خالد طه من الدوحة: كم يشعر المرء بالمرارة والالم حينما يستمع لبقايا إنسان عاش حينا من الدهر حياة عنوانها البؤس والشقاء، وتزداد معاناتك حينما تعجز عن مساعدته لا حول لك ولا قوة وتكتفي بتسطير تأوهاته على الورق لعلك بذلك تكون قد ساهمت ولو قليلاً في منع تكرار الماساة المجتمعية ( الطلاق) التي اشتد اوارها
في البلاد العربية قاطبة خاصة مع طغيان تيار المادة وتراجع القيم الموروثة النبيلة.

ان المشاكل الناتجة عن ابغض الحلال لا يقع في مصيدتها الا الاطفال الابرياء الذين لا ذنب لهم سوى
انهم ابتلوا بابوين لا يدركان المخاطر التي تهدد اطفالهما ولعل هذه الاسطر رسالة موجهة للاباء والامهات الذين ينتظرون دورهم للحاق بركب المطلقين ( بكسر اللام) والمطلقات (بفتح اللام) الذين قرروا الانفصال دون الاكتراث لهؤلاء الضحايا

قلوب صغيرة محطمة تمشي على الأرض لا تعرف الاستقرار أو الراحة تعيش في كنف اب لاه في حياته الجديدة وام تخلي مسئوليتها من اطفالها تتخلى عنهم انتقاما من ابيهم وبين هذا وتلك تاه الاطفال في معمعة الحياة الصاخبة وتحول بعضهم الى ادوات اجرامية تهدد سكينة المجتمع وامنه واستقراره.
وهناك شريحة قادتهم اقدارهم الى المؤسسات العقابية واخرى اصيبوا بامراض نفسية وعصبية خطيرة

ولنترك احدى الضحايا( فتاة بالغة ) تتحدث عن معاناتها من طلاق والديها فتقول:
انفصل والدي بعد ان استحالت العشرة بينهما، حيث زرعت الحماة «أم الزوج» المشاكل بين الزوجين فبدأت منذ حمل امي بي حيث طلب ابي من امي تحمل نفقات البيت الصغير فوافقت وغاظ ذلك الحماة، فبدأت تكيد المكائد لامي وتشعل النار بدلا من ان تطفئها ووصلت حياتهما إلى طريق مسدود، وولدت في هذا الجو المبوء وكانت هدية والدي لامي ورقة الطلاق ورمى كل أغراضها في الشارع وطردها في منتصف الليل بدوني وحاول أهل امي إصلاح الأمر دون فائدة وحرمانها من رؤيتي وتزوج والدي بأخرى وأنجب منها أطفالاً وأقنعني أن هذه أمها ولم يضع في حسبانه دورة الزمن ولم يخطر بباله ان التقي بامي واعرف الحقيقة واضافت الفتاة
بينما كنت أعد العدة لزيارة جدتي وكنت في الثانية والعشرين شعرت بقلق والدي علي من السفر وحدي مع انني اعتدت على السفر وحدي، ولم افهم مخاوفه في لحظتها، ومنذ وصولي وجدتي تحاول أن تمنعني من الرد على التليفون أو الخروج وحدي من البيت إلا بوجودها هي أو بوجود أحد من أعمامي، ولقد استغربت جدا من موقفها وسألتها تفسيرا لمخاوفها علي فقالت: البلد هنا صغيرة والكل قد يتكلم عليك لو خرجت وحدك فرضخت لأمرها ولم تقنعني مبرراتها وكان قلبي يحس بما سيحدث لي بعد ذلك، حتى جاء اليوم الموعود، حيث عزمت على عرس إحدى قريباتي، ولم تستطع جدتي يومها مرافقتي وشاءت الصدفة ان تجلس على المائدة إلى جانبي والدتي الحقيقية وهي لا تعرفني ولا أعرفها، فجاءت إحدى المدعوات وسلمت عليَّ وعرفت بعد ذلك أن أمي قد سألتها عني فذكرت لها اسمي واسم والدي فرجف قلب أمي وترقرقت عيناها بالدموع وحاولت الاقتراب مني دون ان أشعر، وانتهى العرس وعادت كل واحدة منا إلى بيتها، أنا إلى حضن جدتي لأروي لها ما حدث معي وما رأيت وأمي إلى حضن الدموع والآهات فابنتها كبرت بعيدا عنها ولم تعرفها ولم تتعرف هي ايضا عليها وبعد فترة اتصلت أمي بزوجة عمي تتوسل إليها ان تزورها في البيت ومعها أنا على شرط ألا تخبرني أنها أمي ولا تخبر جدتي لكي تراني وتتحدث إلى عن قرب وبالفعل زرت أمي واعتقدت انها صديقة زوجة عمي ولكن شيئا ما يحدثني بداخلي بأن لهذه السيدة صلة بي ولم اعرف كيف افسر مشاعر الارتياح التي تصيبني عندما أراها وأحببت الجلوس معها وزيارتها على الدوام توالت، حتى اقترب موعد سفري إلى والدي وهنا ازدادت حسرة أمي على فراقي للمرة الثانية وأنا كنت أشعر بعدم الرغبة في السفر، ونقلت أمي إلى المستشفى بعد ان ارتفع عليها السكري واتصلت خالتي بزوجة عمي واخبرتها بحالة أمي المزرية فما كان من زوجي إلا مصارحتي بحقيقة الأمر وركضعت مسرعة إلى احضان أمي ومزقت تذكرة السفر واتصلت بأبي واعلمته انني لن افارق أمي بعد اليوم وقررت العيش معها.
