حكومة جديدة مرحلة جديدة في لبنان
إكتمل الجلاء السوري فهل يبدأ "الانتداب"؟
إقرأ أيضًا: |
ألبير الخوري من بيروت
: حسناً، نجح الاتفاق الفرنسي - اللبناني، و"الأميركي ـ السوري ـ اللبناني" ضمناً، بإحراج وإخراج رئيس الحكومة اللبنانية السابق، عمر كرامي، من دوامة التكليف فالاستشارات فالتسويف فالتأجيل، وليعلن بعد خمسة وأربعين يوماً من الفراغ الحكومي، اعتذاره للمرة الثانية، بـ"عذر أقبح من ذنب" لم يعتده لبنانيو الاستقلال من عبد الحميد كرامي الاب ـ ولا الجيل الوسط مما عاشوا الحرب الاهلية الاخيرة من رشيد كرامي الشقيق.ثم الاتفاق المذكور وفق برنامج أعد بدقة وخفة بعيداً عن الاضواء بالنسبة للكثيرين، ليطرق بالدقة نفسها والخفة ذاتها دهاليز السياسة اللبنانية المعقدة، سواء الموالية والمعارضة، ويدخل بصيغة الأمر الواقع: نجيب ميقاتي رئيس الحكومة العتيدة بعد حوالي شهرين من الانتظار والترقب والتفجيرات والازمات الاقتصادية والتحولات السياسية، ما دفع الرئيس كرامي المستقيل والمعتذر لفضح قليل مما جرى في هذه الدوامة في اول تصريح له بعد الاعتذار بالقول "لقد ضربت من بيت أبي" مهدداً، بكشف كل الاسرار على طريقة "لمن يجرؤ فقط" قبل اجراء الانتخابات التشريعية، هذا اذا تمكنت الحكومة اللبنانية الجديدة من تمرير قطوع قانون الانتخاب ما بين موالاة تصر على المطالبة باعتماد "المحافظة مع النسبية" كما جاء في اتفاق الطائف، في حين تتشدد بعض المعارضة على التمسك بالقضاء دائرة انتخابية، وهو القانون الذي سبق ان قدمته الحكومة السابقة ولاقى تجاوباً من البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، وفريق وسطي ثالث يمثله رئيس التكتل الديمقراطي النائب وليد جنلاط، الذي شكّل وما زال "قوة المعارضة الضاربة"، باقتراح يعتمد توسيع المحافظات إلى تسع، يستمر موضع أخذ ورد بين جنبلاط ولقاء "عين التينة" برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري من جهة اولى، وبين جنلاط ولقاء "قرنة شهوان" من جهة ثانية. ما يوحي بأن المشاورات بين الاطراف كافة آخذة طريقها إلى استنباط حلول موقتة تمهيداً لإجراء انتخابات عادلة ونزيهة وشفافة وفي مواعيدها الدستورية من خلال لجنة برلمانية ـ حكومية وصفها رئيس لجنة الادارة والعدل النائب مخايل الضاهر بالبدعة، والخبير القانوني حسن الرفاعي بالهرطقة، ما حمل رئيس مجلس الوزراء إلى التأكيد على ان الاوضاع الاستثنائية فرضت اتخاذ مواقف استثنائية، و"اللجنة النيابية ـ الحكومية مهمتها معالجة نقاط الخلاف بين موالاة تطالب بالمحافظة والنسبية ومعارضة تطالب بالقضاء، حتى تتمكن الحكومة من اجراء الانتخابات في مواعيدها.
ويبدو أن مبادرة النائب وليد جنبلاط جاءت في موقعها الحقيقي، ذلك ان المعارضة، كما ذكرت مصادر سياسية مقربة، لم يعد يهمها شكل القانون الانتخابي، بقدر إصرارها على اجراء هذه الانتخابات في مواعيدها الدستورية، حتى لا تقع البلاد في ازمة تمديد جديدة وخطرة، كما حدث اثناء وبعد التمديد لرئيس الجمهورية العماد اميل لحود وتداعياته التي ادت إلى عملية اغتيال راح ضحيتها الرئيس رفيق الحريري والنائب باسل فليحان بعد محاولة اغتيال النائب مروان حمادة، ثم انفجار الشارع اللبناني والسياسي بين اصطفافين، مثلت السلطة المتحالفة مع دمشق الفريق الاول، والمعارضة المأخوذة بالقرار الدولي ـ الاميركي ـ الفرنسي ـ 1559 الفريق الثاني، الامر الذي وضع لبنان وحزب الله وسورية وانسحاباتها تحت مجهر الامم المتحدة التي عملت في زيادة ضغوطها من خلال لجنة تقضي الحقائق. ومن بعد إلى لجنة تحقيق دولية في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد تؤدي في حال نجاحها إلى فضح العديد من عمليات الاغتيال التي شهدتها الساحة اللبنانية اثناء الحرب وما بعد اتفاق الطائف.
