&
باسم الجسر

لم اكن وحيدا في انتظار ظهور الروائي الفرنسي ميشيل هولبيك على شاشة التلفزيون الفرنسي، مساء الخميس الماضي، في البرنامج الادبي حول روايته الجديدة "بلاتفورم" (المسطح او المصطبة، بالعربية). ذلك ان هذا النجم الجديد الطالع في سماء الادب الروائي الفرنسي، منذ نشر روايته السابقة "الجزئيات الاولية" التي نال عليها جائزة ادبية كبيرة وبيعت منها مئات الالوف من النسخ، كان قبل الاعلان عن ظهوره على شاشة التلفزيون قد اثار غضبا كبيرا في الاوساط الاسلامية في فرنسا لاقدامه على التعرض للدين الاسلامي في حديث له لاحدى المجلات الادبية الفرنسية.
وكم كانت دهشتي بل ذهولي كبيرا، وانا استمع الى اجابات هذا النجم الروائي الطالع، والتي اقتصرت على بضع كلمات متقطعة وهمهمات وهزات رأس وحركات يدين، إن دلت على شيء فعلى ان صاحبها ليس في كامل صحته او وعيه، او انه يجسم نموذجا حيا للانحطاط او الضياع او العبثية التي يتباهى بها بعض رجال الفكر والادب والفن الغربي. وتساءلت: احقا هذا هو الكاتب الفرنسي الذي حل محل فيكتور هوغو وبلزاك وستاندال واناتول فرانس ومالرو وكامو، في صدارة الادب الفرنسي؟ ولماذا تبرز وسائل الاعلام والمجلات الادبية هذا النوع من الكتاب المتخصصين في قصص الجنس فقط؟ وبأي منطق أو مبرر وراء هذا البروز او الابراز؟ ذلك انني قرأت رواية "الجزئيات الاولية" منذ سنة، وغالبت نفسي لاكمل قراءتها. انها سلسلة من المشاهد والاحاديث الجنسية، بكل تفاصيلها حتى الشاذة والقذرة منها، ولم اجد، وانا مدمن على قراءة كل الروايات الفرنسية الحائزة جوائز "غونكور" و"فيمينا" (ناهيك من جائزة نوبل)، منذ عشرات السنين، أي شيء فيها يستحق الاعجاب او التقدير او الدهشة او التفكير. ولم اكن انتظر، بعد قراءتي لرواية هولبيك تلك، انه سيصبح بعد عام النجم الصاعد ان لم يكن النجم الساطع في سماء الادب الروائي الفرنسي الجديد. والاغرب من ذلك ان ناقدة فنية فرنسية اخرى تدعى كاترين ميللي نشرت، منذ مدة رواية، قيل انها سيرة ذاتية لاقت رواجا كبيرا، وهي مجموعة من المشاهد والتجارب الجنسية التي لم يعرف اي "ادب" في العالم مثلها، في وقاحة السرد والتفصيل، كما كتب يقول احد النقاد.
ان في الامر سرا، ولا ريب، أو شيئا ما يصعب عليّ، وعلى كثيرين غيري من المطلعين على التراث الادبي الفرنسي ـ وما اغناه واروعه ـ فهمه او ادارك اسبابه وغاياته؟ هل هي قصة نشر وبيع ودعايات غير مباشرة تقوم بها دور النشر؟ ام انها مسألة تحد للمجتمع وللقيم يلجأ اليه بعض الكتاب ـ او غير الكتاب ـ ليلفتوا الانظار اليهم ويثيروا الجدل حولهم. ويكسبوا بالتالي، شهرة ومالا؟ ام ـ وهنا الطامة الكبرى والخطر الحقيقي ـ ان القراء الفرنسيين، على ما هم عليه من علم وثقافة ورقي، وبعد ان نبذوا الحروب وكفروا بالسياسة وبالسياسيين وارتموا في احضان مدنية الاستهلاك والسلوى، اصبحوا اليوم، يقبلون على الادب الجنسي. والعادي منه الذي يصفه ويتحدث عنه و"يفلسفه" هذا النجم الجديد الطالع في سماء الادب الروائي الفرنسي (والذي ترجمت روايته السابقة الى عدة لغات)؟ لقد حاول مقدم البرنامج ان يحشر ميشيل هولبيك بتوجيه عدة اسئلة اليه حول الهدف او الغاية او "الشيء" الذي يسعى اليه في كتاباته، فجاءت اجوبته غامضة، مائعة، واكتفى، في نهاية الحديث، بالقول: "انني فقط اشاهد واكتب". ان "السياحة الجنسية" في بلاد الشرق الاقصى، التي يتحدث عنها هولبيك في روايته الجديدة تستحق تحقيقا او مقالا صحفيا، كما تشكل "تجارة الجنس" في بعض البلاد الآسيوية، قضية انسانية واخلاقية خطيرة، ولكن هولبيك ـ كما قال "لا تهمه الناحية الاخلاقية او الانسانية"، بل ذهب ليشاهد ويصف ويكتب.. فقط فالاخلاق، "لا علاقة لها بالجنس"، كما يقول؟
اما دخوله او ادخاله طرفا في الحملة على الاسلام والمسلمين، التي تقوم بها بعض وسائل الاعلام والاوساط الفكرية والسياسية في الغرب، فإنها قصة اخرى، وان لم تكن جديدة، وسواء كانت الغاية منها كسب "شهرة عالمية" كتلك التي اكتسبها سلمان رشدي، وكسب من ورائها اموالا كثيرة، ام كانت الغاية سياسية، القصد منها تحريض الرأي العام الغربي على الاسلام والمسلمين. (مع العلم أن اقامة الدعوى على الكاتب والمجلة من قبل ممثلي المسلمين في فرنسا، اسوة بما تفعله المرجعيات اليهودية كلما تعرض للهولوكوست او لليهود، خطوة ضرورية)، فانها لا تستحق الاكتراث بها لانها صادرة عن جاهل للاسلام وملحد كافر بالاديان، ولكنه من المؤسف كما كتب او صرح اكثر من كاتب او مفكر فرنسي، ان تفتح بعض المجلات الادبية والصحف صفحاتها لنشر آراء هذا الكاتب الذي اقتصرت حياته وتجربته الفكرية "على مشاهدة العلاقات الجنسية ووصفها وتحليلها"، كما نشرت جريدة "لوموند" مقالا طويلا لكاتب فرنسي معروف، هو مارك فاتزمان ينعى هذه الظاهرة الادبية الجديدة. ويسميها "ثقافة الجماهير" التي يمثلها هذا الادب الجنسي وما وراءها من افكار عبثية ويقول: ان هولبيك عندما يهاجم ديغول ويقدر الماريشال بيتان او عندما يقول: "دعوا الفقراء في العالم يمزقون بعضهم بعضا، اذا كان ذلك يسليهم" ويتهجم على الاديان، فان عصرا جديدا من الادب اخذ يحل محل القيم الفكرية والثقافية التقليدية. ولعل هذا النوع من الادب الذي يمثل تفكير الطبقات الوسطى المتخبطة في حرمانها من معايشة التاريخ، هو ما جعل من الروايات الجنسية والاباحية بضاعة رائجة. ولست لأجزم هل ان هولبيك هو كاتب كبير ام انه مجرد شاهد على عصر. وان ما يكتبه يقطر سماً ويتحدى المجتمعات الغربية في كل قيمها.
كنت، ولا ازال، من المعجبين بما حققت الحضارة الغربية، في القرون الخمسة الاخيرة، من المنجزات في شتى الحقول، ولا سيما في مجالات العلم والتكنولوجيا والحرية والعمران والمدنية والفنون. ومن المعترضين على الذين يطلقون، بسهولة تهمة الانحطاط والضياع والفساد على المجتمعات الغربية، غير ان ظاهرة انتشار هذا الادب الروائي الجنسي الاباحي، بهذا الشكل الواسع، وصعود كتاب الجنس الى قمة الشهرة الادبية يحملاني على طرح اكثر من سؤال حول مصير القيم في الغرب، لا القيم الدينية او الاخلاقية فحسب، بل القيم الفنية والادبية والجمالية، ايضا.
ظاهرة ميشيل هولبيك وكتبه، يجب ان تقلق الفرنسيين، لا ان تثير اهتمامهم او اعجابهم. (نشر هذا المقال في صفحة "رأي" في "الشرق الاوسط" اللندنية)
&