&
الحلم
يراودني الآن، مرة أخرى، ذلك الحلمُ وكنا فيه نجتاز معاً "الساحة المربعة" الكبيرة في متحف اللوفر. نخرج من بوابتها الحجرية الى الشارع العام. أمامنا الكنيسة القديمة بأحجارها المحفورة باتقان، يتلاعب بين زواياها الضوء والظل. أمام الكنيسة عربة كبيرة محملة أجراساً. من أين جاءت تلك الاجراس، صغيرها وكبيرها؟ والناس يتجمعون حولها. نقف الى جانبهم كأننا كنّا على موعد معهم. ومثلهم كنا ننتظر تحت رذاذ المطر ما سوف يحدث؟ ولم نكن متيقنينمن أن شيئا سيحدث. كان ثمة حاجة خفية عند الموجودين |
هناك الى انتظار شيء ما. شيء يأتي من مجهول غير مرتقب. أجراس تتجمع فوق عربة كبيرة. حوالي العشرين جرساً. هل هي الكنيسة ألقت بأحمالها العلوية على الطريق، أم أن كهنة مجهولين جاؤوا بها الى هنا وتركوها أمام البوابة الكبيرة، كما يُلقى أمام المياتم لأطفال غير المرغوب فيه؟ انتظرنا طويلاً. وعندما هممنا بمتابعة الطريق، نظرنا الى الوجوه المنتظرة حولنا. الى العيون المسمرة على الأجراس، تستنطقها أن تقول شيئاً. وفجأة انطلقت الأجراس بالرنين. دفعة واحدة، وبصورة آلية، راحت تقرع كما لم نعهدها قط. لكن أين هو ذلك الزر الكهربائي القادر على تشغيلها معاً دفعة واحدة، وأيّ اصبع ضغطت عليه؟ لم نبارح المكان حتى انتهى الرنين. دفعة واحدة انتهى تماماً كما بدأ وشعرنا بعده بفراغ كبير. تركنا الأجراس وراءنا ودخلنا الكنيسة وكانت مظلمة إلا من زاوية واحدة مشعشعة بالشموع. كفراشتين توجهنا الى حيث اللهب الذي يجعل الظلمة من حولنا أكثر حلكة.
لم أحلم قبل اليوم مثل هذا الحلم. وقفنا جنباً الى جنب ننظر الى لهيب الشموع المتصاعد أمامنا. دنونا أكثر، وأمسكنا شمعة واحدة. أشعلناها معاً، ثم زرعناها بين بقيّة الشموع: وقلت: "ليتمنَّ كل منّا أمنية في قلبه". وأطبقت جفنيك للحظات، كأنما لتؤكدي أمنيتك فتنحفر فيك وتستقر. وسرعان ما فتحت عينيك فالتمعتا، بل، ولفرط صفائهما أمام أنوار الشموع المتلألئة، لاحت لي الدمعة المحبوسة داخل العين وقد ضاعفت من جمالها. لكني تنبهت فجأة الى انك عارية واستغربتُ كيف لم ألحظ ذلك من قبل. كنت عارية تماما. ليس عريك الذي أشتهيه، بل عرياً آخر أجهله فيك. عرياً غريباً وموجعاً. كنت عارية كجسد المسيح. مجروحة ومستسلمة للنظرة التي تحطّ عليك، وهي طعنته الأخيرة. وتلك الابتسامة، ابتسامتك التي تضيء الظلام، صارت ندوباً تملأ الهواء.
لم أحلم قبل اليوم مثل هذا الحلم. وقفنا جنباً الى جنب ننظر الى لهيب الشموع المتصاعد أمامنا. دنونا أكثر، وأمسكنا شمعة واحدة. أشعلناها معاً، ثم زرعناها بين بقيّة الشموع: وقلت: "ليتمنَّ كل منّا أمنية في قلبه". وأطبقت جفنيك للحظات، كأنما لتؤكدي أمنيتك فتنحفر فيك وتستقر. وسرعان ما فتحت عينيك فالتمعتا، بل، ولفرط صفائهما أمام أنوار الشموع المتلألئة، لاحت لي الدمعة المحبوسة داخل العين وقد ضاعفت من جمالها. لكني تنبهت فجأة الى انك عارية واستغربتُ كيف لم ألحظ ذلك من قبل. كنت عارية تماما. ليس عريك الذي أشتهيه، بل عرياً آخر أجهله فيك. عرياً غريباً وموجعاً. كنت عارية كجسد المسيح. مجروحة ومستسلمة للنظرة التي تحطّ عليك، وهي طعنته الأخيرة. وتلك الابتسامة، ابتسامتك التي تضيء الظلام، صارت ندوباً تملأ الهواء.
