الانقاذ أبعد من الحكومة والانتخابات النيابية
لبنان "الحلقة الاضعف"أمام الزحف الأميركي
ألبير الخوري من بيروت: يخطئ اللبنانيون الى اي جهة انتموا، حكاماً ومسؤولين ومواطنين، اذا ربطوا خلاصهم من الازمات السياسية والمحن الاقتصادية والحياتية والتفجيرات الامنية التي يتخبطون بها وتضرب طول البلاد وعرضها، بتشكيل الحكومة العتيدة وإجراء الانتخابات النيابية والتي على نتائجها قد تسقط السلطة الراهنة فتسجل المعارضة انتصاراً جديداً في سلسة انتصاراتها التي حققتها حتى الآن، بدءاً من انسحاب القوات العسكرية السورية ومخابراتها، الى تشكيل لجنة التحقيق الدولية في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري مروراً بالشعبية المتزايدة والضاغطة التي كشفت عنها تظاهرات السيادة والحرية والاستقلال... او تنتصر السلطة المستمرة دستورياً حتى الآن بالاكثرية النيابية، فتصيب المعارضة بالضربة القاضية وبما يمكنها من تثبيت سلطتها وتدعيمها. ليس فقط في مواجهة الرأي العام المحلي، انما الاهم، في مواجهة القرارات الدولية، وهذا ما تسعى اليه من خلال تلكؤها في تشكيل حكومة جديدة لأسباب واهية، وبما يمكن المجلس النيابي الحالي من تمديد ولايته، وبالتالي الاحتفاظ بأكثرية شرعية تقيها من تهديدات مجلس الامن الدولي، وبما يسمح لها الادعاء ـ كما فعلت خلال الشهرين الماضيين بعد تفجير موكب الرئيس الحريري ان ما تخطط له كل من واشنطن وباريس تحت مظلة هيئة الامم، يتعدى خروج سوريا العسكري والمخابراتي من لبنان ـ وأيضاً التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري الى التدخل المباشر في شؤون لبنان وسوريا الداخلية و استكمالاً لاهداف الولايات المتحدة الاستراتيجية، وما تسعى الى تحقيقه في منطقة مزنرة بالنار من كل الجهات.
فالعراق تخطى ازمة بين ازمات كثيرة من خلال انتخابات تشريعية واختيار الكردي جلال طالباني لرئاسة البلاد. لكن ذلك لا ينفي ان العراق الموحّد، الآمن والمستقل، ما زال يقف على بركان قابل للانفجار في اي لحظة.
وكذلك الحال في فلسطين المحتلة، وحيث سلطة ابو مازن ما زالت مهددة بأكثر من فصيل مقاوم وشرس كما "حماس" و"الجهاد الاسلامي"... واذا قامت الحوارات بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة افضت الى هدنة هشة، فإن قوات الاحتلال الاسرائيلية مستعدة للدخول من حيث خرجت، وربما تعدت ذلك، ما لم تؤد المعارضات بين ابو مازن وآرييل شارون الى انتصار الخط الاسرائيلي. ودائماً بدعم غير محدود من الادارة الاميركية.
وما جرى ويجري في مصر والسودان وعموم منطقة وادي النيل، وكذلك في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي من تحولات سياسية واجتماعية وما تشهده ساحاتها من عمليات "ارهابية" تصيب المدنيين وتهدد الاقتصاد الوطني ليس بعيداً عن الخطة الاميركية ـ الاسرائيلية في نتائجها وان كانت تختلف عنها في اهرافها المعلنة والمخبأة على السواء. ويبدو أن سوريا التي خرجت عسكرياً ومخابراتياً من لبنان بقوة القرار الدولي 1559 استدركت ذاتها، اقله حتى الآن، وتحاول ابعاد النار عن داخلها وحدودها لجهة العراق، ونجحت في مسعاها لتؤكد بلسان وزير خارجيتها فاروق الشرع وأمام موفد الامم المتحدة تيري رود لارسن انها نفذت حصتها بالكامل من القرار "الملغوم" وبات على مجلس الامن ان يتابع الحصة الباقية مع المسؤولين اللبنانيين.
ولبنان لم يكن في خلال تاريخه الحديث الا في قلب الاحداث، وفي أحيان كثيرة كان لبنان هو الحدث المستقل والمتنقل الى عموم المنطقة كما يحدث حالياً، وحيث يبدو الحلقة الاضعف وسط هذا الزحف الاميركي السياسي والعسكري الى المنطقة، وحيث لجهة اخرى تتلهى كل الاطراف المسؤولة في السلطة والمعارضة بتأليف حكومة "أمر واقع" او "بمن حضر" أو "بلون واحد"، كما الانقسام حاصل حول قانون الانتخاب بين قضاء دائرة انتخابية كما يريد "لقاء البريستول" او محافظة مع النسبية المتلائم مع تطلعات لقاء عين التينة، او دوائر متوسطة (تسع محافظات) كما اقترح "سيد المعارضة" رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط اثر زيارته المفاجئة لرئيس مجلس النواب و"سيد عين التينة" نبيه بري، وأعقبه بلقاء رئيس الحكومة المستقيل فالمعتذر والمكلف من جديد عمر كرامي. والواضح أن تحركات جنبلاط الاخيرة اوجدت تمايزاً واضحاً في مواقفه عن حلفائه في البريستول، يقابل ذلك وحده في مواقف وتوجهات "عين التينة" التي اعتمدت منذ انطلاقتها سياسة التباطؤ والتلهي وتمرير الوقت لتفوت على المعارضة انتصارها الكبير في الانتخابات النيابية المقبلة.
