عبدالله المغلوث من فلوريدا: تضع الأميركية أنجيلا باني (65عاماً) أصابعها على صدغها تارة، وتأكل أظافرها تارة أخرى، تتكور على كرسٍ خشبي يلمع من الأطراف، تفرش ابتسامتها المدفونة في عينيها للعابرين أمام طاولتها في جناح مكتبة فلوريدا المخصصة للثقافة الطبية والصحية...
عندما ناولتني كتاب استعرته قبل 4 شهور من القسم المسؤولة عنه، تأملت أصابعها المجروحة بإهتمام، حملتني الحفر التي رسمتها بأسنانها على بنصرها، خنصرها، وُسطاها، سبابتها، وابهامها إلى عالم الأنياب التي زرعها الله في سقف لثتنا، قبل أن أنغمس في ملكوت خيالي استوقفتني أنجيلا عندما دهست بأصابعها المصابة على يدي، قالت لي بلغة عربية مهزوزة: "السلام عليكم". أجبتها بتحية عربية أطول، وعيناي تنصرف عن أطرافها، وتجول في وجهها العريض بينما عقلي يتساءل عن سبب تحيتها العربية وكيفية معرفتها بجذوري ، قرأت ذهني، وأجابت: "لاأخطئ في وجوه العرب، قضيت بنيهم أجمل 16 سنة من حياتي، تضاريس الجفون، الأنوف، القلق المتراكم حول الأهداب تفاصيل عربية في مستودع ذاكرتي".
تقول الممرضة السابقة التي عملت في الكويت وجدة وابوظبي إنها أحبت الدول العربية واستمتعت بالأيام التي صرفتها في أحشائها، ندمت مرة واحدة عندما ساعدت سيدة سعودية في جدة على اسقاط جنينها في شقة مضطربة على الساحل الأحمر، تقول أنجيلا انها خشيت أن تموت صديقتها السعودية أثناء الاجهاض قبل 11 سنة: "صرخات فاتن تعلو، كانت في شهرها الرابع، قتلت روحاً بريئة، اغفروا لي"...
ليست الأميركية أنجيلا وحدها التي قامت بعملية اجهاض غير شرعية في السعودية، الصحف المحلية الصادرة من الرياض وأبها والدمام وجدة ومكة تطالع قراءها بأخبار عديدة تتحدث عن مطاردة وقبض السلطات الأمنية على عصابات تقترف الاجهاض في اوقات متفرقة...
شمس حارة داخل سيارة
تعترف أنجيلا أنها ارتكبت خطأ فادحا على حد وصفها تلبية لرغبة صديقتها السعودية التي تعرفت عليها أثناء مراجعتها للمشفى الحكومي الذي كانت تعمل فيه وسط جدة، تكمل الأميركية باني القصة لـ "إيلاف": "كنت أصغر وأكثر تهورا واندفاعا، أخبرتني فاتن بأنها حامل في شهرها الثاني وتريد ان تتخلص من الجنين، طلبت مساعدتي لأنها لايجب أن تحمل في هذا الوقت".
كانت فاتن حامل من خطيبها قبل ان يتزوجا رسميا، تخشى ان يموت زواجهما اذا عرفت الأسرة، تتألم انجيلا: "خشيت أن يقتلها والدها، فاتن كانت خائفة من ذلك". ذهبت الأميركية مع فاتن الى امرأة افريقية متخصصة في الاجهاض تسكن أحد احياء جدة القديمة، تعود الأميركية سنوات إلى الوراء: "قلقي على مصير فاتن وقلقي من لجوئها الى امرأة لاتحمل شهادة طبية، وقلة حيلتي حينها اسباب وراء مشاركتي في اسقاط عصفور من عش أمه".
في شتاء 1993، أجرت فاتن اتصالا بمساعد مدير المشفى الذي تعمل فيه انجيلا وآخر مع الدكتور التي تعمل في عيادته الممرضة الأميركية زعمت من خلاله المرأة السعودية انها ستقيم وجبة غداء احتفالا بتخرج شقيقها القادم من الخارج مع زوجته الأميركية، كان وجود أنجيلا وسطهم منطقياً، وافقت ادارة المشفى على اطلاق سراح الممرضة لمدة يوم كامل، قطف سائق فاتن أنجيلا، تتذكر بنفسها: "فور ركوبي للسيارة شعرت بحرارة تنتشر في أنحاء جسدي وتخيلت ان الشمس تجلس في المقعد الأمامي من فرط العرق الذي ينهمر من جبيني واطرافي رغم أن هواء شتاء جدة المعتدل يلسعني ويحرك سترتي برفق".
توجه السائق الى منزل فاتن بسرعة، صعدت الى السيارة بحماسة، توجهوا ثلاثتهم إلى منزل عائم على سطح حي يكتظ بوجوه غير فرحة، كانت المرأة الأفريقية تنتظرهم أمام باب منزلها الحزين الذي شهد العملية...
