بغداد - هاني العامري: قبل 29 عاما وقع العراق والاتحاد السوفييتي السابق أهم شراكة بين دولة عربية وموسكو، وبعد 29 عاما تحاول موسكو ان تعيد ملامح هذه الشراكة في محاولات لرفع الحصار عن العراق بدأت تتحرك بسرعة كبيرة خلال الاشهر القليلة في محاولة لعودة هذه الشراكة التي تضمن مصالح البلدين.
يرد عدد من المراقبين، العرب والاجانب، التحرك الروسي، المتنوع، المتواصل، باتجاه العراق، إلى مجموعة اسباب، منها داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية، حيث شهدت الشهور الاخيرة تطورا ملحوظا في التوجه الروسي نحو بغداد متمثلا بوفود& سياسية وبرلمانية واقتصادية واعلامية تصل بين فترة واخرى تجري مباحثات كل في مجالها وتوقع اتفاقيات وتحاول قدر استطاعتها الحصول على اكبر حصة من عقود مذكرة التفاهم مذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء الموقعة بين العراق والامم المتحدة عام 1996.
ويتوقف المراقبون عند التعاطف الشعبي والبرلماني داخل روسيا مع العراق ورفض مواصلة الحظر عليه او ضربه عسكريا بين فترة واخرى، وهو ما تعبر عنه مسيرات الاحتجاج ووسائل الاعلام وتصريحات رؤساء الاحزاب والكتل البرلمانية، ودعوتها حكومتها إلى أن تتقدم خطوات اكثر لتفعيل دورها في المنطقة، ومساعدة العراق حليف موسكو، والشريك التجاري الكبير معها على امتداد ثلاثة عقود، فيما يرى الكرملين، حسب أولئك المراقبين، ان الامتداد الاخطبوطي للهيمنة الأمريكية في اغلب أرجاء العالم، هو في الحقيقة وفي جانب مهم منه محاصرة لروسيا ذاتها وسلبها لأصدقائها، واضعاف دورها الأوروبي والعالمي وتحجيم امكاناتها الاقتصادية، واضعاف قدراتها العسكرية، وهو الامر الذي لم يجد حرجا في التعبير عنه اكثر من زعيم سياسي وقائد عسكري روسي.
وضمن الاطار العالمي ذاته تأخذ موسكو في حساباتها، ان واشنطن قد خرقت اتفاقيات عام 1972 بين البلدين بخصوص تحديد منظومات الدفاع ضد الصواريخ وعدم توقيع واشنطن للعديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحظر صناعة الالغام، او حماية البيئة، او معالجة ارتفاع درجات الحرارة وغيرها، وحتى عدم تسديدها لمستحقاتها إلى الامم المتحدة، وكذلك اعلان واشنطن الصريح انها ستعمل على منع ظهور اية دولة منافسة لها، والضغوط والمماطلة التي تواجهها موسكو منذ طلبها عام 1993 لعضوية منظمة التجارة العالمية.
وتوج كل ذلك دعوة روسيا لتشكيل مثلث استراتيجي اضلاعه موسكو وبكين ونيودلهي، ووصل الامر ذروته بموافقة مجلس الدفاع والامن القومي الروسي على استراتيجية جديدة تسمح لموسكو بالضربة الأولى إذ تعرضت للخطر، واتهام الرئيس بوتين حلف الاطلسي بعدم اخذ الرأي العام بالحسبان عندما يلجأ إلى القوة دون موافقة مجلس الامن، وجاءت رسالة الرئيس بوتين إلى القمة العربية الاخيرة لرفع الحظر عن العراق لتمثل منعطفا حقيقيا في السلوك الخارجي الروسي، وخطوة عملية إلى الامام باتجاه بغداد، أدت إلى زيارة مسؤول كويتي كبير إلى موسكو مؤخراً ولقائه بوزير الخارجية ايفانوف لبحث المصالحة بين العراق والكويت في اطار مقترحات تقدمت بها موسكو.
وتأخذ القضية النفطية مكانها في مشهد التحرك الروسي، لاعتبارات عديدة، منها رغبة موسكو بعدم انفراد واشنطن بالكعكة النفطية، محاولة الحصول على عقود نفطية اكثر من بغداد، الظهور بمظهر الحليف الدولي المعتمد عليه، ليس امام العراق فقط ولكن امام دول عربية وآسيوية وافريقية أخرى منتجة للنفط، والمعروف وحسب تقارير عالمية موثوقة، فإن لدى روسيا من الاحتياط النفطي ما يكفيها لعقود قادمة، حيث يمكن ادامة الانتاج لفترة تزيد على 35 سنة.
