أسامة العيسة من القدس: ينتظر الفلسطينيون والإسرائيليون ما يعتبرونه تصعيدا جديدا في قضية قديمة تتعلق بما يطلق عليه اليهود (هيكل سليمان) الذي يصفه الفلسطينيون والعرب والمسلمون ب"المزعوم".
ولا تخفي المجموعات اليهودية المتطرفة نواياها بهدم المسجد الأقصى المبارك لإقامة هيكل سليمان، وهي نوايا قديمة تعود خطواتها العملية لأكثر من قرن من الزمان، كانت سنواته عاصفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وتتجه أنظار المهتمين من الجانبين إلى مباني الأمة في القدس، حيث من المتوقع أن يشهد يوم الأربعاء المقبل 25 كانون الثاني (يناير) مؤتمرا يشارك فيه يهود من مختلف أنحاء العالم لبحث مسالة التعجيل في بناء الهيكل الثالث.
(من كارولينا إلى القدس)
وحسب ما تنشره الصحف الإسرائيلية، فان عرابة هذا المؤتمر هي اميركية عمرها 42 عاما تدعى اورلي بني ديفيس التي وصلت إلى إسرائيل لتشرف بنفسها على ترتيبات المؤتمر الذي تموله من جيبها الخاص، مثلما يفعل كثير من اليهود الاميركيين في دعم نشاطات استيطانية، ووصل التطرف لدى جماعات اميركية يهودية إلى حد أنها شكلت دفيئات لغلاة المتطرفين اليهود الذي يقودون النشاطات الاستيطانية والإرهابية ضد الفلسطينيين ومن بينهم الدكتور باروخ غولدشتاين الذي نفذ قبل نحو عشرة أعوام مجزرة في الحرم الإبراهيمي في الخليل ضد المصلين، ويعتبر قبره في مستوطنات كريات أربع شمال الخليل، مزارا للجماعات المتطرفة.
وتعيش ديفس في جنوب كارولينا، واستطاعت تجنيد أكثر من عشرين منظمة يهودية تتفق على أهمية بناء الهيكل الثالث.
ورغم ما نشاط الاميركية ديفس فان الحكومة الإسرائيلية التزمت الصمت، رغم ما يمكن أن يثيره المؤتمر والنشاطات التي سترافقه من حفيظة الفلسطينيين.
وتعتبر خطوة ديفس، وهي صديقة لوزير الخارجية الإسرائيلي وناشطة في الحزب الجمهوري، الأحدث في النشاط اليهودي بشان مسالة الهيكل، وهو نشاط يعود إلى سنوات طويلة.


دين وآثار
ويزعم حاملو لواء بناء الهيكل بان الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب بنى المسجد الأقصى على منطقة جبل موريا في القدس في مكان الهيكل المهدم.
وتم البناء بعد أن هزمت الجيوش العربية، فلول الإمبراطورية الرومانية في معركة اليرموك، وحضر عمر بن الخطاب بنفسه ليتسلم مدينة القدس من البطريرك صفرونيس، وعندما قرر بناء المسجد الأقصى، تم البناء في المكان المعروف به المسجد الأقصى اليوم وكان عبارة عن مكب نفايات لأهالي المدينة آنذاك.
وبعد النشاط الأثري الذي بدأته بعثات أثرية أجنبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ظل الدولة العثمانية، فان الأثريين الذين نقبوا في الأرض المقدسة اعتمدوا على الكتاب المقدس في بحثهم وتنقيبهم في المدن الفلسطينية ومن بينها القدس.
ولكن الفشل كان حليفهم، فلم يجدوا في المناطق التي نقبوا فيها الأماكن التي تحدث عنها الكتاب المقدس، ومع ذلك فان بعضهم وضع رسما مجسما لهيكل سليمان كما تصوره.
ووجدت الحركة الصهيونية التي كانت بدأت تخطط بقيادة صحافي نمساوي هو ثيودر هرتسل للاستيطان في فلسطين، في المجسمات التي وضعت للهيكل سندا لدعاو لها في الأرض المقدس.


رمز وعنف
أصبح إعادة بناء الهيكل رمزا للحركة الصهيونية وأدى ذلك إلى وقوع اضطرابات شديدة بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني أبرزها ما حدث عام 1929م.
فبتاريخ 15 آب (أغسطس) 1929، قاد متطرفون صهاينة من مدينة تل أبيب مظاهرات إلى الحائط الغربي للمسجد الأقصى الذي يطلق عليه المسلمون البراق بينما يسميه اليهود حائط المبكى، وكانت المناسبة كما ذكرت المنظمات الصهيونية التي نظمت تلك المظاهرات هي ذكرى تدمير هيكل سليمان.
ورفع المتظاهرون اليهود أعلامهم وشتموا المسلمين، وكل ذلك بحماية الجيش البريطاني، وأدت تلك التظاهرة إلى ردود فعل، فنظم الفلسطينيون مظاهرة أخرى في اليوم التالي، بعد صلاة الظهر في الحرم الشريف، إلى حائط البراق، وحرق المتظاهرون منصة لليهود وحرقوا الأوراق التي يضعها اليهود في شقوق الحائط.
ووقعت اضطرابات في الأيام التالية، هي ما أطلق عليها اسم ثورة البراق، سقط فيها أكثر من 300 شخصا من اليهود والعرب.
وكان لهذه الاضطرابات صدى عالميا، خصوصا في بريطانيا نفسها، التي شكلت لجنة لتقصي الحقائق وخرجت بنتيجة أن الفلسطينيين "أدركوا أن الهجرة اليهودية ليست مجرد تهديد لحياتهم فحسب، بل هي نذير بطموح اليهود إن يصبحوا أسياد البلاد".