القصة التراجيدية الاخرى فيهي لباسل وريم فهما في عمر الزهور دفعا ثمن انفصال والديهما وكانت البداية مؤلمة، أم في أواخر الثلاثينيات من عمرها رفضت كل من تقدم لها إلى أن تقدم لها شاب من أسرة عريقة احبته أكثر من حبه لها وسبب ذلك عقدة عندها، فكانت تغار عليه كثيرا دمرت الغيرة حياتها الزوجية فهجرها واخذت تربي الطفلين إلى أن سمعت من أقارب لها بأن زوجها متزوج من أخرى وانجب طفلا، اخذتها الكرامة والكبرياء وذهبت إلى الزوج في بيته الثاني واعطته الطفلين وطلبت الطلاق وسافرت إلى بلدها، وحاول الأب أبو باسل ان يردها إليه لكنها عاندت ولم ترجع فطلقها وقال: من يوم ما رحلت وتركت البيت وأنا أمثل لطفلي الأم والأب في رعايتهما بكل جوارحي وضعتهما عند أمي حتى لا تتحكم زوجتي الجديدة فيهما وألبي جميع طلباتهما، في البداية كانا يسألان عن أمهما كثيرا ولكن بعد ذلك أيقنا سبب تخليها عنهما واصبحا لا يطيقان سماع اسمها ولا يردان على اتصالها مع انني لا امنعهما من التحدث معها، ولقد عرفت من بعض الأصحاب أنها تعاني فراق ولديها، فقررت ان ابعثهما إليها ولكنهما رفضا ذلك فهما متأثران من تركها لهما وهما صغار يحتاجان إلى حضنها ورعايتها وحبها.
والقصة الثالثة يرويها أب ضحى من أجل ابنته علمها وكبرها وزوجها وهي وهو ضحايا لأم جشعة تحب الفلوس أكثر من أي شيء آخر، رمت طفلة حديثة الولادة لتتزوج من رجل ثري وتسافر معه إلى بلده تاركة وراءها زوجا محطما ومخدوعا وطفلة فتحت عينيها ولم تجد أمها أمامها. يقول الاب المنكوب :
كنت أعمل في شركة خاصة وكان لي منصب كبير ومعاش لا بأس به أمنت لزوجتي عيشة رغدة وكنت ألبي لها كل طلباتها، فكانت سيدة مسرفة جدا اختفلت معها كثيرا وكانت خلافاتنا تصب حول اسرافها على مظهرها ولبسها فلا يتبق من المعاش ما يكفينا للأكل والشرب، فكنت أستلف من أصدقائي ولم تتغير حتى بعد الحمل وكانت تكره الطفل الذي في أحشائها لأنه سيخرب منظرها وسيزيد وزنها.. الخ، وطيلة شهور الحمل وصل الخلاف بيننا إلى ذروته فلطلبت الطلاق ولكن لا يمكن ان يقع الطلاق إلا بعد ان تنجب ومرت الشهور وحان موعد الولادة واخبرتني صديقة العائلة بأن زوجتي في المستشفى، ولقد انجبت لي طفلة جميلة فأسرعت هناك لأراها فوجدت الطفلة ولم أجد زوجتي وقلبت المستشفى عليها ولم أجدها فأخذت ابنتي وعدت إلى البيت وبعدها اتصلت بي لتخبرني بأنها في بيت صديقتها وهي تنتظر ورقة الطلاق وطلقتها وبعد انتهاء شهور العدة تزوجت من رجل ثري وسافرت معه وطيلة تلك الفترة لم تر ابنتها ولم تزرها وإلى الآن لا نعرف عنها شيئا وانقطعت اخبارها.
