الخارجية الأميركية تصدر تقرير أنماط الإرهاب
إيران تتصدر اللائحة والقاعدة ما زالت خطرة
نبيل شرف الدين: أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي عن الإرهاب في العالم بعنوان quot;أنماط الإرهاب العالمي للعام 2006quot; الذي طرحت فيه بياناتها ومعلوماتها بشأن الأعمال والتوجهات الإرهابية في العام المنصرم، وقد اتهم التقرير إيران بأنها ما زالت أهم دولة راعية للإرهاب، وأنها ما زالت تهدد جيرانها وتزعزع استقرار العراق عبر تقديم الأسلحة والتدريب والتمويل لميليشيات، كما أكد أن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ما زال مصدر تحريض على الإرهاب.
كما اتهم التقرير أيضاً سورية، بأنها حاولت بشكل مباشر وأيضاً بالتنسيق مع حزب الله، تقويض الحكومة اللبنانية المنتخبة، واعترف بأن القاعدة والتحالف الفضفاض من الحركات المرتبطة بها يمثلان التهديد الأكثر آنية للأمن القومي الأميركي وتحدياً أمنياً مهماً للمجتمع الدولي. ويسلط التقرير الضوء على الاتجاهات العامة والقضايا المثارة في مجال الإرهاب، مركزاً على الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني (يناير) حتى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2006 ، ويستهل عرضه بإلقاء نظرة على مدى التقدم الذي تم إحرازه حتى الآن في مواجهة تهديد الإرهاب.
تقدم متفاوت
ما زال صراع المجتمع الدولي مع الإرهاب العابر لحدود الدول مستمراً بعد مرور خمس سنوات على 11/9. وقد أسفرت الجهود الدولية التعاونية عن تحسينات أمنية حقيقية- خاصة في تحقيق أمن الحدود والمواصلات والنقل، وتعزيز أمن الوثائق، وتعطيل تمويل الإرهاب، وتقييد حركة الإرهابيين. كما حقق المجتمع الدولي نجاحاً كبيراً في تفكيك المنظمات الإرهابية وتمزيق قياداتها. وقد ساهم هذا في تقليص قدرة الإرهابيين على تنفيذ العمليات وفي اعتقال أو مقتل العديد من القادة الإرهابيين الرئيسين.
ومضى التقرير قائلاً إن واشنطن سعت إلى إيجاد عاملين مع الحلفاء والشركاء في شتى أنحاء العالم من خلال التنسيق وتبادل المعلومات، بيئة أقل تسامحاً لقيام الإرهابيين بعملياتهم، فارضين على قادتهم إما التنقل بشكل متواصل أو الاختباء، ومقلصين قدرتهم على التخطيط للهجمات وتنفيذها. وقد لعبت كندا وأستراليا والمملكة المتحدة والسعودية وتركيا وباكستان وأفغانستان وشركاء آخرون كثر أدواراً رئيسة في هذا النجاح، إدراكاً منهم لكون الإرهاب الدولي يشكل تهديداً للمجتمع الدولي برمته.
وتعكف وزارة الخارجية الأميركية على العمل، من خلال المبادرة الإقليمية الاستراتيجية، مع السفراء وممثلي الوكالات الأميركية الحكومية المختلفة في مسارح عمليات الإرهابيين الرئيسة لتقويم التهديد واستنباط الاستراتيجيات التعاونية ووضع خطط العمل والتوصيات السياسية. وقد حققنا تقدماً في تنظيم الردود الإقليمية على الإرهابيين الذين ينشطون في مناطق لا تسيطر عليها أي سلطة أو عبر الحدود القومية. وقد أسفرت هذه المبادرة عن تنسيق أفضل داخل الحكومة بين وكالات الحكومة الأميركية، وعن تعاون أكبر مع الشركاء الإقليميين وفي ما بينهم، وعن تخطيط استراتيجي وتحديد أولويات أفضل، مما أتاح لنا استخدام جميع أدوات فن الحكم لتوطيد إجراءات طويلة الأمد لتهميش الإرهابيين.
