القدس: الحكاية شهيرة، ترقص سالومي التي قيل انها يهودية شبه عارية لإغراء زوج أمها هيردس الادومي العسقلاني حاكم فلسطين باسم لإمبراطورية الرومانية، والثمن راس يوحنا المعمدان الأسير لديه.
ويوحنا المعمدان، هو من دب على الأراضي الممتدة على ضفتي نهر الأردن المقدس معمدا ومبشرا بقدوم السيد المسيح.
وألهمت سالومي أدباء وفنانين عالميين وعرب في مئات، إن لم يكن الاف الأعمال الفنية والأدبية: رسوما ونصوصا وأفلاما وتماثيلا.
ويعرف يوحنا المعمدان في الديانة الإسلامية باسم النبي يحي، ورغم مرور اكثر من ألفي عام على الحكاية التي يعتقد كثيرون أنها حقيقية في حين يراها باحثون أسطورة، فان راس يوحنا المعمدان ما زال ليس مثار جدل اثري وتاريخي فقط ولكن مثار تقاطعات اقتصادية ودينية وسياحية وسياسية للكيانات السياسية الحديثة على ضفتي النهر: الحكومة الأردنية، إسرائيل، السلطة الفلسطينية.
ومؤخرا في 17/8/2004 أعلن الدكتور شمعون جيبسون عالم الآثار من جامعة شمال كارولاينا انه عثر على كهف غرب القدس قرب قرية عين كارم الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، قال انه يرجح بان يوحنا المعمدان اعتكف به وعمد فيه تلاميذه.
وعقد جيبسون مؤتمرا صحافيا وصف فيه اكتشافه " بأنه من أكبر الاكتشافات التي شهدها التاريخ المسيحي في الفترة الأخيرة".
ولجا جيبسون، كما فعل غيره طوال اكثر من قرنين، إلى الكتاب المقدس لتأكيد اكتشافه، فقال " إن العهد الجديد يذكر أن يوحنا المعمدان كان يعتكف في كهف في هذه المنطقة، ولا يوجد لدي أدنى شك في أن هذا الكهف هو المكان الذي كان يختلي فيه وأصبح بعد موته موقعًا يؤمه الحجاج المسيحيون".
ووجهت انتقادات إليه لاستخدامه أفعال التأكيد، غير مستفيد من تجارب أثريين سبقوه كان يعلنون عن اكتشاف مواقع بناءا على جغرافية الكتاب المقدس التي تشهد تشكيكا واسعا حتى من أثريين إسرائيليين مرموقين.
ونقلت وكالات الأنباء عن جيبسون انه يعمل في الكهف منذ عام 1999، وان الحفريات التي تمت بإشرافه كشفت عن الحفريات التي تمت فيه عن مسبح كبير وأدوات كانت تستخدم في طقوس التعميد.
ورسومات بيزنطية يعود تاريهخا إلى أربعة قرون بعد قصة يوحنا المعمدان المفترضة، وهذا ما يجعل باحثون يشككون في الاكتشاف، لان معظم الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين أقيمت في تلك الفترة بعد تبني الإمبراطورية الرومانية للديانة المسيحية".
ولكن جيبسون اعتبر الرسوم تؤكد اكتشافه ومنه رسم ليد يوحنا المعمدان المبتورة.
وقال جيبسون: "لم يعثر على شيء مثل هذا في مكان آخر. هذه هي المرة الأولى التي نعثر فيها على اكتشافات تعود إلى فترة التعميد المبكرة.انه اكتشاف مذهل لا يحدث لعالم آثار سوى مرة واحدة في العمر".
واعلن جيبسون انه سيضع كتابا عن اكتشافه الجديد.
ولم يتحمس كثيرون من الأثريين الإسرائيليين للاكتشاف الجديد، بعد أن اكتشفوا بالتجربة الخطأ العلمي بالربط بين الاكتشافات الأثرية وجغرافيا الكتاب المقدس، وهو ما سخر طوال عقود لخدمة أهداف سياسية.
