براغ: تتعدد الأوصاف التي تطلق على العاصمة التشيكية براغ فهي بالنسبة للبعض المدينة الذهبية " زلاتا براها" كما يسمونها بالتشيكية وهي بالنسبة للبعض الأخر مدينة المئة البرج، ومدينة القرون الوسطى النابضة بالحياة،وهي بالنسبة للكثير من المهتمين بالأدب والثقافة مدينة الجواهري وفرانز كافكا ومدينة فاتسلاف هافل الذي كان أحد زعماء ما سمي بالثورة المخملية التي أدت إلى إسقاط النظام الشيوعي في عام 1989 وهي قبل ذلك ارتبطت أيضا بالوعي السياسي في الستينيات من خلال ما سمي "بربيع براغ "الذي حاول فيه الكسندر دوبتشيك خلق اشتراكية ذات وجه إنساني فأجهضت هذه التجربة دبابات خمس دول من حلف وارسو عام 1968.
القادم إلى براغ هذه الأيام يلمس التغيير الكبير الذي حصل فيها فالمدينة التي يعيش فيها اكثر من مليون نسمة لم تعد كما كانت في الحقبة الشيوعية رخيصة أمنه فالأسعار فيها بدءا من الفنادق وأجور النقل و أسعار الخدمات والبضائع المختلفة تكاد تكون متقاربة إذا لم تكن متشابهة مع الأسعار القائمة في الدول الغربية المجاورة مثل النمسا و ألمانيا ويزيد الأمر غلاء أن العملة التشيكية "الكورون " تعزز في كل يوم قوتها ولاسيما تجاه الدولار بحيث أصبحت تتراوح الآن بين 25ـ 26 كورونا مقابل الدولار في حين كانت قيمة الدولار قبل اقل من عام ثلاثين كورونا
مسالة الآمان التي كانت مشهورة بها براغ في الزمن الشيوعي غدت أيضا مختلفة تماما في ظل الانفتاح الداخلي وعلى العالم وانتهاء الحكم التوليتاري فالمشهد الأمني سجل تراجعا كبيرا على مختلف المستويات وأرقام الجريمة بمختلف أنواعها تؤكد ذلك
وباعتبار أن الإحصاءات لاتهم السائح العربي كثيرا فهو يريد أن يمضي عدة أيام في العاصمة براغ سائحا ومطلعا لا لإجراء أبحاث اجتماعية فيها فان من المهم على الأقل وبسرعة الإشارة إلى انه من الضروري له أن يكون اكثر حذرا منذ خروجه من مطار روزينه باتجاه العاصمة التي لا تبعد اكثر من 10 ـ 15 دقيقة بالسيارة أما مصدر الحذر فهو أن سائقي سيارات التاكسي التشيك لا يزالون ينظرون إلى السائح على انه فريسة سهلة يمكن الاحتيال عليها من خلال مطالبته بسعر يزيد عن القيمة الحقيقية أو الحصول على الأجرة بالعملة الصعبة لكن مقابل سعر لا يستجيب للسعر الحقيقي (الدولار بين 25ـ26 واليورو في هذه الفترة بين 31ـ 32 ) أما الأسلوب الثالث الذي يلجأ إليه سائقو التاكسي التشيك فهو اللعب بعداد الأجرة ولذلك بدلا من أن يتحرك ببطىء يقوم بالقفز قفزا بحيث تتضاعف الأجرة وتنبه الكثير من مكاتب السياحة الغربية مسبقا زبائنها إلى أساليب الاحتيالات التي يقوم بها سائقو التاكسي في براغ سواء كان ذلك من المطار أو داخل المدينة الأمر الذي دفع ببلدية العاصمة إلى إجراء عدة عمليات للتفتيش عليهم وقد اعترف بعض مسؤولي براغ أن تصرفات سائقي التاكسي يشوهون سمعه المدينة والبلاد في الخارج
تجاوز امتحان الشرف لسائقي التاكسي يجعلك في وضع افضل نسبيا داخل العاصمة حيث تتعدد فنادقها بحيث يمكن الاختيار حسب إمكانيات الزائر بدءا من 40 ـ 200 يورو في اليوم
الحذر أيضا واجب في الفنادق فقد سجلت حوادث سرقة عديدة للسياح من غرفهم أو في مطاعم الفنادق غير أن ذلك بالتأكيد لا يعني بان هنالك حالة من الفلتان الأمني كما يمكن أن يخطر للوهلة الأولى
بعد قضاء وقت من الاستراحة يمكن الآن البدء برحلة الاطلاع والمعرفة في أنحاء العاصمة للتعرف عليها وعلى أهلها
براغ مدينة أوروبية جميلة وهادئة ولذلك يحج إليها ملايين السياح في كل عام من أوروبا ومن اليابان ومن دول الشرق الأوسط وأيضا من الولايات المتحدة وترقد المدينة على ضفاف نهر الفلتافا الواسع وللمدينة مسحة جمالية خاصة مصدرها تناغم التاريخ والحاضر فيها فالمدينة ولاسيما وسطها متخم بالقصور والكاتدرائيات والكنائس والجسور التاريخية بحيث يشعر الإنسان فيها بأنه يعيش في التاريخ وتتميز أبنيتها بهندسة معمارية راقية يغلب عليها عصر النهضة والفن الباروكي والباروكي الجديد والقوطي والكلاسيكي الحديث
