وكالات : بعد عامين من تحطيم تمثال الرئيس العراقي السابق صدام حسين وسط بغداد في دلالة على سقوط نظامه، لا يزال معظم العراقيين يذكرونه كرئيس دولة بوليسية دمر البلاد وفتح جروحا لا تزال تنزف. وفي رد على سؤال حول صدام حسين، استشهد الرئيس العراقي الجديد جلال الطالباني ببيت من الشعر وقال "بئس الشماتة شيمة ولو انها -- اذا يغتني جرح تعفن بلسم".

الا ان الزعيم الكردستاني الذي قاتل صدام طوال حوالى 30 عاما، لم يفوت تلك الفرصة لوصف عدوه اللدود بانه "دكتاتور" و"فاشي ذبح شعبه". وبالنسبة الى الطالباني فان اسم صدام يرتبط بمجرزة قرية حلبجة شمال العراق التي قتل فيها حوالى خمسة الاف شخص في هجوم كيميائي عام 1988.

وقال بختيار امين، وزير حقوق الانسان الكردي في الحكومة العراقية المنتهية ولايتها ان "صدام تمادى كثيرا (...) فهو نازي وفاشي وستاليني بنكهة شرقية".
وفي شارع الرشيد وسط بغداد، بدت مظاهر النهاية المفاجئة لصدام في كل مكان.

ويقول احمد عبد الكريم (50 عاما) عالم الاثار الشيعي من بغداد ان "صدام معنا في كل يوم. ان ارثه باق هنا. انظر حولك".

وقد تركت موجة النهب التي انتشرت في انحاء العاصمة عقب سقوط صدام حسين مبنى المحكمة التاريخي ومكتبة دار الحكمة الاسطورية مجرد هياكل اسمنتية. وتحول المبنى الحكومي الذي كان جميلا والذي يعود تاريخه الى ايام الملكية العراقية المخلوعة الى "مكب نفايات" بعد تعرضه للقصف.

وقال عبد الواحد عواف (47 عاما) ان "العراق كان سجنا كبيرا كان صدام سجانه". وجلس عبد الواحد مع شقيقه عند مبنى البلدية القديم الذي يعود الى اوقاف المسلمين السنة.

وفي مجمع السراي القريب للتسوق، اعربت مجموعة من التجار الشيعة عن اسفهم للفراغ الامني في البلاد ولانتشار العنف والجرائم في العراق الا انهم ينعمون بالحريات التي حصلوا عليها بعد الاطاحة بصدام حسين.

وقال حسين خضير (29 عاما) "والدي كان يسكتنا عندما كنا ننطق باسم صدام داخل البيت ويقول ان للجدران اذانا". ووصف خضير اجباره على الالتحاق بحزب البعث الحاكم لضمان مقعد له في جامعة بغداد التي درس فيها اللغة الروسية. ويذكر خضير الحظر الذي كان مفروضا على بعض الكتب والهواتف النقالة والاطباق اللاقطة كما وصف كيف كان رجال الاستخبارات يراقبون كل تجمع او رحلة طلابية.

ويقاطعه جاره ابو محمد (40 عاما) بالقول "الان يمكننا ان ننتقد اي سياسي بشكل علني. وهذا شيء جميل".

الا ان الصورة تختلف تماما من شارع الرشيد حتى شارع الاعظمية القديم الى الشمال. ويبدأ فارس الجبوري (50 عاما) بالبكاء حين يذكر كيف تسلق جندي اميركي على تمثال صدام وسط بغداد وبدأ يثبت علما اميركيا حوله قبل ان يتم ربط التمثال بحبل ثبت على عربة اميركية مدرعة ليتم اسقاطه.

ويوجه سامر الدوري (35 عاما) الكلام له بالقول "اصمت، لا تفتح جراحي". ويجلس الرجلان بين اصدقائهم على مقاعد خشبية متهالكة في مقهى شعبي في هذه المنطقة التي تسكنها غالبية من السنة على طول نهر دجلة. ويقول هؤلاء ان صدام كان زعيما عظيما الا انهم يشككون في حكمته في اتخاذ قرارات مثل شن حرب على ايران او غزو الكويت.

وقال ابو بلال (40 عاما) "نعم لقد كان لصدام نزعة دكتاتورية، الا اننا نفضل الاف صدام ولا جندي اميركي واحد على ارض العراق الطاهرة". واضاف في تبرير للقمع الذي مارسه صدام ضد الاكراد والشيعة "ارني زعيما عربيا واحدا لم يستخدم القوة لحماية حكمه".

ويستذكر هؤلاء باعتزاز كيف كانت الاعظمية اخر منطقة قاومت الاميركيين بعد التاسع من نيسان(ابريل) ويشيرون الى باب شوهته الطلقات النارية.

