لعب وبيع وقتل وعصافير


القدس: أمام الحاجز العسكري الإسرائيلي على مدخل مدينة أريحا، التي تعتبر واحة في اخفض نقطة في العالم، يصطف طابور طويل من السيارات والحافلات، انتظارا للمرور من الحاجز، إلى المدينة أو للجسر القائم على نهر الأردن للعبور إلى المملكة الأردية.
ويعتقد انه هذا الحاجز لا يخدم آية حاجات أمنية للإسرائيليين، ويقول الفلسطينيون انه وضع فقط لكي ينغص عليهم حياتهم اليومية مثل عشرات الحواجز العسكرية بين وداخل المدن والبلديات الفلسطينية.
بجانب طابور الحافلات والسيارات الطويل، يوجد مجموعة من الفتيان الذين ملوا الانتظار في هذه الحافلات فنزلوا منها، حتى يأتي دورهم بالتفتيش والمرور، واخذوا بممارسة لعبة كرة القدم في المكان الأقل مناسبة في العالم لهذا النوع من اللعب او اية لعبة أخرى.
ومع مرور الوقت لم يندمج هؤلاء الفتية في اللعبة فقط ولكن أيضا راكبي الحافلات الذين اخذوا يتابعون اللاعبين الصغار باهتمام.
وبعد نحو ساعتين ترك الفتية الكرة ولحقوا بحافلاتهم التي تقدمت في الطابور حتى وصلت نقطة المراقبة العسكرية الإسرائيلية.


العصافير
على حاجز آخر يعتبر من اخطر الحواجز واكثرها تعقيدا لحياة الفلسطينيين، وهو حاجز قلنديا شمال القدس، توجد مظاهر اخرى للحياة عليه.
ويقع هذا الحاجز بجانب ما كان يعرف بمطار القدس الذي عبر من خلاله إلى المدينة المقدسة شخصيات فنية وسياسية وثقافية عربية عديدة عندما كانت الضفة تحت الحكم الأردني، وبعد احتلال القدس استخدمت السلطات الإسرائيلية هذا المطار لأغراض تجارية، ولكن الان يتم تغيير معالمه بطريقة لا تخطر على بال، حيث تعمل الآليات الإسرائيلية لبناء جزء من الجدار الفاصل وسط المطار، ويحرس أعمال البناء جنود من حرس الحدود يعتلون تلك الآليات ويصوبون بنادقهم تجاه المواطنين الذي يمرون عبر الحاجز.
ويمر الاف المواطنين يوميا من هذا الحاجز إلى مدينة رام الله أو خروجا منها تجاه القدس أو بيت لحم، ومع الوقت اصبح بجانب هذا الحاجز سوق شعبي متنوع وكبير، بجانب طوابير السيارات التي تنتظر المواطنين على جانبي الحاجز.
ويفترش فتية عاطلون عن العمل بسطات تبيع أدوات منزلية وملابس داخلية رخيصة الثمن وأقراص ممغنطة لاحدث المغنيين الشباب العرب وايضا لمؤلفي موسيقى كلاسيكية مرموقين.
وتملا البضائع الصينية جانبي الحاجز، الذي قتل بالقرب منه عددا من الفلسطينيين على يد جنود الاحتلال المنتشرين بكثافة في أوقات سابقة.
وانضم بائو الكتب إلى هذا السوق بينما القسم الإكبار من السوق يحتله بائعو الأسماك والعصافير بأنواعها ومستلزماتها من أقفاص وطعام، ولا يمكن إغفال المفارقة بين زقزقة العصافير وجنود الاحتلال المستفزين بأسلحتهم المشرعة لأي طارئ.


تعليم
بعد ان أغلقت سلطات الاحتلال مدينة القدس في آذار 1993 في وجه سكان الضفة الغربية، وأصبحت القدس فارغة من المؤسسات والصحف والنقابات، وجد الفلسطينيون أنفسهم يسلكون طريقا التفافيا طويلا وخطيرا يسمى (وادي النار) يخترق برية القدس.
واصبح هذا الطريق هو الطريق الرئيس الواصل بين جنوب الضفة الغربية بوسطها بشمالها، وتم إدخال تحسينات على هذا الطريق الضيق المتعرج وتعبيده، وقبل المسافرون على مضض سلوكه رغم طوله وصعوبته، ولم يخطر على بال أحد منهم، أن قوات الاحتلال بعد ذلك بسنوات يمكن أن تضع حواجز على هذا الطريق المقفر، ولكن هذا ما حدث، وبالقرب من (كونتينر) كان صاحبه وضعه على الطريق لبيع المسافرين المشروبات الغازية، بنت قوات الاحتلال حاجزا واستولت على ارض شاسعة محيطة به، واخذت تغلق هذه الطريق وتفتحها كما تريد، واصبح اسم الحاجز (حاجز الكونتينر).
وفي كل يوم تصطف الحافلات في طابور طويل في هذا الطريق المتعرج على أمل السماح لها بالمرور، ومن بين المسافرين طلبة من جامعة القدس ومقرها في بلدة أبو ديس.
ويخرج هؤلاء الطلبة من الحافلات ويفترشون التلال المحيطة بالطريق الطويل يذاكرون دروسهم، ويرجون اتصالاتهم مع ادارة الجامعة لتتفهم ظروف تاخرهم خصوصا إذا كان ينتظر الواحد أو الواحدة منهم امتحانا.
واصبحت هذا التلال النائية، مكانا إجباريا للطلبة لمذاكرة دروسهم.


قتل
ونجح الإسرائيليون في جعل حياة الفلسطينيين تتمحور على هذه الحواجز التي لا يمكن شرح وضعها ولن يستطيع أحد استيعاب ما تحدثه لحياة الفلسطينيين إلا إذا عاش التجربة على الواقع.
وشهدت إحدى هذه الحواجز وهي الحاجز المعروف بحاجز (الخضر) على مدخل بلدة تحمل نفس الاسم جريمة قتل مدوية.
ولم يجد القتلة مكانا افضل من الحاجز ينتظرون فيه ضحيتهم، فينهالون عليه طعنا وتقطيعا حتى لفظ انفاسه الأخيرة.
ووقعت الجريمة حسب مصادر محلية على خلفية ثأرية.
ولم يكن بامكان منفذو الجريمة ارتكابها الا على حاجز عسكري إسرائيلي سيضطر الضحية مهما اتخذ احتياطاته هروبا من قتل ينتظره، إلى المرور عبر الحاجز.
وما بين اللعب والقتل والتعليم وزقزقة العصافير تستمر حياة الفلسطينيين على الحواجز، التي تشهد صنوفا من الصعب تخيلها من إذلال على من جنود الاحتلال، ولكن تلك قصة أخرى مريرة وطويلة.