يعود تاريخ المدينة إلى القرن الرابع عشر وقد شهدت التطور الأكبر في عهد الملك كارل الرابع ولذلك فان الكثير من معالم المدينة الأساسية سميت باسمه كجامعتها الشهيرة التي تعتبر من اقدم الجامعات في وسط أوروبا وكجسر كارل "كارلوف موست " المقام فوق نهر الفلتافا ويربط بين الساحة القديمة "ستاروماك " وساحة مالا سترانا التي منها يمكن الوصول سيرا على الأقدام إلى قلعه براغ التي بنيت في القرن التاسع والتي كانت مقرا للملوك والأمراء ورجال الدين ثم أصبحت مقرا لرئيس الجمهورية وبالنظر لعدم وجود أي تهديدات تطال رئيس البلاد هنا واسمه فاتسلاف كلاوس أو من سبقه فان ساحة القصر حيث مكتب الرئيس مفتوحة للسياح وللزائرين وليست هنالك أية إجراءات أمنية ملفتة ويرتفع علم الرئاسة فوق قلعه براغ عندما يكون الرئيس في الأراضي التشيكية أما عندما يكون خارجها فيكون العلم نازلا
محيط القلعة يضم أماكن لابد من التوقف عندها فمنها يمكن النظر إلى براغ بشكل بانورامي وفيها بازيليك القديس جاورجيوس وكاتدرائية سان فيت
من معالم براغ الأثرية أيضا الساعة الفلكية الشهيرة محط أنظار السياح والتي يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر والى جانبها ساحة المدينة القديمة المسماة "ستاروماك " المليئة بالحمام وفي منصتفها تمثال كبير للمصلح الديني الكاثوليكي التشيكي الشهير يان هوس.
براغ وعلى الرغم من جمال أثارها ومتاحفها ولاسيما المتحف الوطني الذي يوجد في أعلى شارع القديس فاتسلاف الواقع وسط المدينة التجاري تزخر بالمعارض والحفلات الموسيقية والعروض المسرحية المتميزة مثل المسرح الأسود وعروض البانتوميم ومن أهم المعالم الثقافية التي تستحق المشاهدة في براغ مسرح "اللاترنا ماجيكا " وهو مسرح شبه فريد في أوروبا لانه يجمع بين المسرح والسينما في تناغم وتقنية عاليتين وغالبا ما تكون عروضه من دون كلام الأمر الذي يسمح لمعظم زواره واغلبهم من السياح الأجانب بفهم المضمون من دون الحاجة إلى ترجمة
من معالم المدينة أيضا نافورة كبيرة للمياه تتحرك فيها المياه صعود وهبوطا وفق إيقاعات الموسيقى التي ترافقها وبالنظر لاختيار أنواع راقية من الموسيقى فان حركة المياه والألوان المصاحبة تجعل المشاهد يشعر وكأنه يشاهد حلما اكثر منه حقيقة.
اكتمال المشهد السياحي لبراغ لا يتم بطبيعة الحال من دون النزول إلى نهر الفلتافا الذي يخترق المدينة والتفرج على معالمها من ظهر مراكب تتحرك بشكل منتظم فيها في رحلات لساعة أو اكثر.
براغ اليوم تغيرت كثيرا عن الماضي ونتحدث هنا عن الخمسة عشر عاما الماضية أي بعد سقوط النظام الشيوعي فيها ولذلك فان من كان يعرف براغ قبل عام 1989 سيندهش حتما بالتغييرات التي حدثت في شوارعها وأبنيتها ومحلاتها والألوان الجميلة لأبنيتها التي كانت شاحبة سوداء في الفترة الشيوعية لانه لم يتم توفير الأموال اللازمة لترميمها كما سيندهش أيضا بالغلاء الذي صاحب هذه التغييرات.
زائر براغ سيجد في حال تواصله مع سكانها أن التشيك شعب لطيف ودود وحضاري ومثقف أما الذين يحتالون على السياح ولاسيما سائقو التاكسي أو في بعض المطاعم أومن قبل بائعات الحب المتخم بهن ليل براغ فهم بلا شك يشكلون جزءا من واقع المدينة غير أن هؤلاء لا يعكسون جوهر التشيك.
براغ احبها الكثير من الكتاب والشعراء ومن أشهرهم شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري الذي أمضى فيها نحو ثلاثين سنه ولذلك حياها في اكثر من مناسبة ومن اشهر بيوت شعره فيها: أطلت الشوط من عمري أطال الله من عمرك وتقديرا له فقد جرى قبل عامين تأسيس مركز للجواهري في براغ من قبل المستشرقين التشيك والعديد من المثقفين العرب في براغ.
- آخر تحديث :




التعليقات