قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بيروت : علت في الاوانة الاخيرة اصوات تعبر عن مخاوفها من تفشي ظاهرة تجارة الاطفال في العالم ،وأدى إختفاء طفل في منطقة طرابلس شمال لبنان واختفاء آخر في ضاحية بيروت الجنويبة و ظهوره بعد اسبوع الى إعادة فتح هذا الملف في ظل سعي المعنيين في السلطات اللبنانية الى التأكيد على أن هذه الظاهرة العالمية بمفهومها " التجاري " يبقي لبنان بمنأى عنها لأسباب عدة.

أغمضت ريم عينها لتنام وهي مطمئنة أنّها بين أحضان أمّها، فاستيقظت من غفوتها المجنونة لترى نفسها في مكان مجهول ووسط أشخاص لم تعتد أصواتهم الغريبة ولم تر ملامحهم القاسية من قبل ... "هذا ما أتذكره"، تقول ريم، ابنة العشر سنوات، « كان ذلك في يوم ماطر من أيّام كانون الثاني، بحسب والدتي، عندما تركتني بعد أن غفوت، مع إحدى قريباتها، وذهبت لتشتري بعض الحاجيات... ولكنّها عادت ولم تجدني ... "نعم شيئاً لا يصدق، إنّها القريبة التي خطفتني وباعتني لأحد الأشخاص"، تقول ريم بعفوية جريئة، ولكنّ والدي « والبوليس » أنقذاني من هؤلاء الأشخاص بينما كانوا يحاولون تسفيري من لبنان إلى ألمانيا ."..

لا أحد يعلم، ماذا كان سيكون مصير ريم، لو لم يتمّ إنقاذها في اللحظات الأخيرة، بعدما أضحت « سلعة » دخلت وبطريقة غير إنسانيّة في سوق تجاريّة دوليّة وعالميّة.هل كانت ستباع إلى إحدى العائلات التي كانت تتمنى أن تُرزق بطفلة تتحلّى بمواصفات ريم ؟ هل كانت ستُباع إلى إحدى الوكالات العالميّة ويُتاجر بها تحت ستار « التبني » ؟ هل كانت ستُباع كغيرها من ملايين أطفال العالم لتعاطي مهن غير إنسانيّة أو تجنيدهم في الجيش للمساهمة في حروب خطيرة ومميتة ؟ هل كان يتم تهريبها للمتاجرة بأحد أعضائها الجسديّة، أو استعمالها لحاجات علميّة تجريبيّة ؟

قصة ريم، تعبّر عن مأساة أكثر من مليون طفل يباعون سنوياً مقابل عشرة مليارات دولار بحسب الأمم المتحدة لتصبح بذلك تجارة الأطفال ثالث أكبر مصدر للربح السريع لعصابات المافيا في العالم، بعد تجارة السلاح والمخدرات. وإذا كان هذا الرقم المخيف والمفزع يجبرنا على إلقاء الضوء على واقع هذه التجارة التي تزدهر يوماً بعد يوم وتزداد خطورتها مع ظهور شبكة الانترنت كوسيلة عالميّة لترويج « البضاعة » تحت ستار « التبني »، فإنّه من الواجب التوقّف عند حقيقة انتشار هذه الظاهرة.

ريما صالح، ممثلة اليونيسف في دول غرب إفريقيا، كانت أشارت في خلال مشاركتها في ندوة حول الطفولة الإفريقيّة، الى أنّه "لمن الأشياء التي ترعبني أن أتصوّر وجود أمهات في بعض مناطق العالم يقمن ببيع مجوهراتهن لتعليم أبنائهن، فيما تقوم أمهات هذه المنطقة ببيع أبنائهن لشراء بعض الممتلكات المادية"، هدا الوصف المأساوي عزته صالح كغيرها من الباحثين والمسؤولين الاجتماعيين إلى انعدام التعليم الأساسي.

وأعربت اليونيسف عن قلقها إزاء العدد المتزايد للأطفال الذين يتمّ الاتجار بهم في بلدان مثل بنين ومالي وتوجو حيث يبيع الوالدان أولادهم بمبلغ 15 دولاراً تقريباً للطفل الواحد. وغالباً ما يدخل في روع الأباء والأمهات أنّ الأطفال سيجدون عملاً في مزارع الكاكاو والبن في ساحل العاج، مما يتيح للابن والابنة كسب مال للإنفاق على التعليم والعودة إلى الوطن ذات يوم.

