عادل درويش من لندن: حرب العراق التي غابت عن البرامج الحزبية كعامل مؤثر في الانتخابات البريطانية العامة حتى الآن، قفزت الى مقدمة الصراع الدعائي، بين الحكومة والمعارضة في مطلع الأسبوع قبل الأخير من الحملة الإنتخابية بتسريب معلومات حول نصيحة محامي الحكومة بشرعية الحرب قبيل وقوعها واتهامات من المعارضة والصحافة لرئيس الوزراء توني بلير باخفاء المعلومات عن البرلمان والشعب.

ارتفعت حدة لهجة الحوار بين، وزير الخارجية جاك سترو، وهو من اشد الموالين لرئيس الوزراء بلير، وبين الصحافي المخضرم جون همفريز، مقدم برنامج " اليوم" الصباحي في المحطة الرابعة من راديو البي بي سي، وهو اهم البرامج الإخبارية وأكثرها تأثيرا من حيث تحديد الأجندة الإخبارية اليومية، حول اتهامات المعارضة لبلير وحكومته باخفاء المعلومات وتضليل البرلمان، والرأي العام حول النصيحة القانونية التي قدمها النائب العام، اللورد غولدسميث، وهو ايضا محامي الحكومة، وحول شرعية العمل العسكري قبل وقوع الحرب بأسبوعين.

واستند همفريز الى المعلومات التي نشرتها امس صحيفة الميل اون صانداي، وهي من الصحف الموالية للمحافظين والمعارضة للعمال، استنادا الى وثائق تسربت اليها من مكتب اللورد سميث. واشارت الوثائق الى ان المدعي العام، بعث بمذكرة من 17 صفحة الى مكتب رئيس الوزراء في السابع من مارس 2003 تتضمن رأيه القانوني في العمل العسكري، واشتملت على ست نقاط تعتبر تحذيرا قانونيا من احتمال فقدان العمل العسكري ضد العراق للشرعية وفق القانونين الدولي والبريطاني. وكان رئيس الوزراء رفض، خلال العامين الماضيين، نشر فحوى المذكرة القانونية. وكرر بلير في أكثر من مناسبة ان رأي اللورد سميث، باعتباره محامي الحكومة، كان " التأييد التام لشرعية العمل العسكري بلا قيد او شرط " استنادا الى قرارمجلس الأمن 1441 المبنية على القرارات السابقة." لكن المعلومات الني نشرتها الميل اون صانداي، وتتضمن ستة شروط، تناقض جوهريا ولغويا وقانونيا مع تصريحات رئيس الوزراء بأن محامي الحكومة اشار بقانونية الحرب " دون قيد او شرط" .

وحاول وزير الخارجية سترو، الذي بدا صوته متوترا ومتضايقا من اسئلة همفريزي التي حاصرته، التهرب من الإجابة على السؤال بتجنب ذكر السابع من مارس، تاريخ مذكرة المدعي العام، والاستناد الى تاريخ 17 مارس 2003 وهو ادلاء المدعي العام برأيه امام مجلس اللوردات والذي اقتصر فيه على خرق صدام حسين لقرارات الأمم المتحدة جميعا، ولم يشر فيه الى فحوى المذكرة.

وكرر همفريز السؤال عدة مرات على سترو الذي تحجج بان رئيس الوزراء لم يقرأ كل صفحات المذكرة 17، مما وجده هفريز " صعب التخيل للغاية". وكيف يتجنب رئيس الحكومة قراءة مثل هذه الوثيقة الخطيرة عشية ارسال القوات لخوض حرب سقط عنها ضحايا بريطانيين ومدنيين عراقيين؟

واستمر سترو في التملص من الإجابة المباشرة والخوض في تاريخ مراوغة صدام حسين لمفتشي الأمم المتحدة حتى اتهمه مقدم البرنامج بتعمد اضاعة الوقت في سرد تاريخ يعرفه المستمعون جيدا، املا في ان ينتهي الوقت المحدد للفقرة دون ان تتاح فرصة الاجابة على السؤال الهام. والوقت المحدد للفقرة هو 11 دقيقة، تشمل تقريرا اخباريا عن خلفية الموضوع، ولقاء مع الشخص الذي يعقب على التقرير.


وقد نجح سترو في استهلاك وقت الفقرة في المراوغة واطالة جمل الاجابة بكلمات لامعنى جوهري لها مثل " في اعتقادي، وحسب رأي المتواضع، وحسب فهمي، اذا كان هذا ما تقصده من السؤال، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار بكذا وكذا، وضرورة تنبيه المستمعين الى كذا وكذا...." ثم يقاطعه همفريز طالبا منه الاجابة المباشرة بنعم ام لا، ويعود سترو ليقول " عزيزي جون، لن اتمكن من الإجابة اذا استمررت في مقاطعتي، وارجوك الا تقاطعني حسب ادب الحوار...." ، ثم يعود لتكرار ماقاله دون الاجابة المباشرة. ورغم ذلك، يشير المعلقون، فإن تناول البي بي سي للموضوع، في اهم البرامج الاخبارية، للقضية التي طرحتها الميل اون صانداي، وتعمد سترو المراوغة، قد وضع حرب العراق على الأجندة الانتخابية، وهو ماحاول بلير تجنبه طوال الوقت.

