صدام حسين في ميلاده السبعين (4-4)
كان يحلم بالحلول ويحولها إلى أوامر

طفال في زيارة قبر صدام بذكرى ميلاده
زيد بنيامين من دبي: لم يكن الخوف من إيصال الأخبار السيئة إلى صدام حسين حصرًا على مساعديه، فحتى عائلته كانت تخاف من مثل هذه المهمة، ويقول أحد المسؤوليين إن في نهاية عام 2000 ورد إلى أسماع صدام أن هناك 70 ناقلة جنود عسكرية عاطلة عن العمل فامر صدام ابنه أن يحل المشكلة، وقال مهندسو الميكانيك في الحرس الجمهوري إنه بالإمكان إعادة عمل الناقلات لو توفر المال لذلك، وقد وافق قصي وتم تخصيص المال اللازم، وبعد انتهاء العمل أرسل قصي ممثلاً عنه من أجل فحص الناقلات، وقد وجد الناقلات في صفين متوازيين، بحيثكل صف يحتوي على 35 ناقلة، وكانتبدو الناقلات جديدة تمامًا، وقد تم طلاؤها حديثًا، ويضيف أنه بعد أن فحص قصي الناقلات، فإن فحصًا آخر كان يجبان يتم لمعرفة إن كانت قابلة للعمل، وتم طلب سائقين لقيادة جميع الناقلات إلى الطرف المقابل من الموقف الذي كانت فيه من أجل ضمان أنها كانت تعمل بالفعل، ولم تتحرك أي من الناقلات السبع، حينما وصل التقرير إلى قصي أمر بألا يتم إخبار الرئيس بذلك، حيث كان قصي قد أخبر أباه أن الناقلات عادت إلى العمل!، وفي النهاية طلب قصي عدم إعطاء أي أوامر إلى مهندسي الحرس الجمهوري من أجل إصلاح أي عربة عسكرية، لأنه كان يرسل التقارير من عنده تؤكد أنه قد تم إصلاحها.

لم يكن هذا السبب الوحيد وراء هذه الهزيمة النكراء في هذه الحرب، فقد اكتشف الأميركيون فيما بعد أن أتفه رسالة متبادلة بين أركان النظام يجب ألا تخلو من عبارات التمجيد والتطبيل لصدام وإنجازاته، بالإشارة إلى التعليمات المتعلقة بإجراء التدريبات الكبيرة في الوسط الجماهيري، وبالإشارة إلى الإيمان الراسخ بالله في قلوبنا، ودعم الله الدائم للمؤمنين والمخلصين الصامدين، وبكل الحب الذي نكنه للوطن العظيم وقائدنا العظيم، قائدنا العظيم الذي فاز بنصرة الله وحب الناس له في يوم الزحف الكبير، جنودكم المتحمسون من القوات المسلحه الشجاعة نفذت اليوم مناورة الصقر الذهبي رقم 11. وفي هذه الممارسة إختبرنا استعدادتنا وخطط المواجهة ضد أي محاولة للمس بأرض الحضارة وموطن الأنبياء والبعثات. هذه العملية هي الأكبر والأنجح في تحقيق النتائج المطلوبة. جنود من الفيلق الثالث والرابع قد شاركوا في هذه العملية. لكن الحقيقة هي أنه لم تسجل أبدًا في سجلات الفيلقين التي فحصت فيما بعد أي إشارة إلى هذه المناورات.

لكن مثل هذا النوع من المبالغات كانت متواجدة على كل مستوى في القوات العراقية عشية الحرب وكانت هذه البيروقراطية صفة رئيسة في كل رسائل النظام، في تعليمات عثر عليها يعود تاريخها إلى التاسع من آذار (مارس) من لواء الإمام الحسين في جيش القدس إلى إحدى المجموعات القتاليه : quot;المجموعة الثالثة، جيش القدس... وغيرها من التشكيلات المرتبطة به يقاتلون ببسالة، ووضعوا ثقتهم بالله عز وجل حتى النهاية ، إن شاء الله ستكون هزيمة العدو وانسحابه، نصرًا لنا نرضي به أصدقاءنا وأعداءنا لمحزونينquot;. وقال الضباط العسكريون في شهاداتهم فيما بعد، إن أربعة أسباب أخرى ساهمت في سرعة هزيمة العراق ألا وهي وصول أقارب الرئيس العراقي صدام للسلطة والجيش وصدور التوجيهات العسكرية من القيادة المدنية وتقييد السلطة العسكرية بالهم الأمنـي للنظام أولاً ومن ثم كانت المسؤولية الأولى للجيش العراقي هو تثبيت النظام أمام أي إنقلاب أكثر من الوقوف أمام الجيوش المحتلة.

