قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد الخامري من صنعاء: للعيد معان سامية عند اليمنيين، وتقاليد فريدة يتفردون بها في استقباله وتوديعه، واستغلاله في السلام على الأهل والجيران وصلة الأرحام والتزاور فيما بينهم البين وتفقد أحوالهم المادية والاجتماعية، والتوسيع على الفقير والتعاطف معه، فالعيد فرحة متأصلة في قلب كل إنسان مسلم، وهو مناسبة موغلة في القدم فمنذ أن تشكلت البشرية وأخذت ترتقي السلم الحضاري، وهو سنة من سنن الكون التي حددها الله بمواقيت، وجعل لها محطات للترويح عن النفس عند كل مناسبة سعيدة وسمّى تلك المحطات أعياداً لأنها تعود إليها كلما عادت.
وها نحن في رحاب عيد يحمل العديد من المعاني السامية والتقاليد الفريدة لليمنيين، إنه عيد الأضحى المبارك، الذي نتنسم عبيره الفواح من أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين، ومن وقوف الحجاج بالمشاعر المقدسة.
ويقال هنا في اليمن ان الله قد جعل العيد لنعود بذاكرتنا للعام الذي مضى وتصرم من حياتنا لمراجعة الذات ومحاسبة النفس من خلال النقد الذاتي معها، أي انه دعوة للتقويم والبناء الجديد من اجل الارتقاء والسمو النفسي والأخلاقي والإيماني.

العيد في اللغة
اتفق أهل اللغة بأن مصدر العيد هو العود، فيقولون: عاد إليه يعود، عودة وعوداً أي بمعنى رجع، ويقال في المثل عاد فلان والعود احمد، وقد عاد له بعد ما كان اعرض عنه.
والمعاد: المصير والمرجع، وتسمى الآخرة يوم المعاد: معاد الخلق.
والمعاودة: الرجوع إلى الأمر الأول، كم يقال في المثل العربي: الشجاع معاود لأنه لا يمل الرأس، وعاوده في المسألة أي سأله مرة بعد أخرى ويقال: عد فإن لك عندنا عوداً حسناً ـ أي ما تحب ـ والعائدة: العطف والمنفعة كما يقال: هذا شيء أعود عليك من كذا ـ أي أنفع ـ وفلان ذو صفح وعائدة ـ أي ذو عفو وتعطف.
أما العود: فمن الخشب مفرد عيدان أو أعواد، وعاد: قبيلة قوم هود (عليه السلام) وشيء عادي ـ أي قديم كأنه منسوب إلى قوم عاد.
أما العيد: فهو ما اعتادك من همّ ومسرة والعيد مفرد أعياد، وإنما جمع بالياء واصله بالواو للزومها بالمفرد وذلك للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقد عيّدوا ـ أي شهدوا العيد.

العيد في حياة اليمنيين
تعتبر مناسبات الأعياد من أهم المناسبات الاجتماعية لما يسبقها ويصاحبها من نشاط روحي خاص بالكبار، ومن تشوق وترقب من قبل الصغار وعادة ما تكون العادات والتقاليد الخاصة بالأعياد في الشعوب العربية والإسلامية متشابهة تقريباً إلى حد ما إلا في بعض التفاصيل الصغيرة، وعيد الأضحى مناسبة للحصول على ملابس جديدة لأفراد الأسرة خصوصاً الأطفال، كما هو الحال في عيد الفطر أيضا.
فبالنسبة للأطفال يكون العيد هو موعدهم مع الفرح والبهجة، والثوب الجديد الذي يتم شراؤه للأطفال في أيام العيد فقط خصوصا مع الأوضاع الاقتصادية البائسة التي وصل إليها المجتمع اليمني، فيتغنون بالعيد قبل مجيئه.