وفي اسئلة الصحافيين اليوم للوزراء، الذي يقتفون اثرهم في جولاتهم الانتخابية تكررت الأسئلة التي طرحها برنامج البي بي سي بشكل غير مريح لزعماء العمال.

اما أكثر الأسئلة احراجا لسترو فكان السؤال حول مناقضة رئيس الوزراء بلير لنفسه ، حول انتحار عالم البيولوجيا الدكتور دافيد كيللي اثناء نزاع البي بي سي مع مكتب رئيس الوزراء عندما اتهمم مراسل البي بي سي لشؤون الدفاع ، اندرو غليغان، المستشار الصحافي لبلير، السير كامبل، باعادة صياغة ملف تقارير المخابرات حول اسلحة الدمار الشامل العراقية، حيث ادعى بلير امام البرلمان ان صدام قادر على شن هجوم بيولوجي ضد بريطانيا في 45 دقيقة، وهو ما أنكره كيللي، حسب تقارير مراسلين في البي بي سي التقوا الرجل سرا اثناء حياته. وعندما تعمدت وزارة الدفاع تسريب اسم كيللي للصحافة، وتعرض العالم لضغوط لم يحتملها، قرر الانتحار وعثرت على جثته مقطوع شرايين اليد.

وكان بلير انكر امام لجنة تحقيق القاضي اللورد هاتون، انه اعطى تعليمات بالافصاح عن اسم الدكتور كيللي كمصدر لمعلومات البي بي سي، وصحيفة الديل ميل في مقال بقلم غيليغان. لكن بلير في لقاء مع مقدم برامج اخر، جيريمي باكسمان، المعروف باسلوبه ألاستفزازي، قال " لم يكن امامنا أي خيار سوى الافصاح عن اسم الدكتور كيللي كمصدر للمعلومات لأنه كان المصدر الوحيد للمعلومات."

وعندما نبه همفريز سترو الى مناقضة بلير لنفسه في الاجابتين، امام لجنة القاضي هاتون، وامام باكسمان، قال سترو" رئيس الوزراء استخدم ضمير المخاطب الفردي – انا – في اجابته للجنة هاتون، بينما استخدم ضمير الجماعة – نحن – في اجابته لباكسمان."

واثارت الاجابة سخرية همفريز، خاصة وانها بدت مثل درس في قواعد اللغة للمدارس الابتدائية، وعقب همفريز بالقول : " ظننا ان رئيس الوزراء عندما يستخدم ضمير الجمع فهو يتحدث باسم الحكومة التي هو رئيسها."

وقد اثار لقاء سترو في البي بسي سي وتهربه الواضح من الاجابة، ردود فعل سلبية، لايزال الوقت مبكرا لعكسها في نتائج استطلاعات الرأي التي تشير الى تقدم العمال على المحافظين بفارق اربعة نقاط بينما كانت تسعة نقاط في الأسبوع الماضي- مثلما كان الحال في انتخابات 2001.

ومن ناحية اخرى اتهم المعلق الاستراتيجي نيل باتريك، رئيس قسم استراتيجية الدفاع في وحدة ألأيكونومست للمعلومات، ومدير قسم الشرق الأوسط سابقا في معهد القوات المسلحة المشتركة، اتهم الأحزاب السياسة الكبرى الثلاثة – المحافظين، العمال والأحرار، بتعمد تجنب مناقشة الحرب في العراق، والتي سيكون اثرها محوريا، حسب رأيه، على السياستين الخارجية والدفاعية البريطانية في منطقة الخليج والشرق الأوسط الكبير.


وقال باتريك ان الصراع في العراق له بعد ايراني لايمكن تجنبه بسبب تأثير طهران على قسم كبير من العراقيين، الأمر الذي يجعل غزو ايران من قبل قوات اميركية، خيارا غير ممكن تحقيقه لما سيسببه من اضرار للمشروع الأميركي في العراق. ومن ثم، يضيف باتريك، فإن أي حكومة قادمة في بريطانيا، سواء عمال او محافظين، ستواجه خيارا صعبا في تأييد اميركا اذا قرر الرئيس جورج بوش توجيه ضربات جوية اجهاضية للمنشآت النووية ألأيرانية، خاصة اذا مافشلت واشنطن في اقناع مجلس الأمن باتخاذ قرار موحد ضد ايران لنزع سلاحها النووي. وفي رأي باتريك ان هذا السيناريو، ليس مسؤولية بلير في خداع البرلمان، وهو ما يجعل من مناقشة الوضع في العراق وبرامج الأحزاب تجاهه، ضرورة ملحة، لكن " للأسف لم يطرح احد مثل هذا السيناريو للنقاش."