إيران والعراق وأفغانستان
وبينما أكد التقرير أنه ما زالت هناك تحديات أساسية رغم هذا التقدم الذي لا يمكن إنكاره، غير أنه استدرك قائلاً إنه ما زالت هناك عدة دول تواصل رعاية الإرهاب. وما زالت إيران أهم دولة راعية للإرهاب كما أنها ما زالت تهدد جيرانها وتزعزع استقرار العراق عبر تقديم الأسلحة والتدريب والمشورة والتمويل لميليشيات شيعية عراقية مختارة. وقد حاولت سورية، بشكل مباشر وأيضاً بالتنسيق مع حزب الله، تقويض الحكومة اللبنانية المنتخبة، ونكص التقدم الذي تم إحرازه في مجال إحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط. كما تدعم سورية بعض البعثيين العراقيين والمقاتلين وقد واصلت السماح للمقاتلين الأجانب والإرهابيين بالدخول إلى العراق عبر حدودها.
وأسفر التدخل الدولي في العراق عن فوائد قابلة للقياس. فقد أطاح بنظام استبدادي فاسد له سجل حافل برعاية ودعم الإرهاب الإقليمي وأتاح بزوغ عملية سياسية ديمقراطية جديدة. ولكن الإرهابيين استخدموه أيضاً كشعار أطلقوه لحشد القوى لتحقيق التطرف والنشاط المتطرف الذي أسهم في زعزعة الاستقرار في الدول المجاورة.
وما زالت أفغانستان مهددة من قبل المتمردين من طالبان والمتطرفين المتدينين، الذين يرتبط بعضهم بصلات مع القاعدة ومع رعاة خارج البلد. وما زال الدعم الشعبي للحكومة الأفغانية كبيراً، بينما تزداد المؤسسات القومية قوة وتعتقد أغلبية الأفغانيين أنها أفضل حالاً اليوم مما كانت عليه في ظل حكم طالبان. إلا أن التغلب على التهديد الذي استعاد نشاطه يتطلب من المجتمع الدولي الوفاء بما تعهد تقديمه من مساعدة والعمل مع الأفغانيين على تعزيز قدراتهم على محاربة التمرد وضمان الحكومة المشروعة الفعالة والتصدي للزيادة في زراعة المخدرات.
وما زال النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني مصدر تحريض على الإرهاب، وقد شكل إجراء انتخابات حرة في الأراضي الفلسطينية مؤشراً سارًا على التحول إلى الديمقراطية، ولكن رفض حماس بعد ذلك نبذ الإرهاب أو قبول حق إسرائيل في الوجود المعترف به دولياً قوض تأثير الانتخابات. وما زال النشاط الإرهابي المنبعث من الأراضي الفلسطينية عنصراً أساسياً في زعزعة الاستقرار ومبعثاً للقلق.
وكانت الحرب التي اندلعت في الصيف الماضي في لبنان بين إسرائيل وحزب الله مثالاً بارزًا على الكيفية التي يمكن بها لمحاولات حزب الله المستمرة لاستغلال المظالم المستمرة في المنطقة المحاذية للحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية التصاعد بسرعة إلى حرب صريحة. وقد أجبر النزاع المجتمع الدولي مجدداً على المطالبة بنزع سلاح حزب الله تماما، في قرار مجلس الأمن الدولي 1701، وولد التزاماً دولياً مجدداً بدعم ديمقراطية تعيش وتتعايش بسلام ومستقرة ومتعددة الأديان في لبنان. ورغم ذلك، يواصل حزب الله المصنف كمنظمة أجنبية إرهابية، مع الدولتين راعيتي الإرهاب إيران وسورية، تقويض حكومة لبنان المنتخبة وما زال يشكل تهديدًا أمنياً خطرًا في الشرق الأوسط.