قوانين ومعاهدات دولية

ونظراً لسلوك عصابات المافيا طرقاً لا تزال خفية حتى الآن لتهريب الأطفال ونقلهم من دولة إلى أخرى، فإنّ مكافحة هذه التجارة والحدّ منها لا يزال صعباً على رغم وجود قوانين ومعاهدات دوليّة (معاهدة فيينا 1967) تحظّر ذلك وتمنع الاتجار بالرقيق وتعاقب على خطف الأطفال وتهريبهم بصورة غير شرعيّة إلى الخارج. وتؤكد بعض المعلومات المتوافرة أنّ حوالي 38% من الأطفال المستوردين إلى ألمانيا من شرق وجنوب شرق أوروبا وخاصة أطفال رومانيا تشكل الحصّة الأكبر من هذه التجارة، وقد ذكرت المنظمة الإنسانيّة الألمانيّة في تقريرها السنوي عام 1997 أنّ حالات التبني القانونيّة للأطفال الأجانب عبر المنظمات الإنسانيّة لا تشكّل سوى 25% من مجموع 1155 طفل أجنبي تمّ تبنيهم عام 1996، أما الجزء الأكبر من هؤلاء الأطفال تمّ تبنيهم عبر وسطاء مشبوهون يروجون تجارتهم غير المشروعة من خلال عمليات تزوير الوثائق.

ولفت تقرير الأمم المتحدة الى حقيقة مفادها أنّ أوروبا تمثّل سوقاً مهماً لهذه التجارة، وأنّ غرب إفريقيا وشرق أوروبا هما الموردان الرئيسيان وأنّ منطقة جنوب شرق آسيا تمثّل نحو ثلث التجارة المحليّة والدوليّة للنساء والأطفال وتأكيداً فإن الشرطة الصينية إعتقلت في الشهر الحالي 59 عضواً في عصابة قامت بالاتجار بـ 76 رضيعاً في منغوليا الداخلية و أن معظم آباء هؤلاء الرضع وامهاتهم هم من العمال المهاجرين او النساء غير المتزوجات او من طلاب الجامعات في منغولياعلماً ان الامم المتحدة ذكرت ان نحو 250 الف امراة وطفل كانوا ضحايا الاتجار بالبشر في الصين العام الماضي .

اللافت أنّ الطلب على البضاعة الأوروبيّة، الشرقيّة بالتحديد، يبدو الأكثر رواجاً حيث أنّها لا تحتاج إلى شهادة البلد المنشأ ويسهل شحنها وتصديرها داخل بلدان القارة الأوروبيّة حيث تشكّل الفروق المعيشيّة عاملاً مشجعاً لازدهار هذه التجارة. ومن المؤكد أنّ الجهل والفقر والنزاعات المسلّحة يشكلون الأسباب الرئيسيّة.

الانترنت : تجارة سريعة ومفتوحة

يقول آدم برتمان مؤلف كتاب أمة "التبني"، والمدير التنفيذي لمعهد ايفان بي دونالدسون للتبني، أنّ الانترنت غيّرت من جوهر التبني وذلك بزيادة سرعة العمليّة وبتوفير أدوات تربويّة وموارد دعم رائعة، ولكني أقول للناس أنّ عليهم الاحتراس، فثمّة طرق لجني المال عن طريق التبني غير المشروع. وتنامت ظاهرة التبني عبر الانترنت بسبب تزايد عدد الراغبين في التبني وقلّة الأطفال في بلدانهم الأصليّة، إضافةً إلى طول وتعقيد الإجراءات، مما يضطر بعض الأزواج إلى اللجوء إلى الشبكة العنكبوتية ليجدوا أنفسهم تائهين في سوق شرسة محفوفة بالمخاطر، بحيث يحتدم التنافس مثلاً على طفل معروض للبتني الدولي من قبل ثلاث أو أربع عائلات من أماكن مختلفة في العالم، أو يتمّ بيع الطفل إلى أكثر من عائلة.

ومن أجل الحدّ من هذه الظاهرة، أعلنت الحكومة البريطانيّة أنّها تنوي إغلاق المواقع الالكترونيّة الوطنيّة التي تقترح التبني عبر الانترنت بطريقة غير مشروعة. وفي أميركا ولعدم الوقوع في أيدي عصابات « الاتجار » اوعزت السلطات على الزوجين الساعيين للتبني البحث في موقع دليل التبني القومي الأميركي الذي تموله وزارة الصحة والذي يضمّ قوائم بالوكالات المرخص لها بممارسة العمل من جانب السلطات الأميركيّة وفق إجراءات وشروط معيّنة.