مواجهة أميركا بعقل المواجهة مع إيران...

صدام حسين في ميلاده السبعين (2-4)

يطرت عليه رؤية نبوخذ نصر فأهلك العراق

في ذكرى ميلاد صدام السبعين (1-4)
الرئيس المنهك وخفايا غزو أميركا للعراق

أما كيف كان صدام حسين يتخذ القرارات في تلك الفترة، فقد كانت تلك حالة تستحق الدراسة، يقول أحد أقرب مساعديه في شهادته للجنة التحقيق الأميركية الخاصة، إن صدام حسين كان ينام بعيون مفتوحة كان مفكرًا عميقًا، كان يتأمل ليلاً في المشاكل التي يمر بها، ومن ثم ينام ليحلم بالحل، وينقلب الحلم إلى أوامر صباح اليوم التالي، وكان في بعض المرات يستشير عددًا من أفراد عائلته أو مستشاريه القدامى، ودائمًا ما كانوا يشيدون بحدس القائد، لقد اتخذ كل القرارات في تلك الحرب وحيدًا، كما كان الحال حينما قرر غزو إيران قبلها، معتمدًا على قراره الشخصي، فيما قيل إن قرار غزو الكويت إتخذ أيضًا وهو في إجازة في أحد قصوره خارج العاصمة بغداد بعد مناقشته مع حسين كامل فقط.

في خريف عام 1990، حينما كان العراق في عز الأزمة مع المجتمع الدولي قدم صدام حسين رؤيته الفريدة للولايات المتحدة وكيفية التصرف معها ففي جلسة مع المقربين في القيادة قال إن أميركا بلد معقد، فهو يحتاج إلى ما هو أبعد من عمل الإستخبارات، ولقد منعت المخابرات من الإستدلال على تفكير أميركا مما ينشر من الصحف أو الإعلام الأميركي، وأضاف: quot;وقد أخبرتهم أن ذلك ليس من شأنهم، لأن تلك التشكيلات (يقصد الإستخبارات) حينما لا تجد حقائق سرعان ما تبدأ بالأخذ من الصحف وهو ما يصلنـي أولاً بأول، لقد أمرت المخابرات العسكرية والمخابرات بعدم إعطائي التحليلات لأن تلك هي مهمتي وقد وافقت على الإستمرار بهذه الطريقة، وهي نفسها التي استخدمتها مع الإيرانيين حيث كان التحليل يأتي بالإعتماد على ما يأتي من داخل أراضي الخصم والثاني جمع النقاط من دون أن نملك أدلة قاطعة!quot;.

وقد سجل عن صدام حسين خلال مواجهات العام 1991 العسكرية بين التحالف الدولي والقوات العراقية سيل من الأوامر العسكرية شملت النواحي التفصيلة كالتدريب مثلاً في الوقت الذي كان من الصعب إيصال كل هذه الرسائل لوجهتها من إنطلاق اعتزازه بنفسه، وقد عثر على وثيقة عسكرية يعود تاريخها إلى العام 2002 (سري للغاية) تتضمن quot;إرشادات تدريبية للحرس الجمهوريquot;، ومن ضمن فصول الإرشادات فصل باسم كاتبه quot;صدام حسينquot;، كتب فيه: quot;يكلف الجنود بعمل ما يأتي، القيام بتدريبات تمكنكم من هزيمة العدو، تدريب جميع القطعات على السباحة (وهي رياضته المفضلة أثناء أوقات الضيق والهرب)، تدريب جميع القطعات على تسلق أشجار النخيل لكي يقوموا من فوقها بعمليات المراقبة متى ما احتاجوا إلى ذلك أو أعمال القناصة، وكذلك تدريبهم على استخدام الأسلحة الذكية (أي الأسحلة الشعبية مثل استخدام المصيادة باللغة العراقية الدارجة، وهي عبارة عن شكل خشبي بالحرف *Y* يتم ربط طرفيها بمطاطة ويتم وضع الحجارة وسطها لتطلق بعد سحبها إلى الخلف).