أحوال القاعدة
وقد تكيفت القاعدة والمرتبطون بها مع نجاحنا في تمزيق قدرتهم على القيام بعمليات من خلال تكريس مزيد من الاهتمام والموارد لجهود الدعاية والإعلام المضلل. وهم يستغلون ويفسرون تصرفات العديد من الجهات المحلية شبه المستقلة، مستخدمين إياها لحشد المؤيدين والمتعاطفين ولترهيب الخصوم والتأثير على الرأي العام الدولي. ويعتبر الإرهابيون العمليات الإعلامية جزءًا رئيسًا من جهدهم. ولم يحشد المجتمع الدولي حتى الآن رداً فعالاً منسقاً يتصدى لدعاية المتطرفين.
وبشكل عام، ما زالت القاعدة والتحالف الفضفاض من الحركات المرتبطة بها يمثلان التهديد الأكثر آنية للأمن القومي بالنسبة إلى الولايات المتحدة وتحدياً أمنياً مهماً بالنسبة إلى المجتمع الدولي. يمكن لحوادث إرهابية منفردة، كحادث تفجير مسجد الإمامين العسكريين في سامراء، في العراق، في 22 شباط (فبراير) 2006، الذي أثار عنفاً طائفياً واسع النطاق وغير سمة الحرب في العراق، أن تصبح الشرارة التي تشعل نزاعاً أوسع أو النموذج الذي يتم تقليده في هجمات تالية مشابهة. ونظراً لكون الإرهاب سياسياً بشكل أساسي، فإن الأهمية السياسية التي تتصف بها الأحداث الرئيسة أساسية لتحديد كيفية الرد عليها بطريقة ذات معنى. وبالتالي، فإن الاتجاهات العامة المقدمة في هذا الفصل تأويلية- وهي توفر تبصراً نوعياً يشكل تتمة للتعداد الإحصائي الذي تمت تغطيته في فصول لاحقة.
كانت الهجمات الإرهابية الأولى التي قامت بها القاعدة في معظمها على شكل حملات شنتها. فقد كانت المنظمة تختار وتدرب الإرهابيين في إحدى الدول، ثم تدخل سراً فريقاً إلى البلد المستهدف لشن هجوم على هدف تم التخطيط لمهاجمته مسبقا. وقد كانت عمليات تفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام في عام 1998، ومهاجمة السفينة (يو إس إس كول) في اليمن في عام 2000، وهجمات 11 أيلول (سبتمبر)، جميعها أمثلة على ذلك. وقد جعل تحسن أمن الحدود الدولية وأمن المواصلات والنقل وضبط الوثائق هذا النوع من العمليات أكثر صعوبة. فقد أصبح الإدخال سراً عبر الحدود أصعب، وعمليات الاستكشاف أكثر خطورة، وازداد احتمال اكتشاف أمر نقل الأموال والمعدات دولياً.
وشاهدنا بالتالي تحولاً نحو إرهاب حروب العصابات، الذي تسعى المنظمة فيه إلى تنظيم الفريق قرب هدفه، مستخدمة مواطني البلد المستهدف. ويُلهم الإرهابيون الخلايا المحلية، عن طريق الوسطاء والدعاية عبر المواقع الإلكترونية وإفساد ولاء الجاليات المهاجرة المغتربة، على القيام بهجمات يقومون من ثم باستغلالها لأغراضهم الدعائية. ويلتف هذا الأسلوب على ضرورة إرسال فريق عبر الحدود أو نقل الأموال أو الأسلحة سرا.
ويتواجد أسلوبا شن الحملات وحرب العصابات معا جنباً إلى جنب، إضافة إلى الإرهاب quot;المحلي المنشأquot; حيث تعمل الخلايا المحلية بصورة تلقائية دون إيحاء متعمد من إرهابيين من خارج البلد. وما زالت القاعدة والحركات المرتبطة بها غير متبنية لنمط واحد وحيد لا تحيد عنه، بل هي كثيرة التكيف تطور بسرعة أساليب جديدة رداً على الإجراءات المتخذة لمناوئتها.
