صنعاء: أديت الصلاة في احد المساجد المحسوبة على التيار السلفي في اليمن, وبعد الصلاة قام احدهم لإلقاء نصيحة قصيرة " حسب قوله " لكنها طالت فيما بعد, بدأ نصيحته بالقول أن موضوعنا اليوم عن ( وثن يعبد ) في الأرض من غير الله تعالى!!, ألا وهو ضريح الحبيب ( علي بن حسن العطاس ) غفر الله له ورحمه, وبدأ في سرد الآيات والأحاديث الدالة على عدم جواز شد الرحال إلا للثلاثة المساجد التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف " لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد, المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ", ورغم أن القبر ليس مسجدا إلا أن ذلك لم يشفع له عند " شيخنا " بل امتد به الموضوع إلى إخراج من يذهب لزيارة " الحبيب علي بن حسن العطاس " من الملة وانه كافر.
حفزني هذا الحكم وهذه النصيحة القصيرة " حسب رأي شيخنا " إلى شد الرحال إلى ذلك القبر لا بقصد الزيارة " حتى لا ادخل ضمن من ذكرهم في نصيحته " وإنما لتقصي الحقائق حول القبر, ومحاولة البحث في أسباب شد الرحال إليه من جميع أنحاء اليمن وخصوصا من محافظة حضرموت التي ينتمي إليها " الحبيب علي بن حسن العطاس " صاحب القبر. ذهبت الى محافظة حضرموت وسالت عنه فوجدت مقامه وقبره معروف " أشهر من نار على علم " كما يقال, وبالفعل يزار وتشد إليه الرحال دوريا وهو ما يعرف باسم ( زيارة المشهد ).
رأيت السيارات الكثيرة التي تنقل الزائرين إلى " المشهد " لزيارة الحبيب والتبرك به والدعاء عنده والنحيب عند قبره, ورأيت الجمع الغفير من النساء والرجال الذين يرددون الكثير من الأبيات الشعرية الصوفية والأدعية الجماعية كان أكثرها ترديدا قصيدة صوفية استطعت أن أحفظ مطلعها الذي يقول:
يا علي بن حسن خاطرك بالقبول... والكرامة باتقع من عيال الرسول, ( باتقع تعني ستقع ).. وللعلم فان بيت العطاس عائلة كبيرة في محافظة حضرموت اليمنية وهم من السادة العلويين المنتمين إلى الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم أجمعين, ولهم جذور خارج اليمن حيث أنهم يتواجدون كثيرا في جنوب شرق آسيا " ماليزيا, اندنوسيا, سنغافورا، " ويتولون مناصب مرموقة هناك, ولكنهم يعيشون فيما بينهم البين رغم بعد المسافة الزمنية والمكانية بينهم يعيشون أسرة واحدة متآلفة وعندهم " منصب " وهو كبيرهم واليه يرجعون جميعا مهما علت مناصبهم او تجارتهم, في جميع امورهم الى اليوم.
كيف تأسس المشهد
يقول محمد النهدي " احد الزائرين " ان صاحب القبر " الحبيب علي بن حسن العطاس " هو من أسس المشهد, واستدرك النهدي أنا جئت اليوم عشان الوالدة بس طاعة لها, لان هذه الأشياء " خرافات " ويضيف النهدي: أنا متأكد أن الحبيب العطاس لو خرج من قبره وشاف هذي الأشياء ما يرضى عنها, ولو تقرا عن الحبيب لعرفت انه أسس القبر لشئ آخر غير هذه الزيارات, سألته لماذا أسس القبر, فلم يسعفه الوقت أن يجيب على سؤالي إذ نادته والدته فاعتذر عن الإجابة وانصرف.
سالم الشميري " سائق سيارة سياحية " يقول انه يعمل في نقل السواح إلى هذا المشهد منذ أكثر من عشر سنوات, ولاحظ ان المشهد أصبح قبلة سياحية ومعلما اثريا بارزا ضمن خطط الشركات السياحية التي تستقبل الزوار وتعد لهم برامج الزيارات, حيث قال انه اشتغل في أربع شركات سياحية وكلهن نفس البرنامج أي لابد من زيارة المشهد لكل وفد سياحي.
يقول الشميري انه يستغرب من بعض الأثرياء الذين يأتون إلى المشهد وينفقون أموالا طائلة في رحلتهم على الشحاذين المرابطين في المشهد, وأشار إلى أن هؤلاء الأثرياء يعتقدون أن الصدقة بجوار المشهد أفضل من غيرها في الأماكن الأخرى, إذ أرى بعض " الحضارمة " المغتربين يأتون إلى هنا ويخرجون مبالغ باهظة للشحاذين كان يعطي كل شحاذ خمسة ألف ريال أو مائة ريال سعودي مثلا, وبعضهم يأتي يدفع لأحد الحراس القائمين على القبر مبلغ 100 ألف ريال أو 200 ألف ريال لكي يشتري ثيران " جمع ثور" وينحرها عند المقام تقربا إلى الله.