علي نجل صدام كامل في ذكرى أربعين جده
بعد حرب الخليج 1991 وبدل أن يعمل العراقيون من أجل الإستفادة من كل الدروس العسكرية التي مروا فيها وخصوصًا في الحرب البرية التي قدموا فيها عرضًا لا بأس به من خلال الدخول إلى الخفجي السعودية أو من خلال البقاء على أهبة الإستعداد لمقاومة القوات الأميركية بريًا في آخر 100 ساعة من المواجهات، لكن الجيش العراقي بفضل صدام حسين غرق في متابعة الأمور الهامشية، مثل كيف اتخذت قوات الحرس الجمهوري الإحتياطات من أجل تفادي الضربات الجوية، حيث أنه لولا هذه الإحتياطات، لعانت قوات الحرس الجمهوري خسارة كبيرة، ولكن عند مقارنة خسائرنا بالعدد الكبير للطائرات المقاتلة والقذائف المدفعية والقصف لجعل الجيش العراقي يخضع ولنجد هذه الخسائر تافهة.حيث أثبتت أن الحرس الجمهوري والقوات المسلحة تمكنت من تقليل خطر من الضربات الجوية. لكن التقرير لم يشر الى ماهية هذه الاحتياطات وبدل من ذلك ظل يطبل لها! وبقي منها مسألة حفر الخنادق او احراق آبار النفط او خزانات نفطية في الارض واخفاء قطعات الجيش العراقي اصبحت التكتيكات الوحيدة التي ورثها العراق كدرس من حربه الضروس عام 1991 وذهبت بقية التكتيكات ادراج الرياح.

قلة من قادة الجيش العراقي كانوا يعرفون المناحي التي يجب على الجيش العراقي استخدامها مثل السرعة والقيادة والسيطرة والمزايا المرنة للعدو كذلك لم يكتب أحد عن تدريبات القوات الأميركية، كانت كل التقارير التي تكتب يجب ألا تتضمن أي إشارة إلى تفوق القوات الأميركية على العراقية وحتى في التكنولوجيا العسكرية رغم أن صدام حسين كان قد وصف الأميركين بـ quot;عبدة الكومبيوترquot;، وقد أشار تقرير حزب البعث العربي الإشتراكي إلى الأداء في الحرب بالقول: quot;بعد تحرير أرضنا في الكويت، وبالرغم من حقيقة أن أكثر من 30 بلدًا برئاسة قوات الإحتلال الأميركي إندفع بجنون بمفاهيمنا فإن أداء الحرس الجمهوري كان بطوليًاquot;.

كان لصعود نجم الشيعة والاكراد بعد ثورتهم على الحكم في العراق في اعقاب حرب الخليج 1991 اثرها على صدام حسين حيث اصبحت سلامته الشخصية العامل الأهم في كل المواجهات التي تلت ذلك، وكان الرد على كلتا الإنتفاضتين، كما اسماها أصحابها هو إنشاء جيش فدائيي صدام ومن ثم جيش القدس، إضافة إلى قوات حزب البعث العربي الإشتراكي، إضافة إلى إطلاق حملة دينية واسعة الإنتشار، حينما بدأ صدام حسين تأثير الرموز الدينية على كلتا الانتفاضتين وما يثير الضحك أن هذه الجيوش الشعبية أثقلت العراق وتسببت في تقليل مخزون الجيش العراقي نفسه الرقم 1 في أي مواجهة مع أي عدو.

كانت الدعاية الرسمية العراقية تقول إن إنشاء مثل هذه الجيوش الشعبيةهي المواجهة مع العدو ولكن الوثائق التي عثر عليها بعد الحرب أكدت ما هو عكس ذلك وكانت مهمة تلك القوات حماية العراق من الأعداء الداخليين. جيش القدس كانت مهمته تفريق أي تجمع أو مظاهرة ضد النظام أثناء وقت الحرب، وقد وصل عدده إلى 500 ألف شخص، ويقول وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد عن هذا الجيش في معرض شهادته: quot;كان جيش القدس بمثابة وجع الرأس لنا، لم يكونوا مجهزين للحرب الحقيقية وإنشاؤهم كانت فكرة سيئة، كان على وزارة الدفاع تزويدهم بالأسلحة لتحويلهم إلى جيش حقيقي، ولكن الجيش لم يكن له سيطرة عليهم والأوامر الخاصة بهم تأتي من مكتب السيد الرئيس القائد وليس من خلال قنوات الإتصال العسكرية الرسميةquot;.