دمشق: قد تصاب بالصدمة والترويع عندما تتجول في أرقى احياء دمشق ليس بسبب السيارات الفارهة المرمية على جانبي الشارع او تحتل الارصفة
ليس بسبب فداحة النظافة الاستثنائية التي لاتتناسب ابدا مع شقيقاتها من الحارات الشعبية بل ان مبعث الصدمة هي في لقائك بعدد لابأس به من "الطنابر" التي تجرها البغال او الحمير.
لاتستطيع كونك صحفيا الا ان ترصد هذا المشهد وتحاول جمع اشتات الصورة وصولا الى استكمالها بطريقة لاتخلو من سوريالية... فسعر المنزل"أي منزل" في حي من هذه الاحياء الراقية لابد وان يساوي دخل موظف سوري مدى الحياة او لحيوات متتاليات ولهذا فان تجرؤ اصحاب الطنابر على العبث بهدوئها ورقيها يبعث الى التحية.
اوقفت احد اصحاب الطنابر ومفردها "طنبر" ومهنته بالعامية "طنبرجي" ومجموعها طنبرجية وربما الكلمة من اصل تركي او مفردة اعجمية دخلت اللغة العربية كما دخل غيرها عبر الغزوات والتمازج الحضاري وبالطبع ليس هذا هو حديثنا وسألته: ماذا تبيع؟ نظر الس نظرة متشكك واجاب.. بصوت لايخلو من غطرسة :ماذا ترين اني ابيع..بصل وخيار وكوسا وبندورة وتين وصبارة هل تريدين ان تشتري ام تريدين السؤال فقط..
استغربت من عدائية الرجل واخبرته انني صحافية واحب ان اكتب عن مهنته...فلم يكترث الرجل وسألته ثانية هل تسمح له البلدية بان يبيع بضاعته في هذا المناطق... فاجاب ولماذا لايسمحون لي جدي كان يفلح ارضا في الصالحية قبل ان يأتي كثير من سكان هذه المناطق للسكن هنا وابي كان يملك ارضا في الميدان يزرعها قمحا وفجلا وانا لازلت املك بستانا في كفرسوسة ازرعه بالخضار فمن له علاقة ليمنعني من بيع أي شيء في أي مكان..
ولماذا في المناطق الراقية بالتحديد يقول صاحب الطنبر "ابو محمد" هنا لايسالون عن السعر وبعضهم يثق ببضاعتي لانه يعرف ان اكثرها من مزرعتي لذلك احب البيع هنا وابيع ايضا في الحارات الشعبية والقديمة ولكن تقصم ظهري مساومات النسوة هناك.
بعد حديث ابو محمد تشجعت لطرق الموضوع فبت خلال ترددي على حارات دمشق الراقية..ابو رمانة..المهاجرين.. التجارة.. الصالحية..المزة..اقوم بطرحه.
في المزة وجدت صاحب طنبر يحمل بضاعة هي عبارة عن ملح صخري فسألته هل من مشتر لبضاعته فاجاب باستغراب..هل انت سائحة.. هذا الوقت وقت المخلل و"المكدوس "والكثيرات يفضلن الملح الصخري...وهل الربح معقول يجيب الرجل نعم الله ساترها...أحسن من شغل الدولة يختتم الحوار سريعا بعد ان عرف انني لن اشتري ملحه.
أما في حي التجارة فالتقيت بأبو جهاد الذي كان يركب على دابته وينادي بأعلى صوته "نعنع..بقدونس.. كزبرة..بقلة" ويمر على البقاليات يعرض بضاعته ويقول انه منذ واحد واربعين عاما يبيع نفس البضاعة حيث يزرعها في بستانه في منطقة برزة وهو يأتي الى التجارة بسبب قرب المسافة ولانه لو عرض البضاعة في سوق الهال فلن يشتريها أحد باكثر من ربع ثمنها الحقيقي.
ما لفت نظري ان جميع من التقيتهم من"الطنبرجية "لم يشتك من مضايقة اية جهة "بلدية.صحة. شرطة...." لذلك تراهم يؤدون عملهم بمتعة منقطعة النظير وربما ان حكمة "من المنتج الى المستهلك "تعجب الجميع في دمشق حتى ابناء الاحياء الراقية.
- آخر تحديث :




التعليقات