تبوح انجيلا: "منحتني فاتن يدها لأساعدها في الدخول، كانت مبللة، لاأعلم حينها هل بللها بسبب عرقي، ام بسببها؟ اكتشفتُ لاحقا السبب بعد أن خلعت فاتن عباءتها في الداخل، رأسها يبدو كأنه للتو خرج من البحر!".
رفضت فاتن أن تسلم نفسها ليد المرأة الأفريقية، تقول الممرضة الأميركية: "كانت فاتن خائفة بسبب خشونة يد المرأة وعروقها البارزة".
قامت انجيلا بدور المرأة الأفريقية التي اكتفت بالتوجيه والمتابعة، تبكي الأميركية: "قتلت الجنين بيدي، كانت فاتن تصرخ، وكانت المرأة الأخرى تتابع توجيهاتها، والجنين يوبخني في رأسي".
بعد العملية نام جسد فاتن من التعب الا عينيها بقيت مفتوحتان، تسترجع الممرضة تلك اللحظات: "كانت تراقبنا ونحن نطهر جروحها، بعد 4 ساعات حملناها الى سيارتها!".
تزوجت فاتن وأنجبت 5 أطفال من خطيبها السابق لكن أنجيلا مازالت تتخبط حافية في أحلامها، تقول لي: "هل جربت أن تدخل جهنم بدون حذاء؟ يوميا تكويني بنارها في حلمي، استيقط مفزوعة، أتحسس أقدامي، وأعض في بقية اليوم اصابعي التي كرهتها!".
الاجهاض بحبر سعودي
تصف فنيا الروائية السعودية ليلى الجُهني في روايتها "الفردوس اليباب" التي صدرت عام1998 عن منشورات دار الجمل احدى عمليات الاجهاض: " آه. أعض على شفتي.تتناول المرأة الأنبوب الصغير وتدخله أيضاً.ألا ما أكثر الأشياء التي دخلت! أغمض عيني ولا أتذكر شيئاً!".
ونشرت جريدة "الوطن" السعودية التي تصدر من ابها (جنوب السعودية) خبراً في 17/3/2005 يقول مطلعه: "داهمت المباحث الجنائية بالعاصمة المقدسة منزلا بشارع المنصور في مكة المكرمة بعد ورود بلاغات بقيام وافدين إفريقيين بممارسة عمليات الشعوذة وإجهاض النساء في المنزل. وعثر أفراد المباحث الجنائية داخل المنزل على أدوات طبية تستخدم في عمليات الإجهاض".
عالميا، برزت الكاتبة الأميركية هارت سمرز التي خاضت تجربة الحديث عن الاجهاض بتوسع وحرفية في روايتها "أهلا بك" التي حققت نجاحا لافتا...
رأي الإسلام
الإجهاض الطبي لأسباب تتعلق بالجنين نفسه جائز إذا كان له مبرِّرٌ شرعيٌّ ، كأن يثبت للأطباء أنَّ الجنينَ مصابٌ بتشوُّهاتٍ خَلْقيَّةٍ واسعةٍ تؤدي في الغالب إلى موته ولو بعد فترة من ولادته وقد أصدر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً في دورته الثانية عشرة 1410هـ 1990م أباح فيه إجهاضَ الجنينِ المشوَّه تشويهاً شديداً ، واشترط أنْ يكون ذلك بقرار لجنةٍ من الأطباء المختصِّين وفق موقع اسلام اون لاين الإلكتروني ، وأن يجرى الإجهاض قبل مرور ( 120 يوماً ) محسوبة من لحظة التلقيح أي قبل نفخ الروح فيه .
وقد اشترطوا للإجهاض الطبي المشروع ثلاثة شروط هي :
* موافقة الزوجين : لأن للزوجين حقوقاً وواجبات تتعلق بالإجهاض ، ولأن الإذن الطبي أساسٌ في عقد الإجارة بين الطبيب والمريض
* عدم تعريض الحامل لخطر أشدّ : عملاً بقاعدة ( اتقاء أشد الضَرَرَيْن بارتكاب أخفِّهما ضَرَراً ) فإن كان خطرُ الحملِ أكبرَ من خطرِ الإجهاضِ جازَ الإجهاضُ .
* شهادة طبيبين عَدْلَيْن : يتفقان على ضرورة الإجهاض ، وأنه لا يترتب على الحامل خطر أشدّ من خطر الإجهاض .
ويشترط قبل الشروع بالإجهاض أخذُ ( الموافقة الخطية ) بإجراء الإجهاض من الحامل نفسها ومن زوجها أو وليّ أمرها ، فإذا رفضت الإجهاضَ وجب الامتثالُ لرغبتها ، وإثباتُ ذلك في ملفِّها الطبي ، وأخذ توقيعها وتوقيع زوجها أو وليِّ أمرها بالرفض بعد إعلامهم بخطورة الأمر.



.jpg)








التعليقات