&
من صنيع الإنسان إلى صنيع الذات: قصة تبدل الهويات
"إني أرى الموت على رأس جيش أهون علي من متاعب أرذل العمر، لقد عشت طويلا حتى سلبتني الأيام كل الأشياء التي تسر، لقد وهنت قوتي وصارت متعة الحياة إلى الزوال"
هكذا عبر الأمير السوري أسامة بن المنقذ في القرن الثاني عشر مشتكيا من أرذل العمر في حكايته المشهورة عن حياته، فرغم كل الأخطار التي كان يعرض حياته لها من صيد الأسود ومقاتلة الصليبيين، فقد طال به العمر حتى بلغ سن التسعين، قطعا كانت هذه معجزة لا بد من حكيها لما فيها من عبرة، فما دام عمر المرء مقدرا مسبقا فلم الخوف من الخطر ؟
إن ذكريات أسامة بن المنقذ من أشهر الأعمال في الأدب العربي بفضل أحداثها المثيرة ونبرتها الشخصية وأهميتها التاريخية -وصف فيليب&حتي وهو مترجم أدب أسامة بن المنقذ، وصفه عام 1929 في كتابه "كرات" قائلا : "إن المؤلف أسامة بن المنقذ، يبدو وكأنه قصاص ماهر جدير بأن ينافس على جائزة في مدرسة صحافة حديثة"، مع ذلك فإن المؤلف نفسه لم يكن يعرف هذا المصطلح الأدبي حيث إن أسامة بن المنقذ سمى كتابه "كتاب الاعتبار" حين أملاه في دمشق قبيل سنوات من وفاته عام 1188. إن مصطلح "مذكرات" لم يجر تداوله في اللغة العربية حتى أواخر القرن التاسع عشر، ربما ترجمة عن الفرنسية،&وكان دخوله قاموس اللغة العربية مرتبطا بقدوم الحداثة إلى العالم العربي وعلامة على ظهور مفهوم جديد للهوية ودور جديد للأدب.
إن أهم فرق بين ذات القرون الوسطى كما هي متمثلة في كتاب سيرة ذاتية كالذي ألفه أسامة بن المنقذ والموضوع الحديث كما هو معبر عنه في قصص الحياة العصرية هو طبيعتها المنزلة الخالية من المشاكل. كان أسامة بن&المنقذ يرى الحياة جامدة، فقد كان يعيش حياة عاشها أبوه من قبل وسوف يعيشها أبناؤه من بعده. فحياة المرء ومماته ودوره في المجتمع ومكانه منه أمور مقدرة &لا محيد عنها، والانتماء لهذه الحياة أمر حتمي لا خيرة له فيه.
إن ذكريات أسامة بن المنقذ من أشهر الأعمال في الأدب العربي بفضل أحداثها المثيرة ونبرتها الشخصية وأهميتها التاريخية -وصف فيليب&حتي وهو مترجم أدب أسامة بن المنقذ، وصفه عام 1929 في كتابه "كرات" قائلا : "إن المؤلف أسامة بن المنقذ، يبدو وكأنه قصاص ماهر جدير بأن ينافس على