ويعبر اليمنيون عن فرحتهم وابتهاجهم بقدوم الأعياد بصور شتى، ويتمثل الاستعداد بتهيئة الملابس الجديدة وتنظيف المنازل والأثاث وصناعة الكعك والحلويات وتباتيك العيد التي تقدم للضيوف عند مجيئهم للسلام، ويأخذ السلام تقليدا أصيلا لا تتم فرحة العيد إلا به، بل يعتبر عند اليمنيين أهم الطقوس الدينية المفروضة في مناسبات العيدين الفطر والأضحى، وطريقته أن يقوم الرجل اليمني بعد أداء صلاة العيد بالذهاب إلى جميع أرحامه وأقاربه من النساء المزوجات إلى بيوتهن لا فرق بين كبيرة وصغيره طالما وهي من رحمه (من قرابته) ويذهب للسلام عليهن والسؤال عن أحوالهن، وتقتضي حالة السلام أن يقدم الرجل مبلغا للمراة التي يزورها ويسمى (العسب) ولا يشترط فيه مبلغا معينا، كلُ حسب طاقته وسعته، وعند مجئ الرجل لزيارة قريبته التي تكون قد استعدت من قبل العيد بيومين او ثلاثة أيام بتجهيز الكعك والحلويات التي ستقدمها لأهلها والزائرين في العيد، وهذا تقليد مفروض على النساء اليمنيات حيث يقمن في اليومين الأخيرين من ما قبل العيد بتنظيف المنازل والسطوح ورش الأرض بالماء ونفض الحصر والبسط، وغسل ما يمكن غسله منها، وترميم الوسائد والمخدات وغرف الجلوس وشراء الجديد منها وعمل المأكولات الخفيفة والحلويات التي تقدم للضيوف والمسلمين يوم العيد، كما يبادرن بجلي دلال القهوة وتلميعها وتحميص كميات كافية من البن وإعدادها خصيصاً لمناسبة العيد.
إضافة إلى ذلك فان هناك بعض السلع التجارية التي تزدهر في الأعياد بيعا وشراء يأتي على رأسها البخور وخصوصا (العود)، حيث يحرص اليمنيين على شراء كمية كبيرة منه.

ليلة العيد
ليلة العيد تمثل ليلة استثنائية في حياة اليمنيين جميعا نساء ورجالا وأطفالا حيث لانوم في هذه الليلة، بل سهر متواصل الى طلوع الفجر، أما الأطفال فلهم طقوسهم المختلفة، حيث انه وقبل يوم العيد بخمسة أيام تقريبا يبدؤون بحسب الحسابات لذلك اليوم المهيب في حياتهم حيث اللهو والمرح والعيدية والملابس الجديدة واكل ما لذ وطاب من الحلويات والمأكولات التقليدية، وما أن تأتي ليلة العيد حتى يبدأ الأطفال بالتجمهر على سطوح المنازل حيث يوقدون النيران وذلك على أكوام صغيرة من الرماد بعد رشها بالجاز فتجدهم يرفلون ويلعبون حول مشاعلها في بهجة بالغة يفرقعون في الهواء أصابع الطماش (نوع من الألعاب النارية) والمفرقات الضوئية ويرددون عبارات الترحيب بالعيد ويعبرون عن ابتهاجهم به، كما تحرص النساء في ليلة العيد على التخضب بالحناء ونقش أيديهن وأرجلهن به، وتزدحم محلات الحلاقة في الأيام التي تسبق يوم العيد بالرجال والشباب والأطفال الراغبين في حلق شعورهم ولحاهم وتزيينها، كما تعتبر الأعياد موسما تجاريا مربحا للباعة بمختلف تجاراتهم ومهنهم حيث تزدهر الأسواق وتزدحم ويدب النشاط فيها خصوصا في الأيام التي تسبق يوم العيد وتصل ذروة الحركة التجارية ليلة العيد.