وفي جميع الاحوال، يتأكد يوماً بعد يوم أن المعارضة ربحت اكثر من معركة في حرب سياسية لم تنته فصولها حتى اليوم، خصوصاً وأن انذار الادارة الاميركية الاخير لمواطنيها بعدم السفر إلى لبنان إلا لأسباب قاهرة طرح اكثر من سؤال في صفوف اللبنانيين الذين اختبروا وانكووا بالسياسة الاميركية اكثر من مرة، وقد حان لهم ان يدركوا ان غرفة العمليات المجهزة بأفضل الخبراء والدبلوماسيين في السفارة الاميركية في عوكر تعمل من منطلق خطة شرق اوسطية واسعة ومتمددة، لتجرف في طريقها المصالح اللبنانية والسورية مجتمعة، وبالتالي لتفصل بين المسارين حتى لا نقول المصيرين، طالما ان الاوضاع اللبنانية لم تستقر بعد وتحولات الصراع على الساحة الداخلية ينبئ بمفاجآت كثيرة وتحولات ليست بعيدة عن الإرادة الدولية، والاميركية تحديداً. وإن يكن الامر على هذه الخطورة، كيف للمواطن اللبناني ان يحلل ويفهم معنى الانذار الاميركي وأهدافه؟. لقد نفذت دمشق بنود القرار 1559 المرتبطة بها، وأصرت على قيام لجنة دولية بالتحقيق في إتمام انسحاباتها العسكرية والاستخبارياتة من عموم الأراضي اللبنانية، كما وان دمشق لم ترفض المبادرة السعودية ـ الفرنسية و"الاميركية ضمناً" بتكليف النائب نجيب ميقاتي المقرب من الرئيس السوري بشار الاسد رئيساً للحكومة اللبنانية بدلاً من حليفها القوي وزير الدفاع السابق عبد الرحيم مراد، ولا بد أن مثل هذا التفضيل شكّل ازمة سورية داخلية "تتأجج تحت الرماد"(!) كما أوضحت بعض المصادر.
ومثل دمشق، فإن بيروت اتخذت قرارها بعد تلكؤ طويل بالانصياع للقرار الدولي الجازم والضاغط، وبادرت من خلال وعود رئيس الحكومة الجديد نجيب ميقاتي إلى تنفيذ وعودها للمعارضة: التعامل إلى ابعد الحدود مع لجنة التحقيق الدولية، وضع القادة الامنيين بتصرف رئاسة الوزراء، اجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية وفق قانون يرضي جميع الاطراف، وإرجاء النظر في قضية سلاح حزب الله والمخيمات الفلسطينية، وبتفاهم جميع الاطراف السياسية إلى ما بعد الانتخابات التشريعية.
وما تحقق حتى اليوم على الصعيدين اللبناني والسوري يشكل التزام الادارتين بالادارة الاميركية. واذا كان رئيس الحكومة السابق عمر كرامي تحدث عن "قطبة مخفية" سوف يكشف عنها قريباً، فإن الخارجية الاميركية اعلنت ان الامر الاكثر اهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإلى شركائها في مجلس الامن الدولي وإلى دول المنطقة هو تحرك الحكومة اللبنانية الجديدة إلى الامام لاجراء انتخابات حرة ونزيهة وغير ملوثة بالتدخل الخارجي قبل نهاية آيار/ مايو المقبل. وهي إذ أعلنت عدم تدخلها بقضية الأجهزة الأمنية "المتروكة للحكومة اللبنانية" لكنها أفادت أن الإدارة الأميركية ستنظر إلى التطورات اللبنانية في ضوء التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس الحريري آملة أن يحظى التحقيق بالتعاون الكامل والدعم من الحكومة اللبنانية، وان يتوصل إلى معرفة كل من حرّض وخطّط ونفّذ...
