فداء عيتاني من بيروت : بين التظاهرة واخلاء مراكز الاستخبارات السورية في بيروت والمشاورات النيابية لتشكيل الحكومة الجديدة والاحتفال بانزال صور حافظ الاسد عن الرصيف البحري في العاصمة اللبنانية يتنوع المشهد اليوم الثلاثاء، هذا هو لبنان المضطرب الذي تجري فيه تحقيقات جنائية لمعرفة من قتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري يوم الرابع عشر من شباط (فبراير) الماضي.

الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت بيروت المحلي (11:00 بتوقيت غرينتش) بدأ طلاب القوى الموالية لسورية وللسلطة اللبنانية ولحزب الله خاصة في التجمع قرب سوق تجارية معروفة في ضاحية بيروت الشمالية على مسافة كيلومترات قليلة من السفارة الاميركية في منطقة عوكر، الشبان باغلبهم طلاب من المدارس وبعض الجامعات، ويصرخ عدد منهم "الله نصرالله والضاحية كلها" وهو شعار يشير إلى تأييد الامين العام لحزب الله ولسكان الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الكثافة الشيعية.

بضع مئات من الشبان يتجمعون قبل الموعد الرسمي للتظاهرة في الساعة الثالثة بالتوقيت المحلي، ومع ذلك تصل الباصات وهي تحمل الطلاب والطالبات للمشاركة في التظاهرة، غالبية المشاركين من مناصري حزب الله، وفي المقابل كانت منطقة السفارة الاميركية تشهد تدابير امنية اصبحت معتادة من قبل القوى الامنية هناك.

الساعة الواحدة والنصف ظهرا بالتوقيت المحلي، كل الطرق المؤدية إلى السفارت تغلق، وينتشر الجيش اللبناني الذي يملك مواقع في محيط السفارة، بكثافة على الطرق، يغلق الطرق الرئيسة بالأسلاك الشائكة قبل مقر السفارة بعدة كيلومترات، وينتشر الجنود على كل المفارق ليشكلوا درعا بشريا اضافة إلى اغلاق المفارق بالاسلاك والعوائق الحديدية. وتتوزع الاليات العسكرية المدرعة على مفارق الطرق المؤدية إلى السفارة، الجنود بالتسليح الكامل ويرتدون الدروع المضادة للرصاص، وعدة صفوف من المشاة مع العصي والدروع الشفافة الواقية وآلية للاطفاء مخصصة ومجهزة لقمع التظاهرات.

عند تمام الساعة الثانية من بعد الظهر تنطلق التظاهرة من أمام الاسواق الكبرى وتتجه على طريق السفارة، تخلي القوى الامنية المنطقة خارج الطوق الامني لتسلمه للجنة التنظيم التابعة لحزب الله، ومع وصول اول طلائع المتظاهرين يبدأ بعضهم برمي القوى الامنية بالاحجار وباستخدام مقلاع يدوي صغير، وكانت التظاهرة تضم ما يقارب خمسة آلاف شاب وفتاة بحسب القوى الامنية المتواجدة في المكان، بينما ذكرت بعض وسائل الاعلام انها ضمت ما يقارب من عشرة آلاف مشارك.

ويرفع بعض المتظاهرين بطاقات هويتهم للدلالة على انتمائهم إلى لبنان، ويتخطى بعضهم الشريط الشائك الاول ليزرعوا الاعلام اللبنانية على الشريط الثاني ويرفعوا الراية الوطنية فوق الاسلاك الشائكة، وهي الحركة الرمزية التي كانت المقاومة الاسلامية تجيد استخدامها خلال معاركها ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان حيث كانت ترفع الاعلام اللبنانية وراية حزب الله فوق المواقع الاسرائيلية التي تهاجمها.

وكانت مكبرات الصوت تبث على المتظاهرين مقاطع من خطاب حسن نصرالله خلال الاعتصام الذي نفذ في بيروت لشكر سورية ورفض القرار الدولي الرقم 1559 (الذي يدعو إلى الانسحاب السوري من لبنان ونزع سلاح الميليشيات وخاصة حزب الله)، بينما راح المتظاهرون يرددون شعارات معادية للولايات المتحدة، ومنها "يا سفير طلاع طلاع ارضي حرة ما بتنباع"، وبعد دقائق قليلة على وصول التظاهرة إلى قرب الاسلاك الشائكة وتوقفها هناك تم حرق العلمين الاميركي والاسرائيلي، بينما كان مكبر الصوت يردد "هذه سفارة اسرائيلية". وشكل بعض المتظاهرين اهراما بشرية رافعين الراية اللبنانية عاليا وكتب على احدها "كلنا مقاومة". وراح الشبان يهللون مؤيدين حين بثت مكبرات الصوت العملاقة مقطعا من خطاب نصرالله يشير فيه إلى حماية حافظ الاسد لبيروت.