يوم العيد
يخرج اليمنيون صبيحة يوم العيد مع أطفالهم، وقد ارتدوا أبهى حللهم الجديدة إلى المسجد او المصلى وما يعرف باليمن بـ"الجبانه" لأداء صلاة العيد وهم يرددون تكبيرات العيد جماعة ويرددها معهم صدى الجبال في الأرياف اليمنية المعروفة بجبالها الشامخة، وفي تلك الأثناء وهم في طريقهم الى مصلى العيد يبدأ الجميع بالمعايدة على كل من يلتقون بهم من أبناء القرية، والذين يخرجون مع صغارهم بثيابهم الزاهية متطيبين بالطيب وأغصان الريحان التي يضعها البعض على رؤوسهم ويتعممون عليها، حتى إذا وصلوا إلى مقربة من الجبانة "مصلى العيد" التقوا بمن سبقوهم من أبناء القرية، حيث تجري المعايدة بين الجميع ويتبادلون عبارات التهاني بقولهم: "عادكم الله من السالمين والغانمين، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال" أو "من العائدين ومن السالمين، عادكم الله كل عيد" ثم يبدأ كل واحد منهم بامتشاق سلاحه الآلي وإفراغ ما فيه من رصاص دفعة واحدة كنوع من البهجة والتباهي وكسر الجمود، ورغم أنها عادة خطرة إلا أنها تجعل للعيد معنى وطعما آخر، وتكسر الهدوء والرتابة في حياة اليمنيين، ولو أنها قد بدأت تضمحل قليلا في بعض المناطق اليمنية نظرا لمحاربة الدولة عادة إطلاق الرصاص، إضافة إلى غلاء سعر الرصاص.
وبعد قضاء الصلاة تدب الحركة بين الناس بالتزاور فيما بينهم، حيث تبدأ الزيارات بالنسبة للرجال والنساء بزيارة الجيران، ويكون الأبناء قبل ذلك قد قاموا بالمعايدة على والدهم ووالدتهم وبعضهم البعض بالمصافحة بالأيدي أما والديهم فيقومون بتقبيلهم في الركبتين وهي طريقة تعبر عن معاني الطاعة والخضوع من الأبناء لآبائهم، وخصوصا الآباء الذين يتم تقبيلهم بهذه الكيفية في المصلى أمام الناس جميعا، ومهما كان الابن كبيرا في السن او المنصب او التجارة فانه يأتي لوالده في المصلى ويخر على ركبة والده ليقبلها ثم يمسك بيده ويقبلها أيضا وبالمقابل فان الاب يضع يده على راس ابنه ويدعو له بالخير والعافية وغيرها من الدعوات الصالحات.
ثم تجتمع الأسر في منزل أكبرهم سناً أو أكثرهم وجاهة ويتبادلون التهاني بالعيد ثم يتناولون القهوة العربية وبعض أنواع الحلويات والمعجنات، وبعد ذلك ينطلق الناس لتهنئة بعضهم بالمناسبة السعيدة فتمتلئ الطرقات بالأطفال تزينهم الملابس الجديدة وقد بدوا في حال من الفرح والهناء والسرور، فعلاوة على فرحتهم بالحلل الجديدة تزداد فرحتهم بحصولهم على (العيدية) وهي عبارة عن نقود أو مكسرات وحلوى.
ويستمر التزاور بين الناس حتى حلول صلاة الظهر، حيث تحرص العائلات والأقارب والأصدقاء على تناول طعام الغداء سوياً، ثم يخلدون لقليل من النوم لاسيما وأن أفراد العائلة قد سهروا ليلة العيد مثلهم مثل الآخرين.
وتعد الأعياد فرصاً مثالية لتصافي القلوب وإنهاء الخصومات والأحقاد وتلاقي كل أفراد الحي او القرية او الحارة.
كما ان من العادات المتصلة في اليمن هو اجتماع سكان القرية الواحدة لذبح الأضاحي ثم يوزعون لحومها على الجيران والأصدقاء، والجلوس في مجالس طيلة أيام العيد لتبادل الحكايات المختلفة.
وتختلف عادات العيد في اليمن بين المدن والقرى، حيث تأخذ هذه العادات في القرى طابعاً اجتماعياً أكبر، عبر التجمع في إحدى الساحات العامة، وإقامة الرقصات الشعبية او فيما يعرف عند اليمنيين برقصة البرع، فرحاً بالعيد.