سوق الشورجة التاريخي
أسامة مهدي من لندن: دمر حريق اشتعل في اقدم واوسع الاسواق العراقية على الاطلاق هو سوق "الشورجة" التاريخي في بغداد المعروف بمحلاته ودكاكينه في حريق اتهمت السلطات العراقية قوى ارهابية بتدبيره حيث لم تستطع فرق الاطفاء المنهمكة منذ الليلة الماضية من اخماد نيرانه الا صباح اليوم في حادث هو الاسوا منذ احراق مقار وزارات ومؤسسات رسمية كبرى عند سقوط النظام السابق قبل عامين. فقد وجه ثائر النقيب الناطق الرسمي باسم رئيس الوزراء العراقي المستقيل اياد علاوي الاتهام لعناصر ارهابية لم يذكر تبعيتها بافتعال ماس كهربائي في السوق الشعبي الكبير الذي تسببت الحرائق التي التهمت العشرات من محلاته التجارية في خسائر قدرت بملايين عدة من الدولارات. وقال عراقيون تحدثت معهم "ايلاف" اليوم ان المواطنين واصحاب دكاكين السوق عملوا جنبا الى جنب مع رجال الاطفاء طوال ساعات الليل وصباح اليوم في محاولة مضنية لانقاذ مايمكن انقاذه لكن النيران كانت من السرعة والانتشار ان حدت من هذه الجهود بفعل انفجار قناني الغاز في بعض هذه الدكاكين التي تعيش من ريع التجارة فيها الالاف من الاسر العراقية. ويعد سوق الشورجة المركز التجاري المهم للعاصمة العراقية بغداد فهو أبرز وأهم مرافق بغداد التجارية الزاخر بالحركة والنشاط منذ الصباح الباكر وحتى المساء ومن اكثر الاسواق اتساعاً واكثرها استقطاباً للمتبضعين حيث تجذب محلاته الداخلين الى السوق بمعروضاتها المتنوعة التي تبهر الابصار و تأسر الالباب "لتندفع قدماك الى الامام دون ارادتك وكأنك تبحث عن شيء مفقود وعيناك لاتفارقان تلك السلع والبضائع والمواد التي تزدهي بها معروضات تلك المحال.. فيحير المرء الى اين ينظر، الى اليمين ام الى الشمال، وقد ينتابه شعور وهو يندفع الى الامام بانه سيجعل تركيزه على جانب معين ليمتع ناظريه من هذا الكم الزاخر من السلع والمواد التي تبارى اصحابها في عرضها ليوفر لنفسه رؤية الجانب الاخر من هذه المحلات في ايابه والا لظل حائراً متسمراً وسط السوق لايعرف الى اين ينظر.. هل يكتفي بالسير وسط هذا السوق الباهر ام يعرج الى تلك الازقة الضيقة المتفرعة من السوق ام يندفع وراء تلك الروائح المنبعثة من تلك المحلات التي تبيع الشاي والقهوة والتوابل بأنواعها وصابون ابو الهيل وغيرها، وفيها كل مايحتاجه البيت من مواد صغيرة وكبيرة" كا اضار تحقيق نشرته صحيفة الصبح البغدادية قبل اشهر.

فقد اصبح هذا السوق بجدارة المركز التجاري الذي يتبضع منه جميع تجار المحافظات الذين يقومون بتحميل شاحناتهم بمختلف السلع والبضائع والمواد الغذائية والمنزلية والبلاستيكية والافرشة والاواني والاثاث والكهربائية ليقوموا بدورهم في عرضها في محلاتهم وفي اسواق المحافظات التي تبقى تعتمد اعتماداً اساسياً على سوق الشورجة. لذلك اقيمت بجانب هذا السوق العديد بل الكثير من الصناعات التي تقوم بتجهيز محلات ومعارض هذه السوق الكبيرة بمختلف السلع والبضائع التي تعرض وتباع مباشرة بطريقتي الجملة والمفرد.

لم يبق سوق الشورجة مقتصراً فقط على بيع المواد المنزلية بل ازدهرت الى جانبه انشطة اقتصادية وتجارية اخرى اضافت الى هذا السوق اهمية تجارية اخرى مثل سوق السكائر وسوق المواد الكهربائية وسوق تبادل العملات الاجنبية والكثير من محلات بيع الالبسة وادوات النجارة والمنسوجات ومحلات بيع السجاد والمفروشات.