وبغض النظر عن عدد محدود من الاشكالات التي حصلت، ومنها رفع اعلام حزبية كراية حركة امل او العلم الايراني، فانها المرة الاولى ومنذ اعوام طويلة التي تجري فيها تظاهرة في منطقة السفارة الاميركية دون حصول صدام بين القوى الامنية والمتظاهرين.

وبعد افراغ الساحة نهائيا من المتظاهرين بساعات، ومع حصول اختناق مروري على الطرق الدولية المؤدية من الشمال إلى بيروت كان رئيس الحكومة اللبنانية المكلف بتشكيل الحكومة الرئيس عمر كرامي يعلن انه وبحال عدم التمكن من التوافق مع المعارضة فانه سيعتذر عن تشكيل الحكومة.


الأرض والصورة ومقر المخابرات

ومن قرب الرصيف البحري حيث مقر الاستخبارات السورية المركزي في بيروت كان ثلاثة رجال يترجلون من سيارتهم الفاخرة، ويتوجهون نحو الأرض المقابلة لمقر الاستخبارات، هم يملكون الارض التي يقع عليها المبنى اضافة إلى مساحة كبيرة من الارض الموازية والتي يمكن بسهولة تقدير سعرها بعشرات الملايين من الدولارات، وهي الارض التي لم يسمح لهم بزيارتها منذ عشرين عاما بحسب احدهم.

"ادخل وحاول انت زيارة الارض" يقول لنا احد اصحاب الارض في لهجة تحد بعد ان فشل نفسه في الدخول، وحين نقف في مكان مطل على مقر الاستخبارات يشير لنا جندي سوري بالاقتراب، ويتحدث بتهذيب شديد وبرجاء واحد فقط "لا تصوروا المنطقة انتم تسببون لي المشكلات مع الضابط" كان الجندي يؤكد لنا انه يقوم بواجبه وان لديه اوامر بمنع الصحافيين من الاقتراب، واصحاب الارض يجلسون على مبعدة عشرات الامتار وكأنهم ينتظرون اخلاء المبنى الذي اعلنت وكالات الانباء العالمية انه يتم اخلاؤه، الا ان الجنود النظاميين لا يزالون يحمونه.

على مدخل اخر للمبنى الاستخباراتي كان ثمة مجموعة من المدنيين المسلحين من جهاز الاستخبارات السورية، يشير لنا احدهم، وقبل ان نصل، بيده لنتابع طريقنا دون توقف "الله معكم" يقول وهو يتابع الاشارة لنا بعدم التوقف، وحين نتوقف لنتحدث معهم يقول لنا احدهم "اذا اردتم شرب القهوة معنا فاهلا بكم ولكن لا معلومات ولا صور، فاختاروا" طبعا دخول مقر للاستخبارات لشرب القهوة مسألة تحتاج إلى الكثير من الحسابات، ولذلك نتابع طريقنا.

على الشريط البحري لمدينة بيروت وقريبا من مقر اقامة رئيس مجلس النواب نبيه بري ترتفع منذ العام 1987 لوحة إعلانية ضخمة تحمل صورة حافظ الاسد، هذه اللوحة كانت تخضع لصيانة دورية من قبل الاطراف الموالية لسورية في لبنان، وصباح الثلاثاء كانت تقف سيدة تحمل العلم اللبناني وسط مجموعة من شبان وشابات المعارضة وتدعو السيارات للتوقف قرب هذه اللوحة، والنزول من سياراتهم لمشاركة المعارضين باحتفالهم، وقرب قاعدة اللوحة كان ثمة شبان يفككون بمعدات ثقيلة اللوحة، ويستخدمون لذلك الات اللحام الكهربائية لانزال اللوحة، وهو ما انجز قرابة الظهر، ولكن الصورة كانت قد ازيلت سلفا، بحيث لم يعد يمكن للرائي ان يحدد ماهية هذه اللوحة قبل ان تخضع للتفكيك والانزال، وبعد الظهر كان قد رفع العلم اللبناني على سارية مرتجلة عاليا في المكان.