&
ما وراء البصر
لم يولد في الصحراء ولا بالقرب منها، لكنه كان يحلم منذ طفولته الأولى، في أن يجلس فيها يحصي الرمل حبّة حبّة. كان يعرف ان ثمة كنزا مدفونا في الرمل، وأن الرمل صندوق العجائب.
لم يولد في الشرق، لكنه كان يصغي اليه في سرّه. وفي أحد الأيام دخل خلسة الى مكتبة والده، فعثر على كتاب لم يكن يعرفه من قبل. كان يريد أن يتصفح الكتاب المقدس ويراجع مقطعاً في "سفر الجامعة"، عندما لاحظ ان الكتاب المقدس انما يخفي وراءه كتابا آخر. كان عنوان ذلك الكتاب& "ألف ليلة وليلة"، فقرأه في ليلة واحدة ونام. وحين استفاق من نومه أحس انه أصيب بالعمى. وتذكّر انه كان يحلم في الشرق المشتق من شروق وذهب.
منذ ذلك الحين، أدرك ان كل ما حوله وهم، وأن العالم متاهة- من دخلها ضاع فيها مرة واحدة والى الأبد، كالذاكرة اللامتناهية من اقترب منها اصبح مجنوناً. يندهش من نفسه كل صباح عندما يكتشف انه لا يزال هو نفسه باستمرار، فينتابه السأم، ويقول ان الحياة حلم وانه لا يخاف الموت بل الخلود، وانه حين يكتب، انما يكتب لنفسه، لأصدقائه وللتخفيف من عبور الزمن.
سليل كوكبة من المبدعين العميان الكبار عبر العصور.يستيقظ الأعمى الاخر فيه، من هوميروس وميلتون الى أبي العلاء المعري. وكان يرفض، هو الذي يعيش وسط ضباب مضيء، الاهتداء بعبارة شكسبير: "انظروا الى الظلمات حيث يرى العميان".
يقو الأعمى: "كم هو مليء بالعزلة هذا الذهب". من قال ان الاعمى لا يرى. فهو يرى لكن على طريقته. يرى وحدة المعدن وعزلته الرهيبة مضغوطة في الاعماق، يتم اقتلاعه من ضلع الأتربة والصخور، كما المحارة المستسلمة لأعماق البحار، تقتلع من بحرها ومن صدفتها. انها غربته الفاضحة لأحشاء الأرض ولمسارها في الكون. وهو، هذا الذهب، هل هو قلب الكون؟ هل هو أشعته المكتومة وقد أمست عُصارة متجمدة؟ أم هو شعاع بعيد لم يصل الينا بعد، نحن أبناء الأرض المنسية؟
يتساءل الأعمى: لماذا نرى من العينين فقط، من هاتين الكرتين الناعمتين، ولا نرى عبر الجسد كله؟ أليس الجسد معبراً للأر وترابها؟ لمسارب شكّها ويقينها؟ أليس هو الزبد المنحل، الساقط في لججه بلا جدوى؟ يطرح السؤال ولا يلبث ان يتأكد انه غير متأكد من شيء على الاطلاق.
كتابته الأولى كانت قصيدة، أي محاولة بسيطة لالتقاط أنفاس الوقت، والعودة الىالأمكنة الضائعة أبداً. هكذا شرع يحلم في المدن البعيدة التي لن يبصرها لأن جدار عماه يلقي بظلاله عليها، ويحلم في البحار التي لن يبحر فيها، تلك التي مزّقتها أسنان الدلافين. يحلم في الفنادق التي تؤويه لليلة واحدة، يخرج منها ولا يعود اليها أبداً. وحين يتصوّر بحراً، أو سهلاً أو جبلاً، أو حتى يستمع الى الموسيقى، يشعر كأنه على أهبة الحصول على شيء ما، يفوته التعبير عنه. فالكتابة والمتاهة، الكتابة والمرايا، المرايا والأقنعة، الليل والبوصلة، كلها تعكس صورة الأشياء فحسب.