ومن الناحية التاريخية فان سوق الشورجة عرف ابان الاحتلال المغولي بأسم سوق العطارين بعد ان كان يعرف بسوق الرياحين، لأن اكثر ما كان يباع في هذا السوق يدخل في نطاق العطارة يوم كانت هذه الحرفة تعني تزويد البيوت بأواني الطعام ومستلزماته وببيع المواد الصيدلانية من الاعشاب.اما تسمية شورجة فهي تعود الى القرن الحادي عشر الهجري فقد اطلق على هذا السوق اي سوق العطارين اسم” شورجة “ ويعود ذلك الى قيام بعض الناس من اهالي بغداد بأنشاء حمام ذي بئر مالح فعرف الحمام”شورجاه “ وهي مشتقة من اللغة التركية او الفارسية وشورة تعني الملح وجاه او كاه تعني نسبة او مكان.

ومع مرور الزمن واشتهار الحمام اصبح اسمه يطلق على جواره بل على جانب من سوق العطارين نفسه ثم تداخلت التسميات وتعايشت حتى غلب اسم الشورجة على سوق العطارين. ويرى هذه التسمية كل من العلامة المرحوم الدكتور مصطفى جواد والشيخ جلال الحنفي ويؤيدهما الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف والدكتور حميد مجيد هدو.

واول اشارة الى سوق الشورجة جاءت في القرن الحادي عشر الهجري حينما سجل الرحالة التركي” اوليا جلبي “ اسماء بعض محلات بغداد فذكر من بينها سوق الشورجة وكان مجيء الرحالة الى بغداد مرتين في منتصف القرن الحادي عشر 1058 و 1063. وكان اصحاب المحلات والمهن في منطقة الشورجة امثلة رائعة للأمانة وحسن التعامل التجاري الصادق المنطوي على الالتزام بالتقاليد والاعراف التجارية ووجود الثقة المتبادلة بين التجار وزبائنهم وهذا ما يعكس تلك الروح البغدادية الاصيلة التي تتصف بالكرم والعفوية والبساطة والصدق في التعامل لذلك لم يكن هذا السوق في حينها مختصاً ببيع نوع معين من انواع السلع التجارية وانما كل انواع التجارة على اختلاف انواعها واشكالها فتجد هناك باعة سلعة من السلع يتجمعون في جهة معينة من هذا السوق وجماعة اخرى يتعاطون تجارة اخرى وهكذا.

فهناك مثلاً سوق العطارين وفيه باعة السكر بأنواعه المكعبات والبلوري والملون والقند والشاي والقهوة والى جانبه سوق صغير لبيع الصابون وهناك باعة القرطاسية وباعة القماجي للاركيلة وباعة الخيوط والازرار والبكر والابر وباعة التوابل كالكمون والكزبرة والهيل والقرنفل والدارسين والنومي بصرة وهناك باعة البلور والخزف والفافون والفوانيس واللالات وباعة السبح والخرز ودربونة المعاضد وتباع فيها المعاضد الزجاجية والاقداح وزجاج اللالات وادوات الزينة النسائية كالديرم والكحل والخطاط والامشاط الخشبية والليف وباعة الفواكه المجففة كالزبيب والكشمش والفستق بأنواعه والجوز واللوز والبقوليات وباعة الشموع وباعة التنانير والكوازين كالقلل والحباب والاباريق وباعة اللبن والجبن.

ويقع السوق حالياً بإمتداده الافقي على ثلاثة شوارع هي شارع الرشيد وشارع الجمهورية وشارع الكفاح .. اما عمودياً فهو يمتد من بداية ساحة الوثبة وحتى ساحة الامين المحاذية لساحة الرصافي من جهة شارع الرشيد وتتكون داخل هذا السوق الكبير عدة اسواق صغيرة منها ما هو مختص بنوع محدد من البضائع ومنها ما يتوفر على انواع مختلفة من البضائع والسلع، ومن تلك الاسواق مثلاً، سوق الزجاجيات وسوق الصابون وسوق العطارين وسوق الملح، ومن الجهة المقابلة الممتدة الى شارع الكفاح يقع سوق التمن وسوق الدهانة.

