عبد الله الثاني ينتصر لموقف صحافة العراق
الأردن إلى بتر أوصال صدام في الإعلام

نصر المجالي من لندن: لم تكد تمر 24 ساعة على لقاء العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لقيادات الإعلام العراقي أول من أمس حيث استمع منهم إلى شكاوى مريرة حول ما يقوم به بعض من زملائهم في الإعلام الأردني الرسمي والخاص من مواقف ضد العراق الجديد وارتباطات هؤلاء البعض بنظام صدام حسين المنهار، فإن الملك الأردني بادر فورًا وفي شكل عملي إلى استدعاء قيادات الإعلام في بلاده وخاصة قيادات الصحف، موجها إليهم إنذارا أخيرًا تحت طائلة الرقابة والمسؤولية بضرورة نفض مؤسساتهم من الداخل خاصة على واجهة التعاطي مع الحدث العراقي.

ولمرات عديدة في السابق كانت آخرها تصريحات له على هامش زيارته الشهر الماضي للولايات المتحدة، فإن الملك عبد الله الثاني وجه انتقادات قاسية لصحافة بلاده حيث يتهمها بأنها تعيش حبيسة الماضي سياسيًا ومهنيًا.

وفي الأردن أربع صحف يومية هي الرأي والدستور والعرب اليوم والغد الأحدث صدورًا التي كانت فجرت قبل شهر قصة (العرس الاستشهادي) الذي أغاظ الأوساط العراقية السياسية والشعبية والدينية، حيث نشرت الصحيفة تقريرا لمراسلها عن احتفال أقيم في مدينة السلط إحياء "لمقتل رائد منصور البنا في عملية انتحارية في مدينة الحلة العراقية في فبراير الماضي راح ضحيتها حوالي 350 عراقيًا بين قتيل وجريح" ، وهناك جريدة خامسة تصدر باللغة الإنجليزية هي جوردان تايمز إضافة إلى عدد كبير من الأسبوعيات التي غالبًا ما تخرج عن المهنية الراقية والخلق السياسي الملتزم "وهي أحرجت إلى جانب بعض تقارير وكتابات الصحف اليومية الحكم الهاشمي كثيرًا مع دول الجوار".

ويؤخذ على بعض الكتاب والصحافيين الأردنيين موقفهم الدائم والمؤيد لرئيس النظام العراقي السابق صدام حسين منذ ثمانينات القرن الماضي مرورا بغزو الكويت حتى انهياره في الحرب الأخيرة التي أسقطته"، كما أن اتهامات وجهت إلى الصحافة الأردنية بأنها مخترقة من عناصر المخابرات العراقية السابقة، هذا فضلا عن رشاو مالية كبيرة وهدايا مالية وعينية قدمها النظام السابق.

وقال مصدر قريب من القصر الملكي في عمان إن مبادرة الملك عبد الله الثاني لاستدعاء قيادات أعلام بلاده ممثلة برؤساء تحرير الصحف اليومية إلى جانب مدير عام وكالة الأنباء الأردنية الرسمية لمواجهتهم بالشكاوى المريرة التي كان سمعها أول من أمس من القيادات العراقية النظيرة، ولم يتواجد أي من الصحافيين الأردنيين خلال ذلك اللقاء حرصًا من الملك على الاستماع لوجهات نظر الضيوف العراقيين وحدهم ، وهي وجهات نارية، كان الصحافيون العراقيون فجروها في وجوه الإعلاميين الأردنيين في لقائهم الأول على هامش الملتقى الإعلامي الذي جمع الطرفين لأول مرة في البحر الميت.

وفي حديثة الأقسى لقيادات الصحافة الأردنية الملك عبد الله الثاني طرح على الطاولة ولأول مرة بشكل مباشر وتفصيلي موقفه مما تمارسه الصحافة الأردنية التي تغيّب نفسها عن الواقع الأردني ومواقف المملكة السياسية المعروفة من مختلف التطورات وكذلك العلاقات مع الجوار العربي، إذ فيما يتعلق بالوضع في العراق شدد على أهمية دور الاعلام في توضيح الصورة الحقيقية للمواطنين عن الوضع الجديد في العراق، مشيرًا الى ان الشعب العراقي يتطلع الى المستقبل ولا يرغب بالعودة الى الماضي.