ولاقتناعه بأنّ أحدا لا يبتكر جديدا، وان ثمّة تكرارا دائما لابتكارات سابقة، ولأقدار من الكتابة، فهو يستمتع بالقراءة أكثر من استمتاعه بالكتابة. ويوحي الينا بأن ما يكتبه أو يرويه، هو تلاوة لما كان قرأه قبلاً، أي انه حين يكتب فهو لا يكتب وانما يتذكّر. ولذلك، يجيز لنفسه، متى شاء، ان ينتحل نصوصاً. ولماذا عليه أن يعيد كتابة النصوص التي يتمنّى لو كان هو كاتبها؟ انه لا محالة كاتبها، لكن بيد أخرى. بيد الآخر.
لفرط ما نظر الى حرف الألف، توصل الى رؤية الشمس، ثم حاول ان يعبّر عما رأى، فكتب قصيدة لا معنى لها، كمثل جميع القصائد العظيمة، لأن القصيدة التي تغوص في لغز العالم تقرر ألا تتكلم. من هنا، فان الألف هي قرص الشمس. نافذة الى الازرق اللامتناهي. النافذة التي منها يمكن ان نظل عليه. "هو البسيط كالألف"، على حد تعبير الرومي. هو الواحد المتعدد. الضابط الكل. لا يكافئ ولا يُعاقب. وانما يراقب خلقه من بعيد. ينظر اليهم من وراء حجاب. لكن حجابه لا يخفي جماله ولا عطايا نوره، بل يزيدهما بهاء. وهو لا يميّز بين انسان وحيوان وجماد، بل ينظر اليهم برأفة العارف لأقدارهم المحتومة. ويعرف ان هذا الخَلق لو دمّر نفسه وأفنى جنسه، فثمة ذَرّة تراب سوف تلتف على نفسها وتتململ وتخرج منها غَريسةٌ ينمو في نسغها الحيوان. تماماً كما سوف يحدث لو احترقت جميع مكتبات العالم.
ولأنه يعرف أن الكون لا ينفك يدور على نفسه، ويدور حول الشمس، تذكّر مكتبة الاسكندرية العظيمة، وأهدى حارقها احدى قصائده، معتبرا ان أجيالا أخرى ستأتي وستعيد كتابة النتاجات التي احترقت. لا شيء يضيع في هذا العالم. ولئن ضاع هنا، فهو ينوجد في مكان آخر. لأن القيامة تولد من الموت. والرؤية تأتي من العمى. ولأن الأعمى الذي يدرك ما يحوطه البصر، يدرك أيضا ما يوجد وراء البصر. فمقامه هناك.
ولا يحتاج الأعمى الى إطباق جفنيه لكي ينام. فهو يتحرك بين يقظته ونومه، بين الحلم والواقع، بحرية مطلقة. فلا أبواب بين الاثنين ولا عتبات. أو ان الأبواب دائماً مفتوحة. هكذا يرى الأعمى في سرّه، ويحوم كغيمة فوق الأماكن.
في احدى المرات، استوقفه رجل تجاوز الثمانين من العمر، وقال له: "ستلقى حتفك غداً في الصباح، لأنك أفشيت سراً من أسرار الآلهة وسرقت نارها المقدسة". في اليوم التالي، وكان يجتاز الطريق الفاصل بين منزله والمكتبة العامة، دنا منه أحد اللصوص- وكان جلّ أصدقائه من اللصوص- فطعنه في صدره طعنتين اثنتين ومضى.
كان الأعمى يعرف، مسبقا، انه لن يشيخ ما فيه الكفاية، ليرى الى الوجه الأجمل، ذلك الطالع من وراء الأعمار، ناصعا ونقيا، كالذهب السابق لكل شيء، حتى للأرض ذاتها.
