&
تفشي الانتحار والدعارة والسرقة


وجبة العشاء بالنسبة لأحمد سملي وزوجته وأولاده الثلاثة ليست سوى شوربة يطغى عليها الماء وبها بعض قطع العظم التي أعطاها إياه جزار محلي تربطه به علاقة صداقة. بالنسبة للإفطار فهو يتألف من بعض الطماطم وأرغفة من الخبز البائت الذي يباع قرب مخبز بنصف سعر الخبز الطازج. ومنذ فقد سملي عمله في غسيل السيارات في محطة وقود استغنت العائلة عن وجبة الغداء. وحال أحمد هو حال نموذجي لحال الفقراء الذين يعيشون في ضاحية ينيدوغان الفقيرة القريبة من أنقرة العاصمة التركية. لقد ساءت أوضاع سملي مثله مثل أوضاع معظم الفقراء في تركيا منذ الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد في فبراير. ويقدر ان حوالي 600 ألف تركي فقدوا أعمالهم بنهاية يونيو. وتقول الإحصاءات الرسمية ان البطالة ارتفعت إلى 42% هذا العام وأعلن المئات من رجال الاعمال عن إفلاسهم في الوقت الذي خسرت فيه الليرة حوالي نصف قيمتها مما تسبب في تآكل القوة الشرائية لملايين الأتراك.
&أما التضخم فتصل نسبته على الأقل إلى 65%. ونتيجة لذلك تفشت عمليات الانتحار والعنف المنزلي والدعارة والسرقة. وقد وصل الأمر بسائق إحدى الشاحنات ان أوقف شاحنته أمام مكتب رئيس الوزراء في أنقرة وبدأ يصرخ "إنني جائع لم يعد بوسعي إطعام أطفالي". وما هي إلا لحظات قليلة حتى وصلت الشرطة وتم سجنه بعيدا على عجل. وتشهد محطات التلفزة الخاصة التركية كل ليلة الكثير من المناقشات الساخنة حول الاوضاع الاقتصادية المتردية. وتحدث الكثيرون حول احتمال وقوع "انفجار اجتماعي". وحتى الآن فإن الأوضاع تميل للهدوء بشكل غريب لافت للنظر. يقول اجيه سيبر رجل البنك الدولي في أنقرة "المجتمع التركي قادر على تكييف نفسه حسب الظروف ولدى أفراده إحساس قوي بالانتماء ويميلون للصبر انتظارا لقدوم الفرج".
وقد وافق البنك الدولي خلال الصيف على تقديم قرض لتركيا تبلغ قيمته 2،6 مليار دولار. ويتم التغلب على البؤس بطرق تقليدية للغاية فالفقراء يلجأون للحصول على المساعدات من العائلات الإقطاعية التي يدينون لها بنوع من الولاء. وتقدم جماعة "الاخوان المسلمين" مساعدات للفقراء حسب ما هو متاح لها من خلال شبكة تتبع لها. أما فقراء مدن الصفيح المحيطة بالمدن مثل انقرة واستنبول وأزمير وغيرها فإنهم يطلبون المساعدة من أقاربهم الأفضل حالا منهم. ومن الملاحظ ان العلاقات الريفية بدأت تتراجع مع مرور الوقت حيث طال الفقر الكثيرين ولم يعد بوسع هؤلاء تغطية نفقات أسرهم فما بالك بأسر الأقارب والمعارف. ان البؤس والفقر لهما أنياب حادة مما دفع الكثيرين لممارسة عمليات النصب كما يقول عالم الاجتماع أوغوز اسيك من جامعة الشرق الاوسط في أنقرة.
ويشرح هذا العالم الاجتماعي الوضع فيقول إن الكثيرين من فقراء الأناضول الذين تحسن وضعهم المالي في المدن ما كان ذلك ليتم لهم لولا لجوئهم لاستغلال الثغرات الموجودة في القوانين السارية. في المقابل نجد ان السياسيين يغضون الطرف عن هذه الممارسات التي تصل في بعض الاحيان إلى حد وضع اليد على ممتلكات الدولة أو البناء غير القانوني فوقها والتهرب من دفع الضرائب وذلك من أجل الاحتفاظ بأصوات الناخبين الذين يؤيدونهم. يقول اسيك "لدينا نظام يمكن كل شخص من القمة إلى القاعدة من الغش".
ولكن في ظل تناقص مساحات الأراضي التابعة للدولة التي بإمكان البعض وضع يده عليها وفي ظل خزائن خاوية فإن أوضاع الفقراء والذين يشكلون 5% من السكان ستزداد سوءا مع مرور الوقت. ويصل متوسط الدخل لهذه الفئة من السكان حوالي 395 دولارا في السنة. وقد أدت الأزمة الأخيرة إلى إلحاق الأذى بالطبقة الوسطى أيضا. فالآلاف من العاملين في البنوك تم الاستغناء عن خدماتهم. وأظهرت نتائج استطلاعات للرأي أشرفت على تنفيذها صحيفة "حريات" ان أعدادا متزايدة من الأتراك بدأت بالتفكير في الهجرة.
&وقد ازدادت أعداد من تقدموا للاشتراك في قرعة البطاقة الخضراء (تمكن من يحصل عليها من الإقامة في الولايات المتحدة) بمقدار خمسة أضعاف في هذا العام. ومثلها مثل الكثيرين من المثقفين اليساريين تلوم كاتبة شابة تدعى ايسي تملكوران الجنرالات على الأزمات التي تواجهها تركيا خاصة أولئك الذين نظموا انقلاب عام 1980 وتقول "لقد حجر هؤلاء على كل من يملك دماغا يفكر به وأمروا الناس بعدم التفكير وكانت النتيجة ان أي تركي لا يريد المخاطرة أو تحمل المسؤولية ورضي الجميع بواقعهم ولم يحاولوا تغييره". والأكثر من ذلك ان القيود التي فرضها الجنرالات على الاتحادات التجارية والأحزاب السياسية لاتزال سارية المفعول والنتيجة هي عدم قدرة الأتراك على التعبير عن مظالمهم وشكاواهم بصورة جماعية. ولاتزال الشرطة كالعادة تستخدم هراواتها ضد المتظاهرين إذا رفضوا التفرق.(عن "الوطن" القطرية - مقال مترجم من الـ"التايم")


&