وقال الملك إن هناك بعض الأقلام الاردنية "ما زالت اسيرة للماضي وان على الجميع احترام ارادة الشعب العراقي الذي عبر عما يريده لمستقبل بلده من خلال توجه ثمانية ملايين عراقي لصناديق الاقتراع وانتخاب ممثليهم في الجمعية الوطنية العراقية"، وحمل الصحافة الأردنية "جزءا من مسؤولية ما اعترى العلاقة بين الاردن والعراق من سوء فهم يقع على الصحافة لافتا الى ان بعض الصحافيين لا يروق لهم ان تكون علاقتنا بالعراق قوية ومتينة".

وفي كلام حاسم، أضاف الملك عبد الله الثاني ان الخطاب الاعلامي الاردني يجب ان يتعاطى مع المتغيرات والتحولات في العراق، مشددًا على ضرورة ان تراعي وسائل الاعلام الاردنية مصالح الاردن وعلاقاته باشقائه العرب، وقال "لقد وجهنا الحكومة لدعم حرية الصحافة وحرية الصحافي في الوصول الى المعلومة اضافة الى وضع تشريع يمنع حبس الصحافي"، وفي الأخير بين أن التركيز على المهنية وتدريب الاعلاميين الاردنيين هو الذي يسهم في الارتقاء بمستوى الاداء وتلافي الاخطاء وتطوير الخطاب الاعلامي على النحو الذي ينسجم مع تطلعات شعبنا نحو مستقبل افضل.


وخرجت الصحف الأردنية اليوم بافتتاحيات تشير إلى انقلاب في توجهاتها السياسية والإعلامية وخاصة نحو العراق، حيث أكدت على طبيعة العلاقات التاريخية والديمغرافية وحسن الجوار التي تميزت بها علاقات عمان وبغداد، لافتة الى ان العمق الاستراتيجي الذي يشكله الاردن والعراق لبعضها البعض اضافة الى ما تؤشر عليه عوامل معروفة كاللغة والجغرافيا والتاريخ ستتكفل الان وفي المستقبل كما كانت في الماضي الى تكامل وعلاقات متميزة بل وخاصة بين البلدين والشعبين..

وقالت صحيفة (الرأي) القريبة من الحكم إن "قناعات الاردن ملكًا وحكومة وشعبًا، الثابتة والمتفائلة ازاء ما ينتظر العراق وشعبه من مستقبل زاهر ومن قدرة على تجاوز محنته العابرة الراهنة نابعة من قراءة عميقة وواقعية ودقيقة لما يشكله العراق الوطن والشعب تاريخيا وما لعبه عبر التاريخ من ادوار اتسمت بالحكمة والصلابة والخيال الخصب والابداع ما جعله منارة ومركزا للابداع والحضارة وهو اليوم اذ يؤسس - رغم المعاناة والصعوبات والعنف- لمرحلة نوعية جديدة مرتكزة على الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الانسان وسيادة القانون رافضا العنف والعنصرية والتفرقة ايا كانت عرقية او طائفية، انما يمهد لعراق مختلف وعراق ناهض يرفض الخضوع للارهاب ويذهب باتجاه تمكين شعبه من لعب دوره التاريخي المعروف".

وتطرقت الصحف إلى تصريحات رئيس الحكومة عدنان بدران وإشارات خلال لقائه مع القيادات الإعلامية العراقية عدم ديمومة الاحتلال وسيرورة الامور آجلاً ام عاجلاً باتجاه ان يتسلم الشعب العراقي اموره بنفسه، "لتعبر في جانب آخر عن ثقة الاردن بأن ما يحدث الآن من عمليات ارهابية ومحاولات تدخل خارجي من قبل اطراف وجهات ودول معروفة لن يكتب لها النجاح وستفشل وتتحطم على صخرة صمود العراقيين ووعيهم واصرارهم على اخراج بلدهم من محنته ليس فقط بأقل الخسائر بل وايضاً بما يؤسس لعراق جديد ليقوم على نبذ العنف ويعظم من ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر وهو الامر الذي يجب ان تسهم فيه وسائل الاعلام العراقية كافة".

وخلصت افتتاحيات الصحف إلى القول إن لقاءات قادة الإعلام العراقي مع القيادات السياسية الأردنية "أزال الغموض وبعض القضايا المفتعلة التي كانت فهمت خطأ من قبل البعض او جرى تضخيمها لاسباب كثيرة ما اسهم كثيراً في ان يخرج الزملاء بقناعات راسخة بأن الاردن وعلى رأسه الملك عبد الله الثاني هم مع العراقيين والى جانبهم تحت اي ظروف وان الذي يترجم على الارض هو المعيار وهو الحكم وليس الشائعات او ما يردده اعداء الشعب العراقي وهم بالتأكيد اعداء الاردن الذين لا يريدون لعلاقات البلدين ان تنمو وتتطور لخدمة مصالح البلدين والشعبين".