طفلة اخرى كانت ضحية لأب مستهتر وأم غائبة معظم الوقت منذ ان ولدت هذه الطفلة الجميلة وهي ترى كوابيس في منامها، كبرت في حضن الخادمة التي أصبحت بمثابة أم لها، امها تعمل في الصباح وفي المساء تمارس أنشطتها الثقافية، تذهب صباحا والطفلة نائمة وتعود مساءً وهي نائمة، وأب يذهب في الصباح إلى العمل وفي المساء على مجالس الأصدقاء والسهر لأوقات متأخرة من الليل وعندما يلتقي الأب والأم صدفة تحدث المشاجرات بينهما وكل واحد منهما يرمي بمسؤولية اهمال الطفلة على الآخر، وماذا كانت النتيجة أن الطفلة مرضت ذات يوم وارتفعت درجة حرارتها، الخادمة تدور في البيت وتتصل على جوال الأم مغلق لأنها تحضر ندوة، وجوال الأب مرمي في السيارة فهو لا يريد ازعاجا وهو سهران مع أصدقائه، الخادمة تذهب إلى من؟ إلى الجدة والتي بيتها بالقرب منهم وتذهبان بالطفلة إلى المستشفى فحالتها خطيرة وبدلا ان يقف الأب مع الأم لعلاج الطفلة تشاجرا، وكانت النهاية الطلاق وذهب كل واحد في اتجاه وظلت الطفلة عند جدتها التي قالت اخذت الطفلة عندي رغم خوفي ان يحين أجلي فماذا سيكون مصير الطفلة ابنتي سافرت لتأخذ شهادة الدكتوراة وطليقها لم نر وجهه من يومها وسمعنا انه سافر هو ايضا.
واضافت الجدة لكن الله كتب لهذه الطفلة ان تفارق الحياة، واعلمت ابنتي بالخبر، لكنها انهارت على الهاتف ولم تأت لرؤيتها للمرة لأخيرة في حياتها، ولم اكن اعلم انني سأنجب ابنة ذات قلب من صخر فدفعت هذه الطفلة ثمن استهتار اب وانشغال أم،
طفل اخر لم يتجاوز العاشرة ممن عمره، فهو أخ لثلاث بنات وولدين، تتحدث عنه امه فهي امرأة تزوجت من رجل يعمل في النجارة، بدأت حياتها معه ليس من الصفر بل تحت الصفر بمراحل.. جاءه الحظ دفعة واحدة، تحسنت حالته المادية وكأي محدث نعمة لم يتمرد إلا على زوجته رفيقة دربه وكفاحه فطلقها ليطلق كل الماضي ببؤسه وفقره تاركا لها مسؤولية ستة أولاد أكبرهن فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة زوجتها أمها من رجل غني ليعينهم على الحياة، لكن دائما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فحرمها الذهاب لأمها فلم ترها منذ سنين، أما الابنتان الأخريان فهما يساعدان أمهما في خياطة الملابس، والولدان الأخيران عاطلان عن العمل،
طفل اخر كره المدرسة من صغره بسبب انفصال والديه الذي جعله يشعر بالحرية لا رقابة ولا عقاب.. أم تجهل العالم الخارجي بخيره وشره، اجتمع على شلة أكبر منه سنا، حالهم ليس بأفضل منه أراد ان يساعد في مصروف البيت، لجأ إلى السرقة مع أصدقائه فأمسكته الشرطة ووضع في دار الأحداث وأخرجته أمه بواسطة، وتعهد ألا يعود للسرقة مرة أخرى وخرج، ولكن هذه المرة للشوارع والضياع يلهو ليل نهار، لا حسيب ولا رقيب ويعيش مهددا بالسجن ووضعه في الأحداث ان مسك مرة أخرى وهو يسرق
واعتقد ان هذه القصص جديرة بان تجعل الابوين المتشاكلين يعيدان حساباتهما قبل الاقدام على قنبلة الطلاق التي لا يحترق منها الا الاطفال الابرياء.