الفاتيكان: لا تزال في الاذهان ثلاث صور طبعت مراحل بابوية شهدت المصالحة الصعبة بين الكنيسة الكاثوليكية واليهود: البابا يوحنا بولس الثاني راكعا في معسكر اوشفيتز وداخلا كنيس روما ومصليا امام حائط المبكى في القدس.
ويعود الى البابا البولندي الذي عاصر في مسقط رأسه موجات معاداة اليهود من قبل المسيحيين ثم ابادة اليهود على ايدي النازيين الالمان، اعلان "ندم" الكنيسة الكاثوليكية عن حوالى الفي سنة من "تعليم الاحتقار".
وفي العام 1965، وضع المجمع الفاتيكاني الثاني الذي شارك فيه كارول فويتيلا، حدا لتعاليم الكنيسة التي كانت تقول ان الشعب اليهودي مسؤول عن قتل السيد المسيح. وتبقى عبارة صديق طفولته جيرزي كلوغر اليهودي الذي ولد مثل كارول فويتيلا في فادوفيتشي، شهيرة حين قال "هذا البابا فعل لليهود اكثر مما فعل كل الباباوات الاخرين خلال الفي سنة".
لكن فويتيلا الذي اصبح البابا يوحنا بولس الثاني لم يتجنب الاخطاء اذ انه تأخر في فهم الغضب الذي اثارته لدى الطائفة اليهودية اقامة رهبانية داخل معسكر اوشفيتز كما ان مقارنته المتكررة بين ابادة اليهود والاجهاض اثارت صدمة.
ومما اثار الاستياء ايضا اصرار الفاتيكان على المضي في عملية اعلان قداسة البابا بيوس الثاني عشر رغم صمته خلال المحرقة. لكن طوال مدة توليه السدة الباباوية، كثف يوحنا بولس الثاني من المبادرات الرمزية وادانات موجة معاداة السامة.
ففي 27 كانون الثاني/يناير 2005 وفي رسالة بمناسبة الذكرى الستين لتحرير معسكر اوشفيتز، اكد البابا ان ابادة اليهود تشكل "جريمة وصمت على الدوام تاريخ البشرية". وفي السابع من حزيران/يونيو 1979 وخلال اول رحلة له الى بولندا، جثا البابا على ركبتيه في اوشفيتز في بادرة مؤثرة. لكن حين وصف المعسكر الذي قضى فيه اكثر من مليون يهودي بانه "جلجلة العالم المعاصر" نسبة الى المكان الذي صلب فيه المسيح، واجه اتهامات بالسعي الى اضفاء صفة مسيحية على "الشهادة اليهودية".
ومما اثار التشنج ايضا تطويب (1987) ثم اعلان قداسة (1998) اديث شتاين الفيلسوف اليهودي الالماني الذي اعتنق المسيحية لكن تم ترحيله كيهودي الى اوشفيتز حيث مات.
وفي 13 نيسان/ابريل 1986 اصبح البابا يوحنا بولس الثاني اول حبر اعظم منذ القديس بطرس يدخل كنيسا. وقال لليهود المحتشدين في كنيس روما "انتم اشقاؤنا وشقيقاتنا المفضلون وبطريقة ما اشقاؤنا الكبار" مذكرا بذلك بان اليهودية سبقت المسيحية.
وفي حزيران/يونيو 1994 اقام الفاتيكان علاقات دبلوماسية مع اسرائيل. وبعد ست سنوات اختتم البابا رحلة حج الى الارض المقدسة في مناسبة بدء الالفية الثالثة بزيارة الى اسرائيل تخللها خطاب في نصب محرقة اليهود في القدس (23 اذار/مارس) وصلاة امام حائط المبكى (26 اذار/مارس).
واعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي انذاك ايهود باراك في اليوم التالي ان هذه الزيارة "تشكل منعطفا حاسما في العلاقات بين العالمين المسيحي واليهودي".
وخلال الصلوات امام حائط المبكى حيث يقوم اليهود المتدينون عادة بادخال رسائل تحمل نصوص صلواتهم، وضع البابا طلب صفح من الله عن "اولئك الذين تسببوا بمعاناة اولادك على مر التاريخ".
والورقة التي تحمل توقيع البابا "يوهانس باولوس 2" معروضة اليوم في متحف المحرقة. ومنذ هذه الرحلة التاريخية، كثف ممثلو الكنيسة الكاثوليكية واليهودية حوارهم ليشمل مسائل الدين الصعبة. لكن ملف البابا بيوس الثاني عشر يبقى شديد الصعوبة.
فقد فتح الفاتيكان جزئيا محفوظاته عن فترة ما قبل 1939 حين كان يوجينيو باتشيلي، البابا المقبل والذي تحوم شبهات عن ضعفه امام النازية، قاصدا رسوليا في المانيا.
لكن الفاتيكان لا يزال يرفض فتح محفوظاته امام المؤرخين عن فترة الحرب العالمية الثانية ما يثير انزعاجا في داخل الكنيسة وجدلا في خارجها.















التعليقات