والجدير ذكره أنّه يوجد لدى دول قليلة ما يكفي من الإمكانيات والمعايير لمنع وكالات التبني من تضليل الراغبين في التبني , علما أن سعر الطفل المعروض للبيع يتراوح بين 15 و 30 ألف دولار. ولفت أحد الباحثين الاجتماعيين الفرنسيين إلى أنّه وفيما يغيّر التبني حياة بعض الأطفال والعائلات ويجعلها أفضل، فقد صار أيضاً عملاً تجارياً بقيمة ملياري دولار سنوياً تقريباً، ويشهد نمواً سريعاً، ولكن في ظلّ انعدام الضوابط المنظمة يمكن أن يقع الزبائن المتلهفون على الأطفال فريسة لتجار غير شرفاء.

إسرائيل تسرق أطفالاً عرب وتبيعهم

ولعلّ ظاهرة بيع الأطفال تعتبر من الظواهر غير المنتشرة في مجتمعاتنا العربيّة، رغم المآسي التي مرّت بها منطقة الشرق الأوسط نتيجة الانتهاكات والحروب والنزاعات المسلّحة، إلا أنّ بعض المعلومات والتقارير تشير إلى أنّ نسبة تزيد على 9% من حوادث اختفاء الأطفال من الدول العربيّة تكون وراءها مافيا سوق بيع الأطفال « الإسرائيليّة »، وقد أكدت هذه التقارير أنّ مؤسسات تابعة لوزارة العمل الإسرائيليّة متورطة منذ سنوات عديدة في بيع عشرات الأطفال من العرب، مسلمين ومسيحيين، لأسر لا تنجب داخل إسرائيل وخارجها بعد تبديل بيانات ديانة هؤلاء الأطفال لليهوديّة وفي مقابل مادي وضعه صندوق رعاية الطفل الإسرائيلي.

وكانت المجلة الرسميّة للشرطة الإسرائيليّة قد ذكرت في عددها الصادر في 1 كانون الأول 1997 أنّهم خطفوا أطفالاً من الأردن، المغرب، البرازيل، تركيا ومصر، منذ بداية التسعينات بواسطة عصابات إسرائيليّة متخصصة في الاتجار بالأعضاء البشريّة والحيوانات المنوية والأطفال. وأشارت المعلومات إلى أنّ عصابة يهوديّة تديرها محامية إسرائيليّة هي المسؤولة عن معظم خطف الآلاف في الدول العربيّة والبرازيل، حيث يتمّ نقل الأطفال من أجل التمويه من البلد الذي أحضر منه الطفل، ومن ثمّ ينقل إلى إسرائيل.

الســوق العراقي

وتفيد معلومات واردة من العراق، ووفق مصدر على اتصال بجمعيات أهليّة عراقيّة، أنّه سجل في الشهرين الماضيين ظاهرة اختفاء بعض الأطفال وسط الحديث عن ارتفاع نسبة عرض الأطفال العراقيين للبيع علماً أن الحرب على العراق والأوضاع الامنية المتردية فيه ، السبب الأساسي في تفشّي هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، إذ وبحسب د.ايلي مخايل ،أمين سر المجلس الاعلى للطفولة في لبنان أنّه بعد النزاعات المسلّحة، تتعرّض الفئة الأكثر ضعفاً لانتهاكات في حقوقها، كخطف بعض الأطفال وعرض البعض الآخر في سوق « النخاسة » نتيجة اعتقال أحد والديهم، أو موت ذويهم، فضلاً عن الإصابات النفسيّة والجسديّة التي يتعرضون لها، لذلك نرى كيف أنّ القانون الإنساني الدولي، يحدد كيفيّة حماية المرأة والطفل والحفاظ على حقوقهم وكرامتهم خلال الحروب والنزاعات المسلّحة، وقد أسف د. مخايل لعدم وجود آلية دوليّة للسهر على تطبيق هذه القوانين.

