطئ، عندما قال إن لبنان ليس كأي بلد آخر، فهو وطن الوطنيين، لكنه كدولة يمثل حالة تجميع للطوائف المتعايشة، دون أن يكون من حق إحداها، أن تقرر مصير الأخريات.
وتابع قائلا، كان لا بد من تظاهرة الأمس الحاشدة حتى الإنتصار، لإحراز التعادل أو ما بعد التعادل، لكي لا يستباح لبنان، ولكي لا تكون بيروت مرة أخرى، بوابة إسقاط حكومة في دمشق مثلما حدث لحكومة الملك فيصل الأول، في العام 1920.













التعليقات