وان احتياطياتها غير المقيَّمة تبلغ اضعاف الاحتياطات الثابتة، ولكنها تريد أن تفعل مثل واشنطن، أي عدم التفريط باحتياطاتها من جهة، ولأن التقارير الاقتصادية تقدر الانتاج الروسي من النفط في منتصف التسعينات بما بين 285و300 مليون طناً سنويا، لكن الانتاج يجب ان يرتفع مع حلول عام 2010 إلى حوالي 350 طن، من جهة ثانية في حالة زيادة الطلب العالمي عليه، وزيادة حجم الاستثمارات في الصناعة النفطية الروسية.
وقد اكملت موسكو اعادة بناء هيكلية هذه الصناعة منذ عام 1995، ولديها عدة شركات نفطية، واخرى اصغر، غير ان مشكلة نفط بحر قزوين لاتزال دون حل.
إن الأجندة الروسية، مزدحمة، متنوعة، لكن صفحة العلاقات مع العراق تأخذ فيها مكانا حساسا، خاصة بعد اعلان موسكو عن خسارتها 30 مليار دولار من جراء الحظر المفروض على العراق منذ عام 1990، وقد كان من أكبر شركائها التجاريين، ودفع هذا المؤشر الخطير، اصحاب القرار في الكرملين لتقديم طلب إلى الامم المتحدة اواخر العام الماضي، لوضع المادة "50" من ميثاق المنظمة الدولية موضع التنفيذ لمعالجة الخسائر الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد الروسي من جراء ذلك الحظر.
وقد أوردت موسكو العديد من المبررات في طلبها المذكور منها ما وصفته بالعوامل القانونية والاخلاقية، اضافة إلى التوجه الدولي المطلوب الذي يفترض ان تكون له اسبقياته المؤثرة ايجابيا، وان الحظر قد ألحق أضرارا جسيمة بالعلاقات التجارية الثنائية القائمة بين العراق وعدد كبير من دول العالم، اضافة إلى قطع الصلات التجارية بين العراق وعدد من الدول التي اتخذت منه معبرا جغرافيا وتجاريا إلى دول أخرى، وان هناك استحقاقات قانونية تحتم تأكيد اسبقية المادة "50" من دون الحاجة لأي إجراء من مجلس الأمن، وهو ما اكدته المادة الأولى من الميثاق الدولي، وما جاء في المادة الثانية من الفصل نفسه.
وما استنند إليه المجلس الاجتماعي والاقتصادي التابع للامم المتحدة، ويبدو ان هذا جزء من تصور شامل يؤكده بيان الخارجية الروسية الصادر في 3 أبريل بعنوان (حول مسألة تسوية الوضع بشأن العراق) والداعي لرفع الحظر عن العراق، وازالة التوتر في الخليج، وإخلاء كل المنطقة من اسلحة الدمار الشامل.
ولايخفى هنا ان ندرة العملة الصعبة، ومحاولة اضعاف وسيلة امريكا والغرب المتمثلة بالوعود المالية والقروض واحلام الانضمام للتجارة الحرة، هي أسباب أخرى، مثلما تريد موسكو أن تثبت بأن سقوط الاتحاد السوفييتي والعديد من مخططاته الاستراتيجية، وما خلفه من ضعف سياسي وعسكري واقتصادي، ولايعني أن روسيا قد فقدت الأمل والإمكانات بل انها خليفة ذلك الاتحاد المنهار، وأن لها دورها العالمي المنتظر.
يقابل ذلك، كما يشير المتابعون تأكيدات القيادة في العراق على أهمية الدور الروسي في المنطقة، وبالنسبة للعرب والعراق وهو الأمر الذي تكرر أكثر من مرة، وعلى مختلف المستويات، أثناء زيارات الوفود إلى بغداد ودعوتها موسكو بشكل مباشر للحذر من البنك والصندوق الدوليين، والتذكير الدائم بسجل العلاقات الحافل والمثمر، والقابل للاعادة والتطوير.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل تريد موسكو الضغط على الآخرين كواشنطن والأمم المتحدة من جهة، والتعجيل بتنفيذ اتفاقياتها الثنائية مع بغداد، التجارية والنفطية، والمقرر البدء بها بعد رفع الحظر لكي تباشر بها فورا، واستنادا إلى الفقرة "50" من جهة ثانية، فحلم القياصرة بالوصول إلى المياه الدافئة، ليس رغبة مجردة، لكنه تعبير عن مصالح مستقبلية واسعة ومعرفة اكيدة بواقع وثروات المنطقة. (عن "الشرق" القطرية)
&