وفي حي الجامعة الذي تسكنه الطبقة المتوسطة الميسورة غرب المدينة، يقول مثنى الدليمي (35 عاما) السني الذي تنحدر عائلته من منطقة الانبار المضطربة والتي كان افرادها يحتلون مناصب بارزة في نظام صدام، انه مسرور جدا للاطاحة بصدام. ويقول "لقد زغردت والدتي" عندما اطيح بصدام. "لقد رأينا مدى ضعف النظام من الداخل. والدي ووالدتي صدما مما حدث بعد فترة صدام، ولكن انا لا يزال لدي امل".

ضد الاحتلال
وهاجم الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر اليوم قوات الاحتلال ودعاها الى الخروج من العراق، داعيا الله الى "قطع رقاب" المحتلين "كما يقطعون رقاب المؤمنين" وذلك خلال مظاهرة في بغداد ضد تواجد القوات الاجنبية في العراق شارك فيها الالاف لتكون الاضخم منذ سقوط نظام صدام حسين قبل سنتين.
وقال مقتدى الصدر في خطبة تلاها باسمه الشيخ ناصر الساعدي امام حشد غفير "اللهم اقطع رقابهم كما يقطعون رقاب المؤمنين والمؤمنات والعراقيين والعراقيات اللهم واذقهم نار جهنم (..) اللهم وافرج عن المعتقلين والمعتقلات".

واستجابة لدعوة مقتدى الصدر، تجمع عشرات الآلاف من العراقيين من كافة انحاء البلاد اليوم السبت في ساحة الفردوس التي شهدت الاطاحة بتمثال صدام حسين قبل عامين بمساعدة القوات الاميركية.

ومع تدفق الحشود على الساحة التي مثلت حالة من الفرح بسبب سقوط نظام صدام حسين في ربيع 2003، هاجم الصدر القوات الاميركية في اكبر مظاهرة يشهدها العراق منذ الغزو.

واغلقت سيارات الشرطة الطرق الرئيسة في وسط بغداد كما اغلقت جسرين رئيسين على نهر دجلة وقسمت العاصمة الى قسمين في الوقت الذي سار الالاف في الشوارع وهم يهتفون "لا للولايات المتحدة، لا لاميركا، لا للاحتلال".

وسار الرجال يحملون صورا مجسمة لكل من صدام والرئيس الاميركي جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير رسمت عليها اجنحة دموية وكتبت عبارة "ارهابي دولي".
وفي اشارة الى نداء الائمة السنة والشيعة الى المشاركة في هذه المظاهرة قال الصدر "اعلموا بانكم بوقفتكم هذه اثبتم للعالم اجمع بان الشعب العراقي رافض للاحتلال ورافض لكل الدكتاتوريات واحدة تلو الاخرى لا يفرق بين واحدة منها مهما اختلفت العناوين".

واضاف "لا امن ولا امان الا بخروج المحتل فليخرج المحتل من بلدي وليمن الله علينا بالامن والامان" مؤكدا "اناشدكم برفع صوتكم عاليا منادين برفع الاحتلال عن بلدكم المقدس فانه لم ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا".

وفي انتقاد مبطن لرئيس الوزراء العراقي الشيعي المنتخب ابراهيم الجعفري ونائب الرئيس السني الشيخ غازي الياور الذي حذر من ان خروج القوات الاميركية من البلاد سيؤدي الى سفك الدماء، قال الصدر "هناك من يقول اذا خرج المحتل فستكون هناك حرب اهلية او ما شابه ذلك لكن لا والف لا فان الشعب العراقي مؤمن بوحدته وتكاتفه" مضيفا "هل يمكن ان يكون المحتل اكثر منا حرصا على بلدنا؟ فليخرج ونحن يد واحدة لبناء عراق المقدسات وعراق الخير".

كما انتقد الصدر الرئيس الاميركي جورج بوش وقال "ان من يسمى بالرئيس الاميركي يقول بات العالم اكثر امنا، اقول والكلام للسيد مقتدى الصدر، باتت اميركا اكثر امنا والعالم اكثر خطرا بسبب سياساتك وسياسات العدو الصهيوني". واضاف "فانتم تنزعون اسلحة المقاومة ولا تنزعون اسلحة اسرائيل النووية وانتم تحاربون الاسلام ولا تحاربون غيره وتدافعون عن السامية ولا تدافعون عن الاسلام".

وتوعد انصار الصدر بان تكون هذه المظاهرة الاولى في سلسلة من المظاهرات للضغط على الحكومة العراقية الجديدة لطلب سحب القوات الاميركية، الا انهم اكدوا ان الصدر لا يدعو الى استئناف القتال المسلح ضد القوات الاميركية.