ولم تبد الحكومة الإسرائيلية احتجاجا مثلما فعلت في مناسبات مشابهة سابقا، لان الاكتشاف يقع في أراض تقع تحت سيطرتها، ولن يشكل الاكتشاف الجديد إلا مصدرا جديدا لدخلها من السياحة، مثلما يحدث مع موقع المغطس التقليدي غرب نهر الاردن والذي يقع تحت سيطرتها، حيث يأتي الحجاج من مختلف دول العالم لإحياء طقوس التعميد التي تنسب ليوحنا المعمدان.
ومنذ قرون كان معروفا أن هناك عدة مواقع، غرب نهر الأردن، يعتقد أنها شهدت نشاط يوحنا المعمدان، والمسيح تعمد بها وتزورها الطوائف المسيحية المختلفة، ومنذ عام 1967م وبعد احتلال إسرائيل لكل الأرض الفلسطينية أصبحت هذه المنطقة، والمعروفة باسم (قصر اليهود) التي يزورها المؤمنون والحجاج في تواريخ محددة تحت سيطرة الاحتلال الذي يشرف على الطقوس الدينية التي تنظم هناك.
ولكن مكتشفات أثرية هامة في الجانب الأردني من النهر في عام 1999م، جعلت حكومة الأردن تعلن أن موقع المغطس الحقيقي ليس في مكانه غرب النهر المعروف منذ مئات السنين ولكنه هناك في الشرق، على بعد 800 مترا من النهر، في منطقة تدعى (وادي خرار)، حيث عثر على آثار مختلفة من بينها بقايا برك مياه.
ونشب خلاف كبير بين إسرائيل التي تحتل الموقع القديم وبين حكومة الأردن التي أعلنت عن الموقع الجديد.
واستطاع وزير سياحة أردني نشط في حينه هو (عقل بلتاجي) تسويق ذلك الموقع باعتباره موقع المغطس الحقيقي، وحقق نجاحا باهرا بإدراجه ضمن المواقع التي زارها البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته التاريخية للأرض المقدسة عام 2000، وفي غمرة الخلاف الكبير بين الإسرائيليين والأردنيين وجد الطرف الفلسطيني، صاحب الموقع على غرب النهر نفسه في وضع لا يحسد عليه، فالأردن ووزارة السياحة فيه كانت أحد النوافذ القليلة التي تستطيع وزارة السياحة الفلسطينية نفسها التنفس من خلالها، ولكن في نفس الوقت فان الاكتشاف الأردني (التاريخي) من شانه أن يمس باعتقاد قديم بموقع المغطس وهو موقع فلسطيني قبل وبعد الاحتلال، ونأت وزارة السياحة الفلسطينية عن الخوض في المعركة المستعرة بين الأردن وإسرائيل حول موقع المغطس، ولجأ فيها الطرفان: الإسرائيلي والأردني، إلى الأناجيل لاستنطاقها وأحيانا كان الأمر يبدو هزليا ومضحكا خاصة من جانب الاسرائليين اليهود الذين لهم أصلا موقفا واضحا من المسيح ومن أناجيله، والحقيقة أن الطرفين كانا يتسابقان على نقود ملايين الحجاج الذين كان يتوقع أن يصلوا الأراضي المقدسة بمناسبة مرور آلفي عام على ميلاد المسيح.
والمعركة كانت بين مكتشف مستجد وبين محتل لا يملك الموقع المتعارف عليه عالميا، بينما صاحب الشأن لا يستطيع إلا توجيه عتاب إلى (الأشقاء) الأردنيين، وهو ما حدث، على استحياء، خلف الأبواب المغلقة.
واصبح ليوحنا المعمدان مكانين على نهر الأردن، وبعد الاكتشاف الجديد فان هنالك مكانا آخر مرشحا في حالة اعتماده من وزارة السياحة الإسرائيلية، أن يثير مزيدا من الخلاف، وتقاذف لراس يوحنا المعمدان الذي لم يجد مكانا يوضع فيه منذ أن قدم على طبق لسالومي الجاسوسة الغانية، التي ربما كانت أول امرأة في التاريخ استخدمتها مخابرات قومها لإنجاح عملية اغتيال.