القدس: بوابة صلاح الدين في رفح؛ من هنا مرّ الفاتحون العظام، والغزاة، والقتلة، والأفاقون، والمغامرون…! من هنا الطريق إلى إفريقيا من آسيا، ومن إفريقيا إلى آسيا..! وكان على رفح، بسبب موقعها هذا دفع الثمن، في كل مرة، يكون فيها سلام أو حرب، وخلال العقود الأخيرة، دفعت ثمن الحرب في عام 1948 و 1956م وفي حزيران 1967م ودفعت ثمن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عندما تم تقسيمها، وأصبحت العائلة الواحدة، عائلتين يفصلهما شريط طويل من الأسلاك الشائكة، فالناس في رفح، عاشوا يتوالدون ويعيشون ويتزوجون وينجبون دون أن يكون في رؤوسهم تلك الحدود التي ترسمها الدول فيما بينها، لذلك عندما تم وضع الأسلاك الشائكة على الحدود وفق ما رسمها الانتداب البريطاني، تشرد الناس في رفح من جديد، وبقيت مخيمات للاجئين منهم على الجانب المصري، يعيش أطفالهم إلى الآن مأساة السلام، مثلما عانى آباؤهم من ويلات الحروب السابقة.
وكان عليها أيضا دفع ثمن (سلام) أوسلو، حيث قتل الجنود المرابطون على بوابة رفح أطفالا كانوا يقتربون اكثر من اللازم، وحرب انتفاضة الأقصى الأخيرة، حيث اصبح القتل بلا حدود. يوم (23/7/2001)، وبعد تسعة اشهر و25 يوما من بدء انتفاضة الأقصى كان جنود الاحتلال من أعلى أبراج المراقبة يقنصون الطفل رفعت صابر النحال (15) عاما وهو أمام منزله، برصاصة من رشاش عيار 500 اخترقت ظهره واستقرت في قلبه الصغير.
وانضم النحال إلى قائمة طويلة من الشهداء الذين سقطوا على طول الشريط الحدودي بين مصر وفلسطين، برصاص جنود الاحتلال، كان آخرهم قبل النحال، طفل آخر هو خليل المغربي (15) عاما.
سقط المغربي يوم 8/7/2001، قبل أسبوعين من استشهاد النحال، أصابته رصاصة في رأسه وتناثر دماغه على الأرض. كان المغربي وأصدقاؤه، يلعبون كرة القدم، عندما أطلقت النيران عليهم من تلك الأبراج الحديدية التي يعتليها القناصة المحترفون، أصيب المغربي ولم يكمل طريقه إلى المستشفى، استشهد قبل الوصول إليها. وأصيب مع المغربي: إبراهيم أبو صويص (10) سنوات وسليمان أبو رجال (12)، برصاصة خطيرة لكل منهما أصابتا بطنيهما.
كان على أولاد رفح أن يودعوا النحال مثلما ودعوا المغربي، بالحزن المكلوم، وبالغضب على كل شيء في عالم لا يريد أن يرى أو يسمع أو يفهمهم.
ومع سقوط النحال، بعد تسعة اشهر و25 يوما من بدء انتفاضة الأقصى، كان عدد الشهداء الذين سقطوا على تلك البوابة: خمسين..! ولم يدري رفعت النحال بان الشهداء في رفح سيتحولون بعده إلى مجرد أرقام، وان سقوط عشرة أو خمسين سيصبح أمرا اكثر من عادي في رفح. ووفقا لتقرير أصدره مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة قبل أيام فانه خلال شهر أيار الماضي، قتلت قوات الاحتلال 65 مواطنا 44 منهم قتلوا خلال الاجتياح الذي بدأ في 17/5 وتم هدم 576 منزلا وتجريف 688 دونما من الارض الزراعية وتدمير ممتلكات مختلفة للمواطنين.
وكثير من الذين قتلوا هم من الأطفال وبعضهم لم يسعفه الزمن ليعيش 15 عاما مثل رفعت النحال، مثل الطفلة روان أبو زيد ابنة الأوام الثلاثة التي جاءها عياران ناريان يوم 22/5 استقرا في رأسها عندما خرجت من دكان في حي البرازيل في مخيم رفح، بعد انسحاب قوات الاحتلال منه واعلانها رفع حظر التجول عنه. ولم يشفع لروان أن بيتر هانسن مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) كان في الحي يتفقد ما حدث به بعد انسحاب قوات الاحتلال منه خلال عملية (قوس قزح) التي لم تجلب للأطفال مثل روان سوى الموت.
كانت روان برفقة أختها هدى 8 سنوات، خرجتا من المنزل لشراء كيس من رقائق البطاطا المحمصة، بعد أن أخذتا مصروفهما من والدهما الذي هو بمثابة الأب والام التي ماتت بينما كانت روان رضيعة، وظهرت الفتاتان على منظار دبابة الميركفاة، ولا يعرف أحد الأفكار التي دارت في ذهن القناص المختبىء داخل الدبابة عندما وجه رشاشه الثقيل باتجاه جسد روان النحيل وضغط على الزناد، فسقطت على الأرض ولم تفلح أختها هدى وأطفال الحي من سحبها بسبب استمرار إطلاق النار.
ونقلت روان إلى مستشفى أبو يوسف النجار وكانت (افضل حالا) من الطفلين الشقيقين أسماء واحمد المغير اللذين قتلا خلال الأيام الأولى من عملية (قوس قزح) ووضعا في ثلاجة خضار حتى تنتهي العملية، لتقوم أمهما التي لم تستطع الوصول إليهما بوداعهما بعد انتهاء العملية، وعندما كانت روان تلفظ أنفاسها الأخيرة كانت أم الطفلين المغير تخرج من منزلها راكضة منفوشة الشعر باتجاه ثلاجة الخضار التي تحافظ على برودة جسدين صغيرين سيبتلان لاحقا بدموع الام الساخنة.يقول محمد أبو زيد والد روان بان ابنته وباقي الشهداء الأطفال في رفح قتلوا بدون أي مبرر وبدم بارد تماما مثلما حدث مع رفعت النحال الذي تلخص قصته وروان مأساة الأولاد في رفح الذي تتغير فيه كل الرموز وحيث يصبح قوس قزح الذي يفرح به الأولاد في كل العالم قوسًا للموت، والموت الذي لا ينتهي في المدينة التي تقع في آسيا وتجاور إفريقيا وترنو إلى أوروبا هناك خلف البحر، حيث تحمل النوارس حكايات أطفال رفح وتذروها الرياح قبل أن تحط على الشاطئ الآخر.




التعليقات