ويذكر عبد فاضل وهو احد العطارين المعروفين في سوق الشورجة ان اسم الشورجة مشتق من كلمة فارسية متكونة من مقطعين وهي (شور) وتعني المالح وكلمة (جا) وتعني (البئر) وان هذا المكان حسب ما يقول السيد عبد الله، كان مخصصاً لبيع الملح غير ان هناك رأي آخر يقول ان السوق تكون بالاساس من بعض الباعة الذين يبيعون الحلويات والمأكولات لزوار مرقد الشيخ (ابو القاسم بن روح النوبختي) المتوفى سنة 306 للهجرة الذي يقع قبره في السوق وشيد عليه جامع كبير سنة 1960 وتقابله على امتداد شارع الجمهوري كنيسة مريم العذراء التي انشأت سنة 1668 وهي للأقباط الارثوذكس.

ورغم تضارب الآراء حول تاريخ نشأة سوق الشورجة الا ان غالبية التجار الذين يعملون فيه اتفقوا على انه اصبح سوقاً بالمعنى المتعارف عليه في الاربعينيات من القرن الماضي كما قالت صحيف المدى البغداية وكان معظم تجاره الرئيسين من يهود العراق، وكان مقتصراً على تجارة بعض البضائع وليس كما هو عليه الآن، ويقول السيد محمد ان اقدم محل تجارة في سوق الشورجة يعود للعطار هاشم العلوي وبعده جاء الحاج محمد كاظم حمندي والسيد هاشم الموسوي الذي يعد اول من عمل في تجارة الزجاجيات والاواني المنزلية حيث يعود تاريخ عمله الى عام 1942 وكان الممول الوحيد في العراق لتلك البضائع آنذاك وما زال ولده السيد محمد هاشم الموسوي يعمل في نفس التجارة حيث يقول ان الزجاجيات والاواني المنزلية تعد من البضائع المهمة للعائلة العراقية "ولذلك فنحن حريصون على جلب افضل الانواع واقلها ثمناً، فنحن نذهب الى البلدان البارعة في صناعة الزجاجيات ومنها الهند والفلبين والصين وكوريا الجنوبية واندنوسيا وغيرها وهي البلدان التي كان والدنا المرحوم السيد هاشم يستورد منها والتي لم نجد افضل منها لحد الآن".

ويقول محمد كريم وهو يعمل عطاراً ان اقدم الاماكن في هذا السوق هو (خان الاغا الصغير) و (خان الدجاج) و(سوق الصابون) الذي كان سوقاً كبيراً ولا يباع فيه سوى الصابون فقط وكانت تصله البضاعة من شتى انحاء العالم، اما الآن فقد زحفت عليه بضائع مختلفة كما انتقل بعض تجار الصابون الى مناطق مختلفة من منطقة الشورجة، كذلك سوق العطارين وكان اغلب تجاره يعملون بالاعشاب والتوابل، وسوق التمن الذي كان ممتداً من الجهة المقابلة لمدخل سوق الشورجة القديم الى شارع الكفاح قبل ان يقتطعه افتتاح شارع الجمهوري وكان ذلك السوق متخصصاً بتجارة الحبوب ولكن الرز (التمن) كان له الحضور الغالب لدى التجار ولذلك اشتقت التسمية (سوق التمن) اما الآن فقد تنوعت التجارة فيه وصار القسم الاكبر منه متخصص في تجارة السكائر، ولا سيما الجزء القريب من شارع الكفاح وقد اطلق عليه حديثاً اسم (سوق السكائر).

ومنذ ان انهارت الخدمات العامة في العراق بعد الحرب الاخيرة الت اطاحت بنظام صدام حسين فان سوق الشورجة واجه معضلة انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في النهار الامر الذي اثر سلبا على استخدام بعض الاجهزة لاعداد عدد من منتجاته اضافة الىفقدانه لرونقه وبريقه الذي كانت تساعد على جلب المشترين لجماليتها ضافة لى صعوبات العمل والتسوق ايام الصيف التي تتجاوز فيها درجات الحرارة الخمسين ببضع درجات احرى .. وهاهي الكهرباء تلتهم نيران مس اسلاكها حين تعود .. هذا السوق اللصيق لقلب كل عراقي الذي يعتبره معلما من معالم العراق التجارية والتراثية والتاريخية.