كان يوسف بصبوص يعرف أن أيامه معدودة حينما جلس في راشانا متأنقاً ليتقبل وسام رئيس الجمهورية كما لو كان يتقبل الخاتمة الشاكرة لحياته.
البصابصة الثلاثة ميشال الراحل وألفريد ويوسف لم يكونوا أول النحاتين اللبنانيين ولا آخرهم، لكنهم سبقوا إلى نقل الفن من حاله الهامشية إلى صدارة الفن، وجعلوا من راشانا فضاء طلقا لمتحف
حر، ونقلوا النحت اللبناني إلى العصر.
الثلاثة ميشال وألفريد ويوسف لا يختصرون في واحد، فإذا كان ميشال هو العَلَم إلا أن المؤسسة لا تقوم به. قامت بثلاثة أفنوا عمرهم فيها. وسيُذكر الثلاثة ما دامت راشانا ستبقى متحفاً للأجيال.
توفي يوسف عن 72 عاما، فقد وُلد في راشانا 1929 وإذا كان ميشال ابن باريس ومتاحف برانكوزي ورودان وزادكين فإن يوسف ابن الطبيعة، ابن راشانا، تعلم على نفسه وعلى أخيه قبل أن ينطلق في طريقه. وطريق يوسف في النحت هو طريق المنحوتات النصبية التي توازي شموخ الجبال التي وُلد وعاش فيها. طريق التجريد الهندسي والمتوازيات التفصيلية والمتداخلة والالتفافات الداخلية التي تحمل جميعها ذكرى المادة التي صدرت عنها. وسواء في منحوتاته الحجرية والخشبية فإن يوسف بصبوص ظل أميناً لطبيعة الحجر والخشب ولم تمنعه تجريديته من أن يكون لاعبا وعفويا بل ومرحا إلى حد السخرية.
هذا الرجل الذي تعلم تحت السنديانة وترك الرهبنة قبل أن يتلقى الأسرار واشتغل ساقيا تعلّم النحت أثناء عمله في صنعة نقش الحجر. سيرة حياة ثرية لكنه في أعماقه ظل راهبا وتلقى أسراره في راشانا حيث نذر نفسه لفنه. التشكيل والبناء هما صفتا نحت يوسف بصبوص. ثمة أيضا الفطرة والعفوية واللعب. فيوسف بصبوص بقي طفل الفن وبيديه القويتين حمل دماه الخشبية والحجرية الضخمة الى ملعب العالم. (السفير اللبنانية)
&