أسامة العيسة من أريحا: لا يدل منظر كنيس أريحا القديم، والهدوء الذي يلف المكان الذي يقع فيه، بأنه أثار إشكالات عديدة وانه مرشح للتسبب في أزمات جديدة في مدينة أريحا التي جرى اتفاق فلسطيني-إسرائيلي حولها في 17 آذار (مارس) الماضي،إذ يرى كثير من الفلسطينيين أن ما تحقق منه هو ما يتعلق بهذا الكنيس.

ويقع الكنيس بالقرب من تل السلطان، الذي يعتبر موقع الاستيطان الأول في واحة أريحا، القريبة من البحر الميت، ودلت الحفريات إلى بقايا استيطان بشري يعود إلى قبل 9 الاف عام.ولكن الكنيس يبدو الان، للوهلة الأولى، معزولا، لا يأبه به احد رغم ما يثار حول من ضجيج في صراع يختلط فيه الديني والسياسي، بشكل غير مسبوق.

ويقع بالقرب من الكنيس نقطة عسكرية للأمن الفلسطيني، بينما يجلس على باب الكنيس موظف من وزارة السياحة الفلسطينية يحصّل رسوما من الزائرين القلائل جدا الذين يبدون رغبة في زيارة هذا الكنيس، وهو في نفس الوقت حارسا عليه.

يقول الموظف الذي عاصر خلال السنوات الماضية أحداثا تتعلق بالكنيس بان متوسط الذين يزورون الكنيس شهريا لا يزيد عن ثلاثين شخصا معظمهم من السياح الأجانب، ومنذ اتفاق أريحا الأخير فان مجموعات من اليهود وصلت بحماية الأمن الفلسطيني، وبالتنسيق مع الإسرائيليين لإقامة الصلاة في هذا الكنيس.

ويشير إلى أن هذا يتم لأول مرة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول (سبتمبر) 2000، وانه يتوقع أن تتكثف زيارات اليهود إلى الموقع خلال الأسابيع المقبلة، معربا عن أمله أن يتم ذلك بهدوء، وان لا يحاول المصلين اليهود استغلال المكان لأغراض سياسية.

والكنيس عبارة عن غرفة مستطيلة ذات أرضية من الفسيفساء، عليها كتابات عبرية وآرامية، وتشبه الفسيفساء التي عثر عليها في قصر هشام عبد الملك الذي لا يبعد كثيرا عن الكنيس ويعتبر من أهم الآثار الأموية في بلاد الشام، وكانت سلطات الاحتلال نقلت تلك الفسيفساء وآثارًا أخرى وجدت في قصر هشام إلى متحف روكفلر بالقدس الشرقية بعد الاحتلال عام 1967.

ومن المرجح أن الكنيس يعود إلى العصر الأموي، ورغم تاريخيته بالنسبة لمدينة أريحا إلا أن وزارة السياحة الفلسطينية والمصادر الفلسطينية المختلفة تتجاهل وجوده، في نشراتها على الأغلب بسبب ارتباطه بالسياسة والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وطوال قرون حافظ الكنيس على وجوده، وهو يقع في أراض تملكها الان عائلة شهوان المقدسية، ولم يكن يأبه له احد، حتى عام 1967، عندما أعاد الإسرائيليون اكتشافه وبدا اليهود يتدفقون إليه، فتم إنشاء مرافق وحمامات فوق الغرفة الصغيرة.

وخلال المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية طرح الاسرائيليون مسألة كنيس أريحا وفوجئوا بجهل المفاوضين الفلسطينيين لوجوده، وتم الإشارة إليه في اتفاق اوسلو، واتفاق طابا اللحاق، من خلال ملحق على انه مكان يسمح للإسرائيليين زيارته تحت إشراف السلطة الفلسطينية.

وبعد اتفاق اوسلو وتسليم مدينتي أريحا وغزة، بدا يرتبط اسم الكنيس بإشكالات العلاقة بين السلطة وإسرائيل، مثلما حدث لمقامات مشابهة في بيت لحم حيث يوجد قبر راحيل وفي نابلس حيث يوجد قبر يوسف.

فبعد ان تسلمت السلطة مقاليد الأمور في مدينة أريحا الصغيرة، أو في المنطقة التي سميت منطقة (أ) ومن ضمنها الكنيس، فوجئ الفلسطينيون بنحو مائة من المستوطنين يحضرون إلى مكان الكنيس ويضعون منازلهم المتنقلة بجانبه للاستيطان في المكان الذي لا يبعد كثيرا عن وسط مدينة أريحا، ويرفعون الأعلام ويرسمون صورا كاريكاتورية لياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية الراحل.

واعتبرت خطوة المستوطنين بأنها تهدف إلى وضع (مسمار جحا) للتنصل من اتفاقها مع الفلسطينيين، ومما أكد ذلك بالنسبة للفلسطينيين تمنع قوات الاحتلال من إخراج المستوطنين لحساسية المكان وقدسيته بالنسبة لهم، كما كان يقول ضباط الارتباط الإسرائيليين لنظرائهم الفلسطينيين، خلال احتلال المستوطنين للمكان.