طلال الصلوي " مترجم " يقول انه قرأ كثيرا عن ان الأشياء التي تحصل في هذا القبر حرام كالنحر والتبرك وطلب الشفاء من القبر واكل التراب بنية الشفاء, وغيرها من الأشياء التي يفعلها بعض الزائرين الذين وصفهم بالجهل عند المقام.
يضيف الصلوي انه يريد من الجهات الدينية بالدولة الانتباه إلى مثل هذه المزارات ومحاولة تقنينها وتعريف الناس بما يفعلون, مشيرا إلى انه لو تضافرت الجهود بين المرافق الحكومية " السياحة والأوقاف وبعض الجهات الأخرى " ونظموا زيارات سياحية مع بعض الإرشادات والمطبوعات بجميع اللغات لكان أفضل من هذا الخبيص " حسب قوله".
أساطير وخرافات
يشيع " المنتفعين " من القبر عدة إشاعات وأساطير خرافية ينسجونها حول صاحب المقام " الحبيب العطاس " وإضفاء الهالة المقدسة عليه, بغرض التدليس على الناس وغرس الثقة في قلوبهم وزيادة تعلقهم به ومن ثم استمرار سيل النقود المتدفقة عليهم من الزيارات والذبائح والصدقات والنذور الخاصة بالحبيب.
حيث أطلقوا على صاحب المقام لقب ( علي حربة ) او ( علي خنجر ) ويرجع السبب في ذلك كما يذكر ذلك الحبيب ( علي بن حسين بن محمد العطاس ) في كتابه تاج الأعراس الجزء الأول, أن السبب هو تواتر الأخبار بأن المعادين للحبيب علي بن حسن في حياته وعلى مقام المشهد بعد وفاته أن هؤلاء المعادين يرونه في منامهم يأتيهم ويطعنهم بحربة له فيستيقظون من منامهم ويخبرون قرابتهم ثم يموتون في الحال )!!
أما الأسطورة الثانية فتقول ان صاحب المقام " الحبيب العطاس " يأتي لكل من يذكره بشر في منامه ويتوعده بعقاب الله, وإذا استمر فانه يأتي ليخنقه ويموت.
وهناك قصة يتداولها العامة هناك ان من دعا بجوار القبر وهو مخلص في دعائه فان " الحبيب العطاس" يمنحه بركاته ترافقه أينما حل وارتحل وانه يوفق في جميع أموره وتكون له وجاهه, حتى أنهم أشاعوا بان المهندس العطاس " حفيد صاحب القبر " ورئيس الوزراء السابق في اليمن كان وجيها منذ صغره بسبب زياراته المتكررة للمشهد, وبعد الوحدة اليمنية عام 1990م انشغل المهندس العطاس بالوزارة ولم يذهب للزيارة الدورية التي اتبعها منذ صغره فغضب عليه " الحبيب علي بن حسن العطاس" ولذلك نزل من الوزارة وأصبح مشردا عن وطنه ولا يستطيع العودة إليه " بسبب انقطاعه عن زيارة المشهد ", إلى غيرها من الخرافات والأساطير التي تسمعها هناك بشكل كبير خصوصا من شلة المقام " المنتفعين به والعائشين على خيراته وما تجود به أيادي الزائرين.
حماة المشهد السبعة
من الملاحظات التي شدت انتباهي في المقام, وجود لوحة " كما في الصورة " داخل المقام " القبة " وفيها أسماء كتب عليها حماة المشهد السبعة, سالت عن معنى هذا الشئ فلم أجد إجابة شافية, وكانت تترد إجابة أن هؤلاء هم من يحرسون هذا المشهد بروحانيتهم وكراماتهم إضافة إلى كرامة صاحب المقام.
المحير في الموضوع ان بعض من ذكرت أسمائهم في تلك اللوحة قد توفوا منذ مئات السنين ومن قبل ان يولد الحبيب علي بن حسن العطاس!!.
وضمن الحكايات الموثقة في الكتب التاريخية " حسب قول المترجم طلال الصلوي" وهي قصة تدل على خرافة القصص السابق, ان احد الأشخاص جاء من أرض نجد ويدعى ( ناجي بن قملة النجدي ) سنة 1224من الهجرة وقام بدك القبر وتدميره تدميرا كاملا, استمر لمدة سبع سنين ثم أعيد بناؤه من جديد.




التعليقات