في لبنـــــان

لعلّ ما نشر في الآونة الأخيرة عن ظاهرة اختفاء الأطفال في لبنان، والتي تتكرر من فترة إلى أخرى، زرع الخوف في الشارع اللبناني وعلت التساؤلات عن حقيقة هذه الظاهرة والتي رافق الحديث عنها الكثير من الإشاعات والأقاويل. وفي هذا الإطار، نفى د. مخايل وجود ظاهرة خطف الأطفال وبيعهم أو الاتجار بأعضائهم في لبنان كغيره من الدول، حيث يوجد عصابات تمتهن هذا العمل ولديها قنوات اتصال موزّعة في دول العالم. وأنّ موضوع اختفاء الأطفال في لبنان لا يجب بحسب د. مخايل، أن يُتخذ كآفة، مؤكداً انها نسبة ضئيلة جداً الحمد لله مقارنةً بغيره من الدول، خصوصاً أنّ لبنان لا يزال يحافظ على روابط وقيم العائلة وتقاليدها فضلاً عن أنّ الوضع الأمني في لبنان ممسوك ومحصّن مما يؤدي إلى تضييق هامش الحركة على ما يسمى عصابات الاتجار بالأطفال.

ورداً على سؤال حول الإجراءات المتخذة في لبنان لحماية الأطفال من المتاجرة بهم وتهريبهم إلى الخارج ... تحت ستار « التبني » أو « التكفّل »، أكد د. مخايل أنّ القانون رقم 224 الذي صدر في 13 أيار 1993، نصّ على مكافحة تجارة الأطفال الناتجة عن التبني، ولفت إلى أنّ قانون العقوبات اللبناني ينصّ أيضاً على أنّ نقل الأطفال إلى الخارج بصورة غير شرعيّة كُرهاً عنهم أو برضاهم ودون عودتهم، يعتبر جرماً جزائياً، وفي بعض الحالات يعتبر جناية يُلاحق عليها الفاعل تبعاً للمادة 492 (خطف القاصر) والمادة 49 (التعدي على حراسة القاصر)، مشيراً إلى أنّ المادة 50 من قانون العقوبات، تشير إلى أنّه عندما تؤدي عملية التبني إلى كسب مالي يعاقب الأشخاص المعنيين بالدخول إلى السجن لمدة تراوح بين أربعة وخمس سنوات ويُجبر على دفع غرامة ماليّة.

ويلاحظ أنّ موضوع نقل الطفل إلى الخارج وعدم عودته هو من المواضيع التي لا يملك العاملون في القطاع الأهلي وفي مراكز الخدمات الإنمائيّة معلومات عنها، لذا، رأى المجلس الأعلى للطفولة وفي تقرير لـه صدر في حزيران 2004، أنّه من الضرورة تشكيل لجنة مشتركة من جهاز أمني وصحي ونفسي واجتماعي وإعلامي تعمل على جمع المعلومات ورصد الحالات واتخاذ التدابير الضروريّة لحماية الأطفال وإعادتهم إلى ذويهم وتوعيتهم على حقوقهم ومن ضمن اجراءات حماية الطفل يمنع مبدأ "التكفّل" في الإسلام " تسفير الطفل الذي يتم تكفيله إلى الخارج ويشترط متابعة وزيارات دائمة من قبل المؤسسات الرعائيّة التي وافقت على تكفيله وفق آليات وشروط قاسية تضمن حماية الطفل وتؤمّن لـه حياة كريمة وهنيئة" بحسب السيدة وفاء البابا نائب مدير عام مؤسسات الرعاية الاجتماعيّة – دار الأيتام الإسلاميّة.

وإذا كانت المحاكم الروحيّة عند الطائفة المسيحية تجيز تبني الطفل داخل لبنان فقط (تبني طفل لبناني في لبنان)، فإنّ المشكلة الكبرى تكمن في المحاكم المدنيّة التي تجيز ما يسمّى التبني الدولي (أيّ تبني طفل لبناني خارج لبنان)، والذي لا يوجد له شروط خاصة تطبّق على تبني الطفل في بلد آخر، بالإضافة إلى عدم توافر معلومات أو دراسات حوله تحت هذا النوع من التبني، وفق ما أوضح د. مخايل.

ونفى محامٍ رفض ذكر اسمه، وجود هذا النوع من التجارة في لبنان، و عن قيام البعض تبني أطفال لقطاء لبنانيين وبيعهم إلى الخارج، قال أنّ هذا الأمر مستحيل نظراً لكثرة الأوراق الثبوتيّة التي يطلبها الأمن العام عندما يقدم بطلب تبن إلى النيابة العامة وفي حال وافقت المحكمة على الطلب، تنجز معاملات التبني التي تكون شبيهة بمعاملات الهجرة، وعند وصول الطفل إلى بلد العائلة، يتمّ إنجاز معاملات الإقامة ثمّ يخضع لمراقبة دوريّة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعيّة.