نبيل شرف الدين من القاهرة: "ربما لا نبالغ إذا اعتبرنا أن عملية التفجير التي اتهم بتنفيذها مواطن مصري في العاصمة القطرية، قد أصابت القاهرة بنفس القدر من القلق والاستنفار اللذين أصابا الدوحة مسرح الحدث"، ... بهذه العبارة استهل حديثه خبير أمني شغل عدة مناصب رفيعة في أجهزة الأمن المصرية المختلفة، قبل تقاعده برتبة اللواء مساعد وزير

منزل المتهم بتفجير الدوحة
الداخلية، ورأى أن هذه العملية رغم بساطتها مقارنة بهجمات الحادث عشر من أيلول (سبتمبر) في الولايات المتحدة عام 2001، لكنها أكدت هاجساً خارج السيطرة الأمنية المصرية، هذا الهاجس يتمثل في تجنيد عناصر من المصريين المقيمين خارج البلاد للانخراط ضمن خلايا أصولية مسلحة، أو حتى التعاطف معها، خاصة في ظل وجود ملايين المصريين يقيمون خارج البلاد للعمل أو الدراسة، فضلاً عن المهاجرين بشكل نهائي.

ولعل حالة الشاب المصري محمد عطا، قائد الرفق الانتحارية التي نفذت هجمات الحادي عشر من أيلول، الذي جرى تجنيده وضمه إلى صفوف "القاعدة" أثناء إقامته في ألمانيا، تشير إلى أن أيمن الظواهري، الذي يوصف بأنه "الساعد الأيمن لزعيم التنظيم أسامة بن لادن"، لم يعد أخطر شخصية مصرية تنشط على الساحة الأصولية الدولية، وإن كان أبرزها، لكن الشواهد تشير إلى أن هناك من يشكلون خطورة مباشرة أكثر من الظواهري ـ ومازال الحديث للخبير الأمني ـ موضحاً أنه من المنطقي والوارد ألا تكون لهؤلاء أية ملفات أمنية لدى أجهزة الأمن المصرية، لأنه لا تتوافر لديها أي معلومات بشأنهم، اللهم إلا بعض المصادفات النادرة، أو تلك الحالات التي تزود فيها بلدان الإقامة مصر، بصفتها الموطن الأصلي، حول هؤلاء الأشخاص الذين وصفهم الخبير بتعبير "القوارب الأصولية" التي تجوب البحار والمحيطات وما ورائها من أصقاع، وبالتالي تصبح خارج سيطرة ومتابعة وعلم أجهزة الأمن المحلية في مصر .

سيرة ذاتية
وتشير السيرة الذاتية للمتهم بمنفذ تفجير الدوحة إلى مكمن الخطورة المتمثل في عدم وجود ما يستوجب الشك أو الارتياب في شخص وسيرة المتهم المصري عمر أحمد عبد الله، البالغ من العمر نحو 38 عاماً، فهو مجرد شاب عادي، تقول معلومات الأمن إنه نشأ لأسرة متوسطة الحال تقيم في حي شعبي شهير وسط القاهرة، وتحديداً في العقار رقم 15 بشارع نوبار بحي "السيدة زينب"، ووالده كان موظفا في "شركة الكابلات"، ثم عمل بالتجارة عقب إحالته على التقاعد من العمل الحكومي، وعمر هو الشقيق الأكبر لأخ يدعى كرم يعمل في قطر أيضا، ولهما شقيقة أخرى متزوجة.

وشأن ملايين الشبان المصريين عاش عمر سنوات دراسته حتى تخرج بتقدير "جيد جداً" في كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة، وعمل فور تخرجه بشركة "هورايزون" للمعلوماتية في الدوحة، وانتقل بعدها للعمل في شركة "قطر للبترول"، وشارك خلال السنوات الماضية في تصميم وتنفيذ عدة مواقع إليكترونية لمؤسسات رسمية هامة، منها وزارة الخارجية القطرية، وأخرى إعلامية مثل "الجزيرة. نت" وعدد من الصحف القطرية، وهو ما أكسبه خبرات متميزة رشحته للعمل في مؤسسة البترول القطرية، وكان يتقاضى راتباً مرتفعاً ويعيش مع زوجته المولودة في قطر حياة لا ينغصها شئ.