الدعاية الإرهابية
كما أظهر تقرير الإرهاب في العالم لعام 2005، أن نجاح المجتمع الدولي في تعطيل قيادة الإرهاب وقدرته على تنفيذ العمليات أدى إلى تكريس القاعدة جهوداً أكبر للإعلام المضلل والدعاية المناهضة للغرب. وقد تسارع هذا الاتجاه العام هذا العام، واستغلت القاعدة لمصلحتها الذاتية مظالم مجموعات محلية وحاولت تصوير نفسها على أنها طليعة حركة عالمية. وما زالت القاعدة تمتلك بعض القدرة على تنفيذ العمليات كما أنها ما زالت مصممة على تنفيذ هجمات مدهشة واسعة النطاق، بما فيها هجمات ضد الولايات المتحدة وأهداف غربية أخرى بارزة. ولكن أسلوب القاعدة الحالي، بشكل عام، يركز على الحرب الدعائية، مستخدماً مزيجاً من الهجمات الإرهابية والتمرد والبث في وسائل الإعلام والدعاية على الإنترنت والتخريب لتقويض ثقة ووحدة المواطنين في الغرب وتوليد انطباع زائف بكونها حركة عالمية قوية.
استمر تحويل جاليات المهاجرين والشباب والأقليات المنسلخة عن المجتمع إلى التطرف في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا. إلا أنه اتضح بشكل متزايد أن مثل ذلك التحول إلى التطرف لا يتم مصادفة أو لأن مثل تلك القطاعات من السكان ميالة بالفطرة إلى التطرف. بل على العكس من ذلك ظهر مزيد من الأدلة على أن الإرهابيين والمتطرفين أثروا بطريقة غير قويمة بالضيم الذي يشعر به الشبيبة أو المهاجرون الذين يشعرون بالعزلة والانسلاخ عن المجتمع ثم استغلوا تلك المظالم لمصلحتهم الشخصية لتدمير السلطة المشروعة وإثارة الفوضى.
ويشكل مسعى الإرهابيين إلى استغلال المظالم quot;حزاماً دواراً ناقلاًquot; يسعى الإرهابيون من خلاله إلى تحويل السكان الشاعرين بالعزلة والانسلاخ أو الضيم إلى اعتناق أفكار متطرفة، ثم تحويلهم تدريجاً إلى متعاطفين، فمؤيدين، وفي نهاية الأمر، إلى أعضاء في شبكات إرهابية. وفي بعض المناطق، يتضمن هذا بذل القاعدة والإرهابيين الآخرين جهوداً لاستغلال التمرد والنزاعات بين فئات المجتمع المختلفة كأدوات لخلق التطرف والحصول على أعضاء جدد، خاصة من خلال استخدام الإنترنت لنقل رسالتهم. ويتطلب منا التصدي لمثل هذه الجهود معاملة المهاجرين والشباب لا كمصدر تهديد تنبغي حماية أنفسنا منه وإنما كهدف لجهود العدو التخريبية تنبغي حمايته ودعمه. كما أنه يتطلب من زعماء الجاليات المحلية تحمل مسؤولية تصرفات أبناء جاليتهم واتخاذ إجراءات تقاوم تخريب المتطرفين وتبطل مفعوله.
تمرد عالمي
تبرز الأحداث السطحية سالفة الذكر اتجاهاً عاماً أعمق: تحوُل الإرهاب الدولي من أشكاله التقليدية، التي قصد الكونغرس معالجتها عندما فرض وضع سلسلة quot;تقرير الإرهاب العالميquot; السنوية، إلى أسلوب أوسع متعدد الأنواع من الحرب العابرة للدول التي لا تشنها أي دولة والذي يشبه الآن نوعاً من التمرد العالمي. وقد دخلنا حقبة جديدة من النزاع قد تتطلب نماذج جديدة لاحتذائها وردوداً مختلفة عن تلك التي تطلبتها الحقبة السابقة.
إن القاعدة ومجموعتها القيادية الأساسية تمثل شبكة عمل عالمية تسعى إلى تجميع واستغلال التأثير الذي أحدثته جهات شبه مستقلة مبعثرة في منطقة واسعة جداً. وهي تصف نفسها صراحة بأنها حركة حرب عصابات تتخطى الحدود القومية وتطبق استراتيجيات التمرد التقليدية على الصعيد العالمي. وتستخدم القاعدة الإرهاب، ولكنها تستخدم أيضاً التخريب والدعاية والحرب الصريحة المكشوفة، وتسعى للحصول على أسلحة الدمار الشامل كي تلحق أعظم قدر ممكن من الأذى بخصومها. وهي تربط بين، وتستغل، أفراد جالية أكبر وأكثر غموضاً مؤلفة من القائمين بالعمليات الإقليميين والقوميين والمحليين الذين يشاركونها بعض أهدافها، ولكنهم يسعون أيضاً إلى تحقيق أهدافهم المحلية الخاصة. وأخيراً، تعمل القاعدة من خلال ملاذات آمنة إقليمية وعبر الحدود تيسر نشاطاتها بينما تعيق في الوقت نفسه رد الحكومات عليها.
ستتمكن القاعدة، إلى الحد الذي ستنجح فيه من تجميع هذه الكوكبة الأوسع من المتطرفين المنفذين لأعمال إرهابية في كتلة واحدة، من بدء القيام بهجمات إرهابية تفصل بينها فترات زمنية أقصر وفي منطقة جغرافية أوسع. ولذا يجب علينا التصرف لتفكيك أجزاء التهديد، من خلال التعاون الدولي والدعاية المضادة ومكافحة عمليات التخريب والإفساد ومكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب التقليدي.
ويقطع تفكيك الأجزاء حلقات السلسلة التي تستغل مظالم الناس العاديين وتؤثر فيهم محولة إياهم إلى إرهابيين. وهو يسعى إلى تزويد أولئك الذين تم دفعهم إلى التطرف بسبيل للخروج منه وإلى إيجاد سبل يمكن للمجموعات الشاعرة بالعزلة والانسلاخ استخدامها للحصول على إنصاف لشكاواها المشروعة بدون الانضمام إلى شبكة إرهابية. ويحرم تفكيك أجزاء التهديد القاعدة من هدفها الأساسي بتحقيق تزعمها لحركات متطرفة في جميع أنحاء العالم وتوحيدها في حركة واحدة. وهو لا يقضي على التهديد ولكنه يساعد في تقليصه إلى عناصر محلية أقل خطورة، يمكن للحكومات المنفردة والجاليات المحلية العاملة معاً معالجة أمرها.
الملاذات الآمنة
يقتضي مثل هذا التعاون إنشاء شبكات موثوق فيها لتحل محل شبكات المتطرفين وتهمشها. وفي حين أن قتل الإرهابيين الأساسيين وإلقاء القبض عليهم عنصر أساسي في محاربة الإرهاب، إلا أنه يمكن أن تكون له نتائج ضارة. فهذه الإجراءات لا تقضي على الإرهاب تماماً ويمكن أن تأتي فعلياً بنتائج عكسية إذا ما أُسيئت إدارتها. ويجب علينا أن نسعى بدل ذلك إلى إنشاء شبكات موثوق فيها من الحكومات والمواطنين الأفراد والمنظمات والمؤسسات متعددة الأطراف ومنظمات الأعمال التي تعمل بصورة تعاونية لهزيمة التهديد الذي يشكله التطرف العنيف.
وتساعد هذه الشبكات، بمرور الوقت، في إبعاد الفئات السكانية المعرضة للخطر عن استغلال الإرهابيين المفسد لها وفي خلق آليات لمعالجة احتياجات ومظالم الناس، مما يؤدي إلى تهميش الإرهابيين. ويمكن لمنظمات الشبيبة والشبكات التعليمية والشراكات بين مؤسسات الأعمال وتمكين النساء ومبادرات التنمية المحلية، أن تلعب جميعاً دوراً، في حين تقوم الحكومة بدور الشريك الداعم لها.