ومن جهته قال معاون آخر للصدر هو الشيخ مؤيد الخزرجي "لقد نظمنا انفسنا الان لمواصلة هذه المظاهرات حتى نجبر الحكومة الجمعية الوطنية على اخذ مطالبنا محمل الجد وتنفيذها". واضاف "لقد تسلمنا اوامر مشددة من السيد مقتدى بعدم حمل اسلحة وعدم الرد حتى ولو اطلقت علينا قوات الاحتلال النار. وفي الوقت الحاضر فان موقنا سلمي".

وقرأ الخزرجي قائمة تضم سبعة مطالب للتيار الصدري اهمها الاسراع في محاكمة صدام حسين وخروج قوات الاحتلال وفق جدول زمني، واطلاق سراح جميع العراقيين، وعدم تهميش المقاومة والغاء دورها في العملية السياسية، وتعزيز الامن على الحدود، وجعل يوم الخميس والجمعة يومي عطلة بدلا من يومي الجمعة والسبت، لان يوم السبت هو يوم عطلة اليهود.

وقد اتشح العديد من المتظاهرين باللون الاسود، وهو الزي الذي يرتديه رجال ميليشيا الصدر، وجاء عدد منهم من النجف والناصرية والبصرة كما جاء الالاف على متن حافلات من الجنوب للمشاركة في المظاهرة. وخلال الاسبوعين الماضيين، دعا الصدر انصاره الى التجمع في ساحة الفردوس.

وقال علي حسين (30 عاما) من مدينة الصدر والذي ارتدى الملابس السوداء "لا نصدق وعودهم حول اعادة الاعمار. لقد جاءوا الى هنا لمصلحتهم. نحن نستنكر الاحتلال، ونطلب منهم ان يغادروا بلادنا".

وحملت المظاهرة بصمات مقتدى الصدر بوضوح، رغم ان هيئة علماء المسلمين السنية، التي نظمت مقاطعة الانتخابات التاريخية التي جرت في العراق في 30 كانون الثاني(يناير)، دعت انصارها كذلك الى المشاركة في المظاهرة.

وقال عدنان حمود (45 عاما) من مدينة سامراء المضطربة شمال بغداد ان "كل العراقيين متحدون ضد الاحتلال".

وسار عدد من المسيحيين حول الساحة وهم يحملون لافتة كتب عليها "ندعم دعوة السيد مقتدى للوحدة الوطنية". تظاهر حوالى مئة من طلاب الجامعة في الرمادي، غرب العاصمة، ضد الاحتلال الاميركي.

وقد ذاع صيت الصدر عقب فراغ السلطة بعد سقوط نظام صدام حسين قبل عامين. وشكل ميليشيا جيش المهدي المؤلف من الاف العناصر والقى خطبا قوية طالب فيها برحيل القوات الاميركية عن العراق.

وقبل عام قاد انتفاضة ضخمة في وسط وجنوب العراق ضد القوات الاميركية سيطر خلالها رجاله على مدينتي النجف وكربلاء قبل ان تستعيدهما القوات العراقية.

شارك في إعداد الملف:

اسامة مهدي (لندن) ،نصر المجالي (لندن)، نبيل شرف الدين (القاهرة) ،عبد الرحمن الماجدي (امستردام) ،محمد قاسم (بغداد)، اسامة العيسى(القدس) ،بهية مارديني (دمشق)، مراد عباس (الجزائر)، سمية درويش (غزة ) ،سارجون اسحاق (لندن).

إقرأ أيضًا

الراشد وعطوان يتصادمان حول العراق الجديد

لـ إيلاف.. كانت تجربة حرب فغطت وأعطت - 1_

مثقفون وسياسيون يروون لايلاف قصتهم مع 9 ابريل -2_

عراقيو الداخل والخارج عن السقوط وما بعده -3-

مانشرته ايلاف في التاسع من نيسان 2003

حرب العراق تحت المجهر اللبناني

العفيف الاخضر: إزاحة كابوس صدام تستحق حربا

د. شاكر النابلسي : العراق في العام الثاني بعد الميلاد

سلمان مصالحة: نيسان أجمل الشهور

سعد الله خليل:التاسع من نيسان جواز سفر جديد

مجدي خليل: العرب يقتلون العراقيين

دواود البصري: التاسع من نيسان ...(حرية العراق) وولادة العالم العربي الجديد!

أنور الحمايدة : سقوط تماثيل عربية أخرى

د. أحمد محمد صالح : متى تسقط بقية التماثيل؟!

عادل حزين : ذهول.. حسد..غيظ.. قلق.. أمل

خضير طاهر: خيبة أمل في المجتمع العراقي

حسين عبدالله نورالدين : في ذكرى 9 نيسان:هل كنا على ضلال؟