لم يولد في الشرق، لكنه كان يصغي اليه في سرّه. وفي أحد الأيام دخل خلسة الى مكتبة والده، فعثر على كتاب لم يكن يعرفه من قبل. كان يريد أن يتصفح الكتاب المقدس ويراجع مقطعاً في "سفر الجامعة"، عندما لاحظ ان الكتاب المقدس انما يخفي وراءه كتابا آخر. كان عنوان ذلك الكتاب& "ألف ليلة وليلة"، فقرأه في ليلة واحدة ونام. وحين استفاق من نومه أحس انه أصيب بالعمى. وتذكّر انه كان يحلم في الشرق المشتق من شروق وذهب.
منذ ذلك الحين، أدرك ان كل ما حوله وهم، وأن العالم متاهة- من دخلها ضاع فيها مرة واحدة والى الأبد، كالذاكرة اللامتناهية من اقترب منها اصبح مجنوناً. يندهش من نفسه كل صباح عندما يكتشف انه لا يزال هو نفسه باستمرار، فينتابه السأم، ويقول ان الحياة حلم وانه لا يخاف الموت بل الخلود، وانه حين يكتب، انما يكتب لنفسه، لأصدقائه وللتخفيف من عبور الزمن.
سليل كوكبة من المبدعين العميان الكبار عبر العصور.يستيقظ الأعمى الاخر فيه، من هوميروس وميلتون الى أبي العلاء المعري. وكان يرفض، هو الذي يعيش وسط ضباب مضيء، الاهتداء بعبارة شكسبير: "انظروا الى الظلمات حيث يرى العميان".
يقو الأعمى: "كم هو مليء بالعزلة هذا الذهب". من قال ان الاعمى لا يرى. فهو يرى لكن على طريقته. يرى وحدة المعدن وعزلته الرهيبة مضغوطة في الاعماق، يتم اقتلاعه من ضلع الأتربة والصخور، كما المحارة المستسلمة لأعماق البحار، تقتلع من بحرها ومن صدفتها. انها غربته الفاضحة لأحشاء الأرض ولمسارها في الكون. وهو، هذا الذهب، هل هو قلب الكون؟ هل هو أشعته المكتومة وقد أمست عُصارة متجمدة؟ أم هو شعاع بعيد لم يصل الينا بعد، نحن أبناء الأرض المنسية؟
يتساءل الأعمى: لماذا نرى من العينين فقط، من هاتين الكرتين الناعمتين، ولا نرى عبر الجسد كله؟ أليس الجسد معبراً للأر وترابها؟ لمسارب شكّها ويقينها؟ أليس هو الزبد المنحل، الساقط في لججه بلا جدوى؟ يطرح السؤال ولا يلبث ان يتأكد انه غير متأكد من شيء على الاطلاق.
كتابته الأولى كانت قصيدة، أي محاولة بسيطة لالتقاط أنفاس الوقت، والعودة الىالأمكنة الضائعة أبداً. هكذا شرع يحلم في المدن البعيدة التي لن يبصرها لأن جدار عماه يلقي بظلاله عليها، ويحلم في البحار التي لن يبحر فيها، تلك التي مزّقتها أسنان الدلافين. يحلم في الفنادق التي تؤويه لليلة واحدة، يخرج منها ولا يعود اليها أبداً. وحين يتصوّر بحراً، أو سهلاً أو جبلاً، أو حتى يستمع الى الموسيقى، يشعر كأنه على أهبة الحصول على شيء ما، يفوته التعبير عنه. فالكتابة والمتاهة، الكتابة والمرايا، المرايا والأقنعة، الليل والبوصلة، كلها تعكس صورة الأشياء فحسب.
ولاقتناعه بأنّ أحدا لا يبتكر جديدا، وان ثمّة تكرارا دائما لابتكارات سابقة، ولأقدار من الكتابة، فهو يستمتع بالقراءة أكثر من استمتاعه بالكتابة. ويوحي الينا بأن ما يكتبه أو يرويه، هو تلاوة لما كان قرأه قبلاً، أي انه حين يكتب فهو لا يكتب وانما يتذكّر. ولذلك، يجيز لنفسه، متى شاء، ان ينتحل نصوصاً. ولماذا عليه أن يعيد كتابة النصوص التي يتمنّى لو كان هو كاتبها؟ انه لا محالة كاتبها، لكن بيد أخرى. بيد الآخر.