القاعدة والإنترنت

عمر أحمد عبدالله
ما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية، وفقاً لذات المصادر، أن الانتحاري عمر خاض تجربة جديدة شكلت منعطفاً خطيراً في حياته، وهي التواصل شبه المستمر مع نشطاء من التيار الديني الراديكالي الذي ينتشر المتعاطفون معه على نحو واسع عبر الإنترنت، وبالطبع كان يشارك في منتديات الحوار بأسماء مستعارة، وقدم خدمات تقنية مجانية لبعض الأشخاص الراغبين في تصميم مواقع أصولية، وكان طيلة هذه السنوات لا يتردد على مصر إلا نادراً، لدرجة أنه لم يحضر جنازة أبيه، وقد تغيرت هيئته بعد أن أطلق لحيته وصار يتردد بشكل منتظم على حلقات الدروس الدينية، وذهب في التزامه الديني إلى أبعد الحدود، واشتهر عنه سلوكه المنضبط، وأنه قليل الاختلاط بالآخرين، ويميل إلى الصمت غالباً، ويفضل الاستماع أكثر من الحديث أو الاشتباك مع الآخرين سلبياً أو إيجابياً .

وعودة إلى الخبير الأمني المصري الذي استبعد أن يلجأ تنظيم "القاعدة" إلى البحث عن ملاذ آمن آخر يعمل انطلاقاً منه مثلما كان يجري في أفغانستان، لذلك فإن التنظيم لجأ الى الانتشار عبر خلايا صغيرة في عدد أكبر من الدول، وهي التي اصطلح على تسميتها بتعبير "الخلايا النائمة"، ومضى قائلاً إن عناصر تنظيم "القاعدة" قاموا بتوصيل قرص كمبيوتر مرن أو مضغوط ببيانات تم تشفيرها إلى أطراف ثالثة، وبدورها تحملها للجهة المخططة للهجمات، أو المهام المستهدفة هنا وهناك، وأضاف قائلاً "استخدم خبراء "القاعدة" برامج متاحة عبر الإنترنت مثل برنامج التشفير المجاني "بريتي جود برايفاسي"، كما استخدمت ولازال عناصرها يستخدمون البريد الإلكتروني المجاني للاتصال ببعضهم البعض، وإن كانوا حريصين بشدة على الولوج للإنترنت عبر مقاهي الإنترنت والمكتبات العامة حتى يصعب ـ وربما يستحيل ـ ملاحقة آثارهم أو تتبع مراكز اتصالهم بالشبكة، أو معرفة أية بيانات عن حقيقة أشخاصهم أو محال إقامتهم أو عملهم.

وخلص الخبير الأمني إلى القول إنه وباستثناء الشباب الخليجيين الذين نشأوا في عائلات متدينة عادة، فإن كثيرا من الأصوليين صاروا متدينين في سن متأخرة، وهذا يؤكد رؤيته التي سبقت الإشارة إليها حول الدور الحاسم للوحدة والغربة المصاحبة لتجربة الهجرة أو العمل في الخارج، حتى لو كان هؤلاء أطباء ومهندسين درسوا في أوروبا أو الولايات المتحدة، فإنهم وجدوا ضالتهم في الانخراط بمنظمات أو خلايا أصولية راديكالية، أو حتى مجرد التعاطف مع منظومتها الفكرية، استناداً إلى أن هذا التعاطف هو الخطوة الأولى للولوج إلى العمل الحركي غالباً.

واختتم خبير مكافحة الإرهاب المصري مؤكداً أن استخدام الكمبيوتر والإنترنت أصبح من العوامل الهامة التي لا غنى عنها للتنظيمات الإرهابية عموماً، والحركات الأصولية المسلحة خاصة، نظرا لأهمية الدعاية لهذه التنظيمات وجمع الأموال التي تمول عملياتها، ولأن هذه العناصر ترى أن الإعلان عن نفسها عن طريق محطات التلفزيون يعرضهم لمخاطر الرصد والتتبع والملاحقة.