صنعاء: أثار دهشتي واستيائي في نفس الوقت أثناء رحلتي الأخيرة إلى محافظة حضرموت " 2100 كيلو متر جنوب شرق العاصمة اليمنية صنعاء " وجود الكم الهائل من الأسواق الصغيرة والعشوائية على جانبي الطريق الإسفلتي السريع في جميع المحافظات التي مررنا بها تقريبا ودون استثناء.
وتذكرت انه في وقت سابق عندما وقع الحادث المروري المروع في منطقة يريم " 120 كيلو متر جنوب العاصمة صنعاء " والذي تسبب في دهس العديد من السيارات وقتل عدد من المواطنين لايقل عن 15 شخص، اتخذ مجلس الوزراء قراراً قضى برفع وإزالة الأسواق العشوائية على جانبي الخطوط الطويلة والطرق السريعة بين المدن.
نزلت من السيارة وبدأت اسأل عسكري المرور الذي يرتب السيارات القادمة والمغادرة من ذلك السوق الكبير الذي تنتشر فيه الأغنام والأبقار والمواشي بشكل كبير وملفت للنظر وتعوق مرور السيارات، سألته عن السوق فقال سوق " الربوع " نسبة إلى يوم الأربعاء التي تنطق باللهجة الدارجة " الربوع " ويعني انه سوق أسبوعي كغيره من الأسواق الأسبوعية الكثيرة التي تنتشر في المجتمع اليمني من أقصاه إلى أقصاه، حيث يوجد سوق الأحد وسوق الاثنين وسوق الخميس وغيرها من أيام الأسبوع في كل منطقة من مناطق اليمن مع اختلاف الأماكن والغايات التي تعقد لأجلها تلك الأسواق، إذ أن كل يوم مخصص لشئ معين فيوم الأحد مثلا " سوق الأحد " مخصص لبيع الثروة الحيوانية من البقر ويوم الأربعاء " سوق الربوع " للحمة والأغنام، ويوم الثلاثاء " سوق الثلوث " مخصص لبيع الخضروات والفواكه والمنتجات الزراعية وهكذا جميع أيام الأسبوع وفي أكثر من مكان ومنطقة.
السوق قبل الإسفلت
قلت لصاحبنا " العسكري " لماذا لا يكون هذا السوق بعيدا عن الطريق العام فقال انه عمر هذا السوق قبل ان تكون هنا " طريق عام " او الإسفلت الذي تم
| سوق عشوائي |
محمد سعيد " صاحب محل تجاري في السوق " يقول أنهم تفاءلوا خيراً بالقرار الذي أصدره مجلس الوزراء، لكنهم لم يرو تطبيقه إلا أسبوع واحد فقط حيث تم نقل السوق إلى منطقة قريبة من الشارع العام لكنه لم يستمر، وأكد محمد على ضرورة المتابعة والتنفيذ الواقعي العملي السريع لذلك القرار، خصوصا بعدما أثبتت الأيام أن هذه الأسواق كانت سبباً رئيسياً لكثير من الحوادث والمآسي التي حصدت أرواح الناس وخربت الكثير من البيوت وكبدت المواطنين الخسائر الفادحة في الأموال والممتلكات والأرواح أيضاً.
حوادث مرورية
صالح الكوماني " صاحب سيارة أجره " قال ان هناك المئات من المواطنين يذهبون يوميا ضحايا لهذه الأسواق العشوائية والاستراحات التي تحولت إلى تجمعات كبيرة من الباعة والصناديق الحديدية والحوانيت المتهالكة، مشيرا إلى أن هناك الكثير من الأسر فقدت من يعيلها بسبب هذه الأسواق سواء القتلى أو المتسبب لأنه لا حول له ولا قوة، قد يفلت عليه الفرامل أو لا يتمكن من كبح جماح السيارة او يصيبها عطل فيذهب ضحية لأنه إما يموت في الحادث او تصيبه إعاقة أبدية لا يستطيع معها الحركة او يسجن، وفي جميع الحالات هو وعائلته الخسرانين.