لفرط ما نظر الى حرف الألف، توصل الى رؤية الشمس، ثم حاول ان يعبّر عما رأى، فكتب قصيدة لا معنى لها، كمثل جميع القصائد العظيمة، لأن القصيدة التي تغوص في لغز العالم تقرر ألا تتكلم. من هنا، فان الألف هي قرص الشمس. نافذة الى الازرق اللامتناهي. النافذة التي منها يمكن ان نظل عليه. "هو البسيط كالألف"، على حد تعبير الرومي. هو الواحد المتعدد. الضابط الكل. لا يكافئ ولا يُعاقب. وانما يراقب خلقه من بعيد. ينظر اليهم من وراء حجاب. لكن حجابه لا يخفي جماله ولا عطايا نوره، بل يزيدهما بهاء. وهو لا يميّز بين انسان وحيوان وجماد، بل ينظر اليهم برأفة العارف لأقدارهم المحتومة. ويعرف ان هذا الخَلق لو دمّر نفسه وأفنى جنسه، فثمة ذَرّة تراب سوف تلتف على نفسها وتتململ وتخرج منها غَريسةٌ ينمو في نسغها الحيوان. تماماً كما سوف يحدث لو احترقت جميع مكتبات العالم.
ولأنه يعرف أن الكون لا ينفك يدور على نفسه، ويدور حول الشمس، تذكّر مكتبة الاسكندرية العظيمة، وأهدى حارقها احدى قصائده، معتبرا ان أجيالا أخرى ستأتي وستعيد كتابة النتاجات التي احترقت. لا شيء يضيع في هذا العالم. ولئن ضاع هنا، فهو ينوجد في مكان آخر. لأن القيامة تولد من الموت. والرؤية تأتي من العمى. ولأن الأعمى الذي يدرك ما يحوطه البصر، يدرك أيضا ما يوجد وراء البصر. فمقامه هناك.
ولا يحتاج الأعمى الى إطباق جفنيه لكي ينام. فهو يتحرك بين يقظته ونومه، بين الحلم والواقع، بحرية مطلقة. فلا أبواب بين الاثنين ولا عتبات. أو ان الأبواب دائماً مفتوحة. هكذا يرى الأعمى في سرّه، ويحوم كغيمة فوق الأماكن.
في احدى المرات، استوقفه رجل تجاوز الثمانين من العمر، وقال له: "ستلقى حتفك غداً في الصباح، لأنك أفشيت سراً من أسرار الآلهة وسرقت نارها المقدسة". في اليوم التالي، وكان يجتاز الطريق الفاصل بين منزله والمكتبة العامة، دنا منه أحد اللصوص- وكان جلّ أصدقائه من اللصوص- فطعنه في صدره طعنتين اثنتين ومضى.
كان الأعمى يعرف، مسبقا، انه لن يشيخ ما فيه الكفاية، ليرى الى الوجه الأجمل، ذلك الطالع من وراء الأعمار، ناصعا ونقيا، كالذهب السابق لكل شيء، حتى للأرض ذاتها.
نسافر
نسافرُ حتى نبتعد عن المكان الذي أنجبنا ونرى الجهة الأخرى من الشروق. نسافر بحثاً عن طفولاتنا، عن ولادات لم تحدث. نسافر لتكتمل الأبجديات الناقصة. ليكونَ الوداع مليئا بالوعود. لنبتعد كالشفق يرافقُنا ويودعنا. نمزق المصائرونبعثر صفحاتها في الريح قبل أن نجد - أو لا نجد- سيرتنا في كُتُب أخرى.
نسافر نحو المصائر غير المكتوبة. نسافر لنقولَ للذين التقيناهم اننا سنعودُ فنلتقي بهم. نسافر لنتعلم لغة الأشجار التي لا تسافر. لنلمِّع رنينَ الأجراس في الأودية المقدسة. لنبحثَ عن آلهة أكثر رحمة. لننزعَ عن وجوه الغرباء أقنعةَ الغُربة. لنُسرَّ للعابرين بأننا مثلهم عابرون وبأن اقامتنا مؤقتة في الذاكرة والنسيان. بعيداً عن الأمهات اللواتي يشعلن شمعة الغياب، ويرققن قشرة الوقت كلما ارتفعت أيديهن الى السماء.