وانطلاقاً من موقف الخارجية الاميركية، يمكن التأكيد ان الحكومتين اللبنانية والسورية نفذتا، أو هما قيد التنفيذ، كل بنود القرار الدولي 1559 وقانون الانتخابات الذي سوف يتم تداوله في المجلس التشريعي بعد نيل الحكومة الثقة، سوف يكون بعيداً عن "التلوث" السوري، كما جاء على لسان الناطق باسمها آدم إيرلي، ما يعني أن الامور تسير في الاتجاه الصحيح. لكن الخطة الاميركية الشرق اوسطية تتعدى الانتخابات التشريعية الحرة والنزيهة والانسحابات السورية إلى الداخلين اللبناني والسوري، وبالتالي ليس عبثاً إصرار واشنطن على فصل المسارين عن بعضهما البعض بما يمكنها من عزل سورية بالكامل عن فضائها العربي سياسياً واقتصادياً، وقد كان لبنان في خلال الثلاثين سنة الماضية، وخصوصاً بعد غزو العراق منفذها الوحيد إلى العالم الخارجي، توصلاً إلى اسقاط هذا النظام من داخله، وبذلك لا تكرر الادارة الاميركية تجربتها الخاسرة في العراق حيث ما زالت حتى اللحظة تدفع اثماناً باهظة بالرجال والعتاد.
فضلاً عن ذلك، تعتبر واشنطن ان النظام السوري هو الحليف الاقرب والاقوى لحزب الله و"حماس" و"الجهاد الاسلامي" الفلسطيني ولها في المخيمات الفلسطينية، أكان في سورية ولبنان حلفاء مسلحون يتحركون وفق املاءاتها، وبما يهدد بإفشال الخطة الاميركية من خلال عمليات استشهادية، تماماً كما يحصل في العراق وفلسطين المحتلة. وتداركاً لهذه العمليات، بدأت واشنطن حصارها لسورية، خطوة خطوة، بدءاً من قانون محاسبة سورية وصولاً إلى القرار 1559، الذي شكل اكبر عملية ضغط على دمشق ووفّر للمعارضة اللبنانية غطاء دولياً مكنها من فرض شروطها وتحقيق مطالبها، وفي مقدمها انسحاب القوات السورية بالكامل من الاراضي اللبنانية وإقالة أو استقالة القادة الأمنيين المتعاملين مع دمشق وتشكيل لجنة تحقيق دولية في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
لقد خرجت القوات السورية بالكامل من لبنان، وخرج القادة الامنيون من مواقع القرار، وباتت الانتخابات النيابية اللبنانية شبه محققة في موعدها على الرغم من بعض الاختلافات الداخلية بشأنها، وبذلك، بات حزب الله معزولاً إلى حد كبير عن حليفيه المعروفين دمشق وطهران، مقابل اصرار من جميع الافرقاء اللبنانيين، على اعتبار حزب الله وسلاحه قضية داخلية يمكن معالجتها بين اللبنانيين أنفسهم بعد إجراء الانتخابات وتشكيل حكومة وطنية.
هكذا تبدو الامور في ظاهرها، لكن المطلوب اميركياً اليوم وغداً، رأس حزب الله سياسياً وعسكرياً، وهذا ما تنبهت له قيادته من قيام الحزب وتمكنه من تحرير جنوب لبنان وطرد قوات الاحتلال الاسرائيلية. وبخروج دمشق وتمكن المعارضة من فرض "انقلابها" الابيض على السلطة اللبنانية، بات على حزب الله أن يتعامل، اقله سياسياً مع الأمر الواقع الجديد، وان يدخل بالتالي اللعبة السياسية اللبنانية من بواباتها الكبرى، مع إصراره على المقاومة حتى لو بقي وحده على الساحة كما أكد امينه العام السيد حسن نصر الله. مضيفاً في رسالته الاخيرة إلى فرنسا صديقة لبنان التي تربطنا بها وشائج متنوعة ثقافية وتاريخية ومصالح قيادية ونظرة متقاربة إلى العديد من المسائل الحضارية والشؤون السياسية الراهنة" ان الحزب ليس بإمكانه التخلي عن سلاحه تحت أي ضغط او تهديد لأن ذلك يضع اللبنانيين تحت رحمة النيران الاسرائيلية التي اذاقتهم المر طوال عقود ويفقدهم اي معنى بالحرية والاستقلال وحق التصرف في مستقبل بلدهم...".
عموماً لم تعد اللعبة الاميركية مخفية على احد: خروج سورية من لبنان وبالتالي محاصرتها وعزلها عن حزب الله بما يمكنها من فرض وصايتها كخطوة لا بدّ منها لاستكمال خطتها الاستراتيجية على طريق الشرق الاوسط الجديد.
















التعليقات