وأضاف الكوماني: أعرف كثيراً من زملائي السائقين وقد أقعدتهم الإعاقات الخطيرة عن العمل.
المسؤولية تضامنية
ذهبنا الى مكتب وزارة النقل التي نتساءل ما دورها هذا الجانب، وما مدى المسئولية التي تلقى عليها جراء هذه العشوائية؟ ولماذا لم يتم تطبيق قرار مجلس الوزراء الأخير في هذا الشأن؟
وجدنا مدير المكتب يقول ان المسئولية ليست على وزارة النقل فقط فالمسئولية تضامنية بين اكثر من وزارة ومرفق وجهة مسئوله، فوزارة الداخلية تتحمل جزء كبيرا منها ووزارة الأشغال والمجالس المحلية والمحافظات المختلفة وغيرها من الجهات والمرافق التي يجب ان تقوم بدورها في الحد من ظاهرة الأسواق العشوائية او إيجاد حلول لها تضمن سلامة المواطنين وتيسير معيشتهم.
واقترح المدير العام " رفض الإشارة إليه أو منصبة تحديدا " واشترط ذلك للحديث إلينا، اقترح ان يتم عمل خطوط دائرية على الأسواق المعروفة قديما والمدن الصغيرة المزدحمة، مشيرا الى الخطوط الدائرية يمكن أن تكون حلاً أو جزءاً من حل، في حال توافرت الإمكانية لعملها وانجازها، مضيفا: لكن هناك مناطق لا تسمح بعمل خطوط دائرية بسبب المساحة وصعوبة المناطق وطبيعتها الجبلية أو السهلية، يأتي هنا دور وزارة الداخلية والأمن " أي القوة العسكرية " في رفع هذه الأسواق العشوائية إلى مناطق آمنه، ونحن على أتم الاستعداد لضبط ما يخصنا في هذا المجال من سيارات النقل الكبيرة من حيث إلزامها بقواعد معينة تضمن للجميع السلامة والأمن والالتزام بشروط السلامة والسرعات المعينة بالقرب من هذه الأسواق والتجمعات.
جباية المجالس المحلية
التقينا بأحد الباعة وعنده مجموعة من الأغنام وهو قروي بسيط من هيئته وحديثه وقلنا له لماذا لم تنتقلوا من هذا المكان الى المكان الذي حدد لكم سابقا بعيدا عن السوق، صاح الحاج عمر فتيني انا ادفع كل سوق " أربعاء " خمسمائة ريال للمجالس المحلية إيجار هذا المكان فلماذا اذهب بعيدا؟؟
فتح الحاج فتيني موضوعا جديدا وبابا لا يسد للمجالس المحلية التي تحرص على الجباية دون تحمل المسئولية وتقدير المخاطر والجهود التي تبذلها الجهات الاخرى.
بالسؤال عن دور المجالس المحلية في هذا الجانب وجدنا أن المشكلة تكمن في سوء فهم القانون وإساءة التعامل مع نصوص ومبادئ قانون السلطة المحلية، ذلك أن كثيراً من الباعة وأصحاب السلع والبضائع المعروضة يقولون إنهم يدفعون رسوماً كبيرة لموظفي المجالس المحلية مقابل السماح لهم بالعمل والبيع.
أحدهم أكد أن هذه الظاهرة تروق للسلطة المحلية كثيراً لأنها توفر مصدراً مغرياً للدخل والفائدة أيضاً؟!!
حاولنا الاتصال بهم والذهاب إليهم لكنا لم نجد من يجيب على أسئلتنا الملحة، وعرفنا من خلال أكثر من شخص " رفض الحديث لنا " أن هذه الإتاوات تفرض فرضا قسريا من قبل وجاهات ومتنفذين في المجالس المحلية ولا تورد إلى الخزينة العامة مثلها مثل النقاط العسكرية التي سنتحدث إليها في تحقيق قادم ان شاء الله.




التعليقات