نسافر حتى لا نرى أهلنا يشيخون، ولا نقرأ أيامهم على وجوههم. نسافر في غفلة من الأعمار المبددة سَلَفاً. نسافرُ لنبلّغ الذين نحبُهم أننا لا نزال نحبّ، وأن البعدَ لا يقوى على دهشتنا، وأن المناي لذيذة وطازجة كالأوطان. نسافر حتى اذا ما عدنا الى أوطاننا أحسسنا اننا مهاجرون في كل مكان. هكذا بغتة، ننفضُ عن أجنحتنا الشرفات المشرعة على الشمس والبحر. نسافر حتى لا يعود ثمة فرقٌ بين هواء وهواء، بين ماء وماء، بين سماء وجحيم. نهزأ من الوقت. نجلسُ وننظرُ الى المدى. نرى الأمواج تتقافزُ كالأطفال. يمضي البحرُ أمامنا بين سفينتين، واحدة ترحل، وأخرى من ورق في يد طفل.
نسافر كما ينتقل المهرج من قرية الى قرية، ومعه حيواناته تلقّن الأطفال أمثولتهم الأولى في السأم. نسافر لنخدع الموت، فنتركه يتعقبنا من مكان الى آخر. ونظلُّ نسافر الى ان لا نجد أنفسنا في الأمكنة التي نسافرُ اليها. لنضيعَ فلا يعثر علينا أحد.
نسافر نحو المصائر غير المكتوبة. نسافر لنقولَ للذين التقيناهم اننا سنعودُ فنلتقي بهم. نسافر لنتعلم لغة الأشجار التي لا تسافر. لنلمِّع رنينَ الأجراس في الأودية المقدسة. لنبحثَ عن آلهة أكثر رحمة. لننزعَ عن وجوه الغرباء أقنعةَ الغُربة. لنُسرَّ للعابرين بأننا مثلهم عابرون وبأن اقامتنا مؤقتة في الذاكرة والنسيان. بعيداً عن الأمهات اللواتي يشعلن شمعة الغياب، ويرققن قشرة الوقت كلما ارتفعت أيديهن الى السماء.
نسافر حتى لا نرى أهلنا يشيخون، ولا نقرأ أيامهم على وجوههم. نسافر في غفلة من الأعمار المبددة سَلَفاً. نسافرُ لنبلّغ الذين نحبُهم أننا لا نزال نحبّ، وأن البعدَ لا يقوى على دهشتنا، وأن المناي لذيذة وطازجة كالأوطان. نسافر حتى اذا ما عدنا الى أوطاننا أحسسنا اننا مهاجرون في كل مكان. هكذا بغتة، ننفضُ عن أجنحتنا الشرفات المشرعة على الشمس والبحر. نسافر حتى لا يعود ثمة فرقٌ بين هواء وهواء، بين ماء وماء، بين سماء وجحيم. نهزأ من الوقت. نجلسُ وننظرُ الى المدى. نرى الأمواج تتقافزُ كالأطفال. يمضي البحرُ أمامنا بين سفينتين، واحدة ترحل، وأخرى من ورق في يد طفل.
نسافر كما ينتقل المهرج من قرية الى قرية، ومعه حيواناته تلقّن الأطفال أمثولتهم الأولى في السأم. نسافر لنخدع الموت، فنتركه يتعقبنا من مكان الى آخر. ونظلُّ نسافر الى ان لا نجد أنفسنا في الأمكنة التي نسافرُ اليها. لنضيعَ فلا يعثر علينا أحد.
* من كتابه "عين السراب" الصادر حديثا عن دار "النهار" البيروتية.
عيسى مخلوف شاعر وباحث واعلامي. من مواليد لبنان. دكتور في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون. عمل استاذا في "المعهد العالي للترجمة الخطية والفورية" E.S.I.T. التابع لجامعة باريس الثالثة. له ثلاث اربع مجموعات شعرية وابحاث وترجمات عن الفرنسية والاسبانية. يقيم في باريس منذ العام 1979.
&










التعليقات