تنقيب دموي
وبعد حزيران 1967، واحتلال ما تبقى من فلسطين، وأصبح "اليهود أسياد البلاد" بدت مسالة بناء الهيكل اقرب للتحقيق.
ولم يضيع الإسرائيليون وقتا، حيث أوقفوا جميع تصاريح التنقيب على الآثار الممنوحة من الحكومة الأردنية لبعثات أجنبية وبدأوا ما يمكن اعتبارها اكبر حملة تنقيب تحت وفي محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة بالقدس.
وحفرت أنفاق عديدة وكشفت تلك التنقيبات عن آثار أموية ومملوكية وعباسية وكنعانية ورومانية وبيزنطية، وفشلت، كما قال أثريون إسرائيليون أكثر من مرة في العثور على أساسات هيكل سليمان.
ولكن ذلك لم يمنع من الاستمرار في البحث، مع إعلان جماعات يهودية تتزايد باستمرار نيتها هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، وتنظم هذه الجماعات تظاهرات ومسيرات مستمرة إلى محيط الأقصى، وتمكن كثير منهم من الدخول للحرم القدسي وإشعال النار فيه أو الاعتداء على الحراس والمصلين.
وارتكبت القوات الإسرائيلية ما اعتبر مجازر ضد المصلين في الحرم خلال السنوات الماضية، وأدى لفتح احد الأنفاق عام 1996 إلى انتفاضة عرفت باسم (انتفاضة النفق) قتل فيها نحو 70 فلسطينيا.
وما زال التوتر مستمرا والذي لم يكن بحاجة للاميركية ديفس لتثيره أكثر.


الحرب المقبلة
ومن الذين اهتموا بديفس الصحافي الإسرائيلي حاييم لفينسون الذي نقل عنها قولها أنها تعتقد بان القدس هي أساس دولة اليهود، وانه لا يجب أبدا التساهل في قضية جبل الهيكل وتعني بذلك المسجد الأقصى.
ودعت إلى بناء الهيكل بالقوة و" فرض وقائع على الأرض، ومن المحظور القول أن القدس أراض محتلة، وليس هناك شيء اسمه الجدار الغربي، الجدار الغربي هو أحد جدران الهيكل "، في إشارة إلى حائط البراق.
وأضافت " القدس والهيكل هما الأساس في العودة لأرض إسرائيل والقدس هي عاصمة إسرائيل "
ومن اجل ذلك تعمل لان تكون قضية بناء الهيكل قضية رئيسة ولا يتم ذلك إلا بالاستيلاء على كامل القدس وطرد العرب منها، كما تقول.
ولا تغفل ديفس المردود الاقتصادي لإعادة بناء الهيكل وتقول "إن لبناء الهيكل سيكون مردوداً اقتصادياً مهماً لإسرائيل، ويمكن تسويقه سياحيا بشكل واسع، مقارنة ذلك بحاضرة الفاتيكان في ايطاليا التي يزورها الملايين من البشر سنويا ".
وتضيف "الهيكل والقدس أرض مقدسة، ويمكن تسويق الهيكل عالمياً فهو كنـز يجب استغلاله بالشكل المناسب وهذا ممكن جدا ".
ولا يعرف عن ماذا سيتمخض عنه مؤتمر مباني الأمة يوم الأربعاء المقبل برئاسة الاميركية ديفس، إلا انه يدق ناقوس الخطر من جديد حول قضية تعترف ديفس نفسها بأنها "قد تؤدي إلى حرب عالمية إذا جرى هدم الأقصى".
وربما تبالغ ديفس، إلا أن ذلك لا يمنع من إشارة عدد من الصحافيين الاسرائيلين إلى خطورة نشاط الجماعات التي يطلقون عليها باسم (جماعات الإرهاب اليهودي) ليس على الفلسطينيين فقط ولكن على دولة إسرائيل.
وحذرت برامج تسجيلية بثتها محطات تلفزة إسرائيلية عن نشاطات هذه الجماعات مما وصفته بـ "الحرب القادمة" التي تحملها هذه الجماعات إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي تتزايد فيه مظاهر العنف بشكل كبير، وتظهر الجماعات المتطرفة نشاطا ملحوظا مثل ما تعد له لعرقلة خطة إخلاء مستوطنات قطاع غزة.