وما يدعو للخوف ان اياً من الفريقين لم يطرح حتى اليوم مشروع انقاذ وطني يتعدى تشكيل وشكل الحكومة العتيدة، وأيضاً شكل القانون الانتخابي. لكأن الازمة اللبنانية بتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية الخطرة قد توقفت عند حدود السلطتين التشريعية والتنفيذية، او تعدت ذلك في بعض محطاتها لتصيب الرئاسة الاولى بأصوات المعارضة المتطرفة التي تنقلت في شروطها من المطالبة بإقالة او استقالة قادة الاجهزة الامنية الى استقالة الرئيس اميل لحود، وما شكل في حينه انقلاباً كاملاً على السلطة والنظام، الامر الذي اعتبره سيد بكركي البطريرك نصر الله صفيراً اعتداءً على المقدسات المارونية التي لا يجوز تجاوزها مهما بلغت التحديات والتهديدات.
بهذا المفهوم وشعاراته يتأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى ان السلطة والمعارضة تتنافسان على مقاعد مصالح ظرفية وتتناسيان القضايا الوطنية والقومية الكبرى، ان مجرد الفصل بين الوطن ككيان مستقل قائم بذاته والقومية التي تحتمي في ظلها كل الاوطان العربية جعل من السهل على الولايات المتحدة واسرائيل الاستفراد بكل كيان على حدة وليسقط الواحد تلو الآخر امام غزوات تعدت السياسة والامن الى ثقافة المجتمع العربي وقيمه وتطلعاته.
والحقيقة المتجلية على أحسن ما يكون منذ التمديد للرئيس لحود ومن بعد اغتيال الرئيس الحريري تدعو الى النفورمن بعض ما تفرزه الطبقة السياسية اللبنانية وما تنطق به من تصريحات لا تتناسب مع الاهداف التي يتحدثون عنها ولا مع متطلبات المواطنين. واذا كان الشأن الداخلي على اهميته بما يتعلق بشأنين الحكومي والنيابي، كما بالقضاء والامن والاقتصاد يحتلان اهمية كبيرة بحيث لا يجوز الاخلال بأي من هذه السلطات حتى لا تدخل البلاد في فراغ، فإن هذا الاهتمام الداخلي يجب الا يلهي المسؤولين عن كل ما يرسم على مستوى المنطقة، وخصوصاً المشروع الاميركي المستمر منذ اواسط القرن الماضي بأوجه مختلفة حتى اخذ اليوم ذريعة ما يسمونه الاصلاح والتغيير، وفق حسابات الادارة الاميركية التي ترفض التغيير وفق القنوات الطبيعية التي تتلاءم حركة الشعب وتوقه الى الاصلاح، انما وفق ما تحققه من مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية في المنطقة، وبما يسمح لها بتلميع صورتها امام الرأي العام المحلي والدولي.
لقد أخطأت السلطة اللبنانية على مدى الست سنوات الماضية وأقدمت على خطايا فظيعة، وكان بين المسؤولين فيها اقطاب معارضة يطالبون اليوم بالاصلاح والتغيير، لكن ما وصلت اليه البلاد من انهيارات سياسية واقتصادية وما شهدته الساحة الداخلية في الاسابيع الاخيرة من تفجيرات متنقلة، وقد لا تتوقف، بتشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات، طالما ان الطرفين يسددان اهدافهما في اتجاه مقعد وزاري او نيابي، وطالما ان المخطط الاميركي ـ الاسرائيلي يستمر تصاعداً، فإن المطلوب في مثل هذه المحطات الصعبة تنازل الطرفين عن طلباتهما المتطرفة واعتماد الخطاب المتوازن المرتفع الى المستوى اللائق بمسؤولياتهم وبمكانتهم وبما تفرضه عليهم خطورة المراحل، وبالتالي إنقاذ البلاد كما يزعمون. وفي المقابل على القاعدة الشعبية ان تعي بدورها مسؤولياتها فترفض من خلال حسها الديني والوطني والقومي والقيمي لكل خطابات الاثارة والانفصال التي تمهد السبيل للمشاكل والفتن والانقسام والفوضى...
وما يجري اليوم في العراق يكاد يكون صورة لما يمكن ان يصبح عليه لبنان في حال عدم التخلي من هذه الجهة او تلك عن المصطلحات الاستفزازية التي تمهد لمناخات تحريضية تشحن النفوس وتكبل العقول وتفتح شلالات الغرائز على القتل والتدمير.
لقد سبق للبنان ان عانى اخطار تجربة الانقسام والتشرذم على ايدي الاميركيين والصهاينة وبعض العرب، ومن حقه اليوم ان يستفيد من تجربة سنوات الجمر الطويلة حتى لا يقع في المخطر ويتحول استشهاد الرئيس الحريري الى استشهاد لبنان على وقع الشروط المضادة بإصرار البعض على اسقاط البعض وبجهل وتجاهل كما يخطط للمنطقة اميركياً وإسرائيلياً من مشاريع تقوم على نشر الفوضى وضرب الاستقرار الى حروب داخلية تقوم على تحريك الغرائز الطائفية والمذهبية بما يحقق الشروع الاميركي ويريح اسرائيل. وقد يكون لبنان مجدداً اول المستهدفين والخاسرين.















التعليقات