الوضع السياسي مغلق... والخوف من تفجير كبير
استعدادات لquot;أم المعاركquot; حول الرئاسة اللبنانية

إيلي الحاج من بيروت: مع انسداد الأفق السياسي الداخلي في لبنان بعد خطاب الأمين العام لquot;حزب اللهquot; الأحد الماضي ولجوء الحكومة إلى الأمم المتحدة طالبة تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي بقرار من مجلس الأمن ، سيكون من الصعب والمستبعد ان يعود الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الى بيروت لمعاودته وساطته بين الأفرقاء المتنازعين، خصوصا انه ينتظر أولا تطور العلاقة المتجددة بين المملكة العربية السعودية وسورية وتبلور توافق ثنائي بينهما في شأن لبنان . وسيكون من المتوقع والطبيعي تالياً ان يفقد التحرك السعودي الزخم الذي كان له قبل انعقاد القمة العربية، وان يكون خاضعا لمراجعة في الأسلوب والمضمون بعد انهيار تجربة الحوار على الأرض اللبنانية في اللقاءات الثنائية بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس كتلة quot;المستقبلquot; النائب سعد الحريري، وبعد تحفظ السعودية على نقل الحوار الى أرض المملكة حتى لا يكون بمثابة نقل للخلافات اللبنانية اذا لم يكن تتويجا لاتفاق واعلانا له.

لكن الوضع المقفل على الحلول، هو وضع مفتوح على الأزمات. والوضع المقفل سياسيا، هو وضع مكشوف ومفتوح على أخطار واحتمالات أمنية. ووضع متفلت من الضوابط والقيود التي حددتها الحوارات الداخلية والمساعي الاقليمية. واذا كان لبنان شهد منذ نهاية كانون الثاني/ يناير هدوءا أمنيا لم يقطعه إلا تفجير الحافلتين في عين علق يوم 13 شباط /فبراير الماضي، فإن هذا الهدوء لم يعد مضمونا وشبح التفجيرات والاغتيالات السياسية يخيم من جديد . وأقصى ما يمكن ان يطلبه اللبنانيون ويحصلوا عليه هو وضع أمني مستقر للحد من مضاعفات الأزمة والنزف الذي تتسبب به، وحتى تظل قدرة الصمود والتكيف مع الأزمة الطويلة متوافرة.

ومع خروج المحكمة ذات الطابع الدولي من التداول المحلي ومن إطار التجاذبات اللبنانية، ومع طي صفحة الحكومة وخروجها من دائرة المفاوضات والمساومات، بات للمعركة السياسية عنوان رئيس هو رئاسة الجمهورية، والبحث السياسي عن حلول في أي مبادرة او وساطة بات يتمحور من اليوم فصاعداحول الملف الرئاسي ، وتحديداً من يخلف الرئيس الحالي الممددة ولايته إميل لحود هذا الصيف.

ويمكن لموضوع الرئاسة ان يشكل مدخلاً الى الحل ومجالاً للتوافق الذي تعذر حول موضوع الحكومة، وذلك بعدما بات طرفا النزاع أسيري مواقفهما، وأصبح التراجع والتفريط بالأوراق السياسية صعبا قبل استحقاق الرئاسة. لكن موضوع الرئاسة يمكن ان يكون أيضاً مدخلا الى أزمة أكبر في لبنان إذا تعذر التوافق على شخص الرئيس المقبل وعلى برنامج العهد الجديد.

ويتقدم القلق على مصير الانتخابات بوضوح على موضوع الترشيحات، فليس السؤال في لبنان اليوم: من يكون الرئيس المقبل؟ بل إنه : هل تجري الانتخابات الرئاسية؟ وهل يتأمن انتقال هادئ وسلس للسلطة؟ حتى اليوم ليس هناك ما يدعو الى الارتياح والتفاؤل . فالأسباب التي حالت دون التوافق على رئاسة الجمهورية في مؤتمر الحوار الوطني قبل عام، والأسباب التي حالت دون التوافق على الحكومة منذ أشهر تظل قائمة حتى اشعار آخر.

وتتقدم إحتمالات المعركة في رئاسة الجمهورية على إحتمالات التوافق، وهي ستكون معركة نصاب قبل أي شيء آخر. والطرفان يستعدان لquot;أم المعاركquot; السياسية التي سيكون فيها خاسر ورابح، وستلعب فيها كل الأوراق. فتحاول الأكثرية ، أي قوى 14 آذار/ مارسquot; التقدم الى القصر الرئاسي في بعبدا لتعزيز موقعها في الحكم واقفال quot;حلقة مفقودةquot; ولتصحيح الخطأ الذي ارتكبته في ربيع ٢٠٠٥ بعد انتفاضة ١٤ آذار/مارس، وللحصول من خلال الانتخابات الرئاسية على ما لم تستطع الحصول عليه عن طريق الحوار والتفاوض في ربيع ٢٠٠٦.

وفي المقابل ستحاول المعارضة الحفاظ على موقع الرئاسة المحسوب عليها من خلال الرئيس الحالي لحود الذي شكل عاملا أساسيا من عوامل منع الأكثرية من إحكام سيطرتها التامة على الحكم والدولة. ومثلما جهدت الأكثرية في تأمين صمود الحكومة واستمرارها، سوف تجهد المعارضة في حماية الرئيس لحود حتى نهاية ولايته وفي إيصال رئيس جديد يؤمن استمرار الخط السياسي الذي يمثله لحود المتحالف مع النظام السوري في السراء والضراء حتى لو وقف ضده العالم أجمع.

ويبدو من اليوم أن الطرفين سيخوضان المعركة بسقف سياسي وتفاوضي عالٍ. فالمعادلة التي ترسمها المعارضة يمكن ان تكون: الجنرال ميشال عون رئيسا أو لا انتخابات . والمعادلة التي ستطرحها الأكثرية يمكن ان تكون : رئيس من فريق ١٤ آذار/مارس أو لا انتخابات . وفي الحال الثانية تسلم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مقاليد السلطة وصلاحيات الرئاسة.

هكذا تبدو الأزمة اللبنانية مفتوحة على التصعيد السياسي، وعلى جمود وركود في معطياتها وعناصرها الداخلية . ولا يعود هذا الطابع الانتظاري لهذه المرحلة الى انتظار الاستحقاق الداخلي الرئاسي فحسب، انما أولا الى الوضع الاقليمي الغامض والمتأرجح وسط تضارب في المؤشرات الموزعة على جبهتي الحرب والحوار. وبما ان الوضع في لبنان عاد شديد الارتباط والصلة بأوضاع المنطقة وأزماتها، فإنه ينتظر جلاء السياسات والخيارات الأميركية حيال ايران وسورية، وهو يتلقى بطبيعة الحال نتائج، وانعكاسات، أي حرب يمكن أن تقع، أو أي حوار يمكن أن يتحقق.

والواضح ان خلط الأوراق في الداخل اللبناني بات يستلزم حدثا أو تحولا اقليميا كبيرا ، وان اتجاهات الوضع في لبنان، انفراجا او تأزما، تحدده استحقاقات اقليمية لا داخلية . وأول هذه الاستحقاقات مؤتمر شرم الشيخ الذي سيعقد مطلع أيار/ مايو المقبل، وهو امتداد لمؤتمر بغداد الذي شاركت فيه إيران وسورية حول طاولة واحدة مع الأميركيين.