واستمرت أزمة المستوطنين فترة، حتى أدرك الجانب الإسرائيلي مدى ماستسببه حركتهم غير المحسوبة بالاستيطان وسط تجمع فلسطيني، فتم إخراجهم بعد أن تنبه الفلسطينيون والعالم إلى مكان اسمه كنيس أريحا يمكن أن يتسبب بإشكالات تفيض على الإقليم، بعد ان هدد تطبيق أول اتفاق جدي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأصبح موضوعا رئيسيا في وسائل الأعلام العالمية.

وفي تلك الفترة كان يتولى مسؤولية بلدية أريحا التي يقع الكنيس في حدودها الضابط الفلسطيني منذر أرشيد الذي بعد ان أدرك فشل المفاوضات مع الاسرائيليين لإخراج المستوطنين من المكان، اخذ قوة من رجاله وتوجه ليخرج المستوطنين من المكان.

وروي أرشيد ما حدث آنذاك في مقال نشره مؤخرا "في بداية الأمر تم تطويقنا من قبل قوات الجيش، ثم حضر الحاج إسماعيل جبر قائد الأمن الوطني الفلسطيني ومعه قائد إسرائيلي وطلب مني الحاج إنهاء الازمة وعدم استخدام القوة، إلا أنني بقيت على موقفي إلى النهاية، وقلت له لن اسمح لنفسي أن أكون مسؤولا وارى هذه المهزلة، وبالفعل بعد مدة قصيرة انسحب الجيش وذهل المستوطنون من الأمر وهبطت معنوياتهم وقام احدهم بنزع العلم ولفه بحجر ورماه باتجاهي بطريقة أزعجت زملاءه مما جعل بعضهم ينهالوا عليه ضربا، وكانت فرصة لنا بعد أن اشتبكوا مع بعضهم بان ندخل المكان وأجبرناهم على حمل أمتعتهم وركبوا سياراتهم وشاحناتهم ثم غادروا المكان".

وأضاف بان ما حدث اخذ "بعدا سياسيا في الكنيست، حيث صرخ بعض أعضائه حينها بإلغاء الاتفاق وقال احدهم فليحمل عرفات جرذانه وليرحل من هنا، ولم تحل المشكلة إلا بعد زيارة قام بها بعض أعضاء الكنيست من الحمائم بمهمة تقصي الحقائق وخرجوا ببيان أدانوا خلاله تصرف المستوطنين".

وفي بداية انتفاضة الأقصى، أقدم مسلحون فلسطينيون على إحراق الكنيس الذي رأى فلسطينيون بان ما حدث خطا.
وقال حارس الكنيس "كان إحراق الكنيس أمرا خطا ولكنه حدث في ظروف كان الدم الفلسطيني يسيل فيها في كل مكان، وكانت الصورة المنطبعة عن الكنيس لدى الذين أحرقوه بأنهم يريدون التخلص من مسمار جحا حتى لا يعود الإسرائيليون مرة أخرى إلى هنا".وأضاف "بالنسبة لنا لا توجد أية مشكلة بوجود هذا الكنيس ويمكن تطويره سياحيا والاستفادة من دخله المهم ان لا يستغل لأغراض سياسية".

ويشير إلى ان الزيارات اليهودية الأخيرة إليه، تتم بهدوء، ولكنه يحذر من طرف خفي ان لا يقتصر تطبيق اتفاق أريحا الأخير على بند زيارة الكنيس فقط مشيرا إلى انه في واقع الأمر لم يتغير شيء على السكان وان المطلوب هو السماح لهم بحرية الحركة والتنقل وإزالة الحواجز.وقال "بقاء الوضع كما هو أمر غير مقبول أبدا ويمكن ان يؤدي إلى الانفجار مجددا".

ولا يشعر الزائر إلى أريحا بتغيير كبير على ما كانت عليه قبل الاتفاق الأخير، ففي حين ان فترة الانتظار على الحاجز الإسرائيلي الرئيس في مدخل أريحا قلت، وان السيارات تدخل بعد معاينة بسيطة، إلا ان حاجزا آخر للسلطة الفلسطينية يبعد نحو مائة متر عن الحاجز الإسرائيلي يتولى مهمة التفتيش بينما الجنود على الحاجز الإسرائيلي يراقبون ذلك ليتأكدوا من تنفيذ الفلسطينيين لعملهم.

وتوحي الأبراج العسكرية الإسرائيلية والوجود الإسرائيلي المكثف وسيطرة الاحتلال على الأرض، بان ما يحتاجه الفلسطيني العادي أكثر من اتفاقات يراها مبهمة وتثير اهتمام وسائل الإعلام لكنه على ارض الواقع لا يتغير عليه شيء.