ومضى التقرير قائلاً إن عناصر التهديد الإرهابي الاستراتيجية الثلاثة التي يتعين تحييدها لتحقيق فعالية مثل هذه الإجراءات هي القادة والملاذات الآمنة والأوضاع التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه الإرهاب. فالقادة يقومون بوظيفة الحث والحشد والتنظيم وهم يخدمون أيضاً كرؤساء صوريين رمزيين. والملاذات الآمنة، التي تكون في كثير من الأحيان في مناطق لا تسيطر عليها أي حكومة أو لا تتم عليها السيطرة بالشكل الكافي، توفر بيئة آمنة للتدريب والتخطيط والدعم المالي والعملياتي؛ وقاعدة لشن الهجمات منها. وقد تكون مادية أو افتراضية في طبيعتها. وعلاوة على ذلك، توفر الأوضاع التي تشكل الأساس الذي يرتكز عليه الإرهاب الوقود، على شكل المظالم والشكاوى والنزاعات التي تزود عمليات التحويل إلى التطرف بالطاقة الدافعة لها.
والتعامل مع هذه الحقبة الجديدة من النزاع كشكل من التمرد العالمي يلمح ضمناً إلى أن أساليب مكافحة التمرد أساسية في محاربة نوع الإرهاب الجديد المتخطي للحدود القومية. وتتضمن هذه الأساليب أولاً، التركيز على حماية السكان وضمان أمنهم؛ وثانياً، تهميش المتمردين سياسياً ومادياًً وكسب دعم وتعاون الفئات السكانية المعرضة للخطر من خلال إجراءات سياسية وتنموية مستهدفة، وتنفيذ عمليات خاصة دقيقة مرتكزة إلى معلومات استخباراتية للقضاء على العناصر المعادية الخطرة بأقل ما يمكن من الأضرار الجانبية غير المقصودة.
عناصر السلطة
وأشار التقرير إلى أنه يجب دمج جميع عناصر السلطة القومية، بما فيها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والاستخباراتية، واستخدامها بشكل منسق تشارك فيه الحكومة ككل. فأهمية أبعاد التهديد النفسية والفكرية هي، على الأقل، بمستوى أهمية بعده المادي نفسه ، وبالتالي يجب أن تكون الإجراءات المضادة منسقة وممولة بشكل كاف. وعليه، فإن العنصر العسكري في السلطة القومية لا يلعب سوى دور داعم فقط في هذا الجهد؛ والتركيز الأساسي هو على التأثير غير العسكري.
وبما أن العدو هو جهة غير دولة تزدهر بين الفئات السكانية الساخطة، فإن جهود القطاع الخاص هي، على الأقل، بمستوى أهمية النشاط الحكومي نفسه . وتشكل دبلوماسية المواطنين والنشاطات الثقافية والاتصال الشخصي بين الأفراد والتعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصادية واستخدام الموارد الإعلامية والأكاديمية عناصر أساسية في ردنا على التهديد. وقد أصبحت مهمات الحث على مثل هذه النشاطات التي يتزعمها القطاع الخاص وحشدها ودعمها مهمات قيادية أساسية في البيئة الجديدة.
ويختتم التقرير بالقول إن التجربة منذ 11/9 أثبتت أن العنصر الأساسي لتحقيق النجاح في مجابهة التطرف العنيف هو التزام الحكومات بالعمل معا، ومع المجتمع الدولي، ومع منظمات القطاع الخاص، ومع مواطنيها والسكان المهاجرين، وقد تم تقليص تهديد الإرهاب إلى حد كبير حيث تتعاون الحكومات، وتنشئ شبكات موثوقا بها، وتسعى إلى الحصول على دعم نشط مستنير من أبناء شعبها، وتوفر حكماً فعالاً ومشروعا، وتنخرط عن كثب مع المجتمع الدولي.






التعليقات