يهود البحرين قدموا منذ العام 1862


ريم خليفة من المنامة:قال احدهم يوما لصحافة الاميركية وتحديد مع واشنطن تايمز " اعتبر نفسي يهودي بحريني...وانا فخور بذلك".
استشهدت بهذه الكلمات لانه عندما ياتي الحديث عن يهود البحرين...تنجلي فجاة اسارير الغرابة على وجوه الوافدين الى المنامة بل وحتى مع بعض البحرينيين ممن يجهلون تركيبة اهالي العاصمة القديمة.
بل وتزداد حيرتهم عندما يعلمون ان هناك طوائف اخرى للبحرينيين من المسيح والصابئة والزرادشتية وغيرهم.
لكن الحقيقة ان ازقة المنامة ضمت في احياءها المسلمة منها اسرا من هذه الطوائف التي عايشها المناميون لسنوات طويلة دون مناطق البلاد الاخرى.
لهذا فان المناميين اكثر معرفة في هذا الجانب فمدينتهم التي يبلغ عمرها 683 سنة هي مدينة ترمز للخليط الثقافي والديني وهو ما يميز البحرين عن دول الجوارمنذ القدم.
وان اختلطت بعض الاوراق اليوم بسبب تفشي ظواهر دخيلة ساهمت في تغيير هذه المنظومة الاجتماعية الا ان اهل المنامة تعايشوا مع ذلك في روح اتسمت بالتسامح مما شغل بال البريطانيين المنتدبين في الماضي واثار تساءلهم عن سر وجود هذه الاجواء في بلد صغير الحجم كالبحرين. "الوسط" استندتا في هذا التحقيق على مصادرعدة منها ارشيفية موثقة واخرى من ذكريات الاقدمون...فقط من اجل ان تكشف وجه البحرين الاخر المتمثل بحياة وذكريات اهل المنامة مع اليهود...ويهود البحرين ليسو تاريخ فقط بل حقيقة معاشة ولهم تمثيل معين في مجلس الشورى البحريني حالهم كحال الاثنيات الاخرى التي تشكل تركيبة المجتمع البحريني.

تاريخ يهود البحرين

يرجع عمر يهود البحرين الى العام 1872 حسب الوثائق البريطانية بينما وثيقة محلية لمندوب بريطانيا المحلي للحاج عبدالنبي محمد علي صفراشارت الى ان وجودهم يرجع الى العام 1862،حيث ذكرت الوثيقة الى احدهم ويدعى" نسيم اليهودي" صاحب اشهر بقالة في المنامة انذاك لكن يقال بأن احد احفاده قد هاجر الى السويد ويعتبر اليوم اشهر تاجر لبيع السجاد الفاخر من اصل بحريني يهودي يقطن في مدينة مالمو بجنوب السويد.
فيهود البحرين اغلبهم قدموا من مدينتي البصرة وبغداد بالعراق ومن مدينة بوشهر الساحلية في ايران وكانت اعدادهم لا تزيد عن 500 شخصا و عمل معظمهم في التجارة والصرافة والعقارات.
وبالعودة الى ما كتبه الرحالة البريطاني لوريمر في كتابه الشهير " دليل الخليج"فان "اعداد اليهود في البحرين كانوا خمسة اشخاص في القرن التاسع عشر لكنها تزايدت مع بداية القرن الماضي اذ تمركزوا في البداية عند مسجد الجامع وفي محيط سوق الحراج اذ كانت تعيش وتتمحور البحرين هناك بكل انشطتها الاقتصادية والشعبية".
" اليهود استاجروا ثلاثة دكاكين من فندق اليماني وفي احدها كان اليهودي كورجي يبيع اسطوانات وهو واحد من ثلاثة لهم الفضل في ادخال هذه التجارة الفنية في البحرين".
بعد ثلاثة عقود اشترى اليهود قرب سوقهم قطعة ارض في العام الهجري 1350 قبل ان يولد مشروع الفندق وهناك بنوا معبدهم " الكنيس" الذي مازال موجودا حتى وقتنا الحالي الذي يبلغ عمره اكثر من سبعة عقود وتعرض للترميم والتجديد اكثر من مرة.
لقد ظل الكنيس مهملا ومغلقا بسبب الاعتداءات الذي تعرض اليه بسبب تقسيم فلسطين اذ ظل مغلقا عن اداء الشعائر ما يقارب نصف قرن لكن عاد نشاطه في عهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة وهو يتوسط المنامة القديمة.
كما كانوا تجار اقمشة مهرة حيث كان يعرف سوق الاقمشة الموجود داخل المنامة بسوق اليهود الى جانب ان نساءهم كن يجيدن الخياطة واللغات من بينها الانجليزية حيث كانت زوجة المستشار البريطاني ماري جوري تستعين بهن في اللقاءات مع البحرينيات وفي كتابة بعض الرسائل لها الى العربية.
ولم تكن لليهود مدارس خاصة بهم في البحرين لكن عندما افتتحت اول مدرسة للارسالية الاميركية في العام 1899 كانوا هم اول الطلبة الملتحقين بها مقارنة بالطلبة المسلمين اذ بدات المدرسة بحسب الوثائق البريطانية بستة طلبة من بينهم طالبة.
بينما حدثت زيجة تزاوج واحدة بين يهودية ومسلم من البحرينيين اذ تخلت عائلة الفتاة عنها بعدما اعتقنت الاسلام وتزوجت من سائق اجرة.


حوداث المنامة

ولم يسجل التاريخ البحريني يوما أي مشاكل اجتماعية او سياسية خلال تواجد عوائل اليهود بكثرة في البحرين خصوصا وان معظم العائلات اكتسبت الكثير من الثقة والاحترام في مجال التجارة حتى نسائهن اكتسبن ذلك فبعضهن مثلا عملن كبائعات للعائلات الميسورة من خلال ذهابهن الى بيوتهم لبيع ادوات الزينة والاقمشة وغيرها حيث لم يكن من المقبول اجتماعيا ذهاب نساء هذه العائلات الى السوق للشراء مما ترتب عليه بناء صداقات حميمة بين النساء اليهوديات والعائلات البحرينية المسلمة.
وبحسب كلام بعض اهالي المنامة ذو الاصول الفارسية (فضل عدم الكشف عن اسمه) قد ذكر ل " الوسط" ان بعض العناصر هبت للانتقام من العائلات اليهودية المسالمة اذ خرجت في مظاهرات تنادي بضد اليهود بعدما احتلت فلسطين في العام 1948 فجالت شوارع العاصمة بل ووصل ببعض المتظاهرين الدخول الى بيوت العائلات اليهودية وقاموا بتكسير اثاثها الا ان بعض العائلات البحرينية المسلمة- طلب عدم الكشف عن اسمها- قامت على الفور بحماية هذه العوائل وادخالهم الى بيوتهم حتى هدأت الحالة.
واضاف معلقا: " ان ذلك ليس بغريب على المناميين الذين لطالموا عرفوا بتسامحهم مع الطوائف الاخرى من اهل البلد".
وتقول بعض المصادر بأن الحكومة انذاك استطاعت تدارك الموقف اذ اقترحت ان تعلن الشخصيات البارزة في المجتمع عن سخطها واحتجاجها على الشغب وما لحق باليهود البحرينيين من اذى.
غير انه بعد استقلال البحرين في العام 1971 سجلت حادثة غريبة ضد مجهول من قبل السلطات البحرينية عندما تعرض الصراف عزرا حسقيل للقتل داخل محله في العام 1973 وكان الحادث قد تم مع مدفع الافطار في شهر رمضان.
ومع ذلك فقد ترك القاتل مسدسه في المحل دون ان يسلب امواله رغم ان التهمة وجهت للجماعات الفلسطينية لكن رواية اخرى وهو ما تعتقده غالبية العوائل البحرينية اليهودية وهي ان بعض الاجانب اقتنص فرصة غلق السوق اثناء فترة الصيام ووجود محل صرافة واحد مفتوح ليسطو على خزنة المحل التي بالتاكيد كانت تحوي على اموال الصرافة غير ان هؤلاء لم يستطيعوا ان يحصلوا على الاموال بسبب فشلهم في اقناع عزرا بفتح الخزنة التي كان يعلم بارقامها الخاصة وبدلا من سلب الاموال قتلوه ثم فروا هاربين دون ان يجنوا أي شيء.


هجراتهم

غير ان اعدادهم تناقصت على دفعتين الاولى في العام 1948مع احتلال فلسطين اذ غادر قسم منهم طوعا الى خارج البحرين ومنهم من ذهب الى بريطانيا واخرون ذهبوا الى كندا والولايات المتحدة ويقال ان احدهم و يدعى صالح عزرا قد هاجر الى تل ابيب.
اما الدفعة الثانية فقد هاجرت في العام1967 أي بعد حرب حزيران وايضا طوعا اذ يقال ان تاجرا في مجال الكترونيات وووكيل شركة هيتاشي اليابانية يسمى جرجي قد غادر الى "اسرائيل" وهو حاليا يعمل في تجارة العقارات.
و اليوم يتواجد في البحرين حوالي 37 يهوديا ممن يعملون في مجالات الصرافة والتجارة العامة والاقمشة و العطورات العربية مثل عائلة نونو وروبين ويادكار وخضوري ومراد وغيرهم.
يذكر انهم مثلو في مجالس البلدية في اوائل القرن الماضي بينما حاليا يشغل احد ابناء عائلة نونو مقعدا في مجلس الشورى المعين ممثلا عن الطائفة اليهودية في البحرين.

صور في الذاكرة

عندما جالت " الوسط" و في احياء المنامة القديمة طارقة باب بعض من لا يزال يقطنها سائلة عما يتذكره كبار السن من ذكريات مع العائلات اليهودية فان كثيرا منهم تذكرها بصورة حميمية وبروح متسامحة مع الاديان والثقافات الاخرى التي قلما وجدناها اليوم في زمننا الملىء بالتطرف.
ومن بين هذه العوائل التي لها ذكريات مع اليهود بحكم الجوار في فريق " حي" واحد مثل بن رضي والهاشمي وآل شريف في فريق " الحطب".
اضافة الى العوائل الاخرى التي اقامت في فريق العوضية والحورة والفاضل وجميعهم كانوا يتمتعون بعلاقات طيبة معهم مثل عائلة اكبري وقاسم البنا وخليفة وامين وغيرهم.
فالناس يتذكرون جيرانهم اليهود وابوابهم الملاصقة لبيوتهم الى الاحياء التي كانوا يجولون فيها غير ان القليل والقليل ما وثق منها في الكتب لاعتبارات قد نعلمها او نجهلها حتى اليوم. ورغم ذلك فانه لولا الاسماء المميزة لليهود لربما ضاع تاريخ هؤلاء الذين تمتد جذورهم الى العراق وايران وهما دولتين لا يزالا تاثيرهما جليا على البحرين.
فالعلاقات كانت قائمة على العيش المشترك وهي ميزة جمعت كل فئات الشعب اي من الطبقات الفقيرة الى الطبقات الغنية.


ينشر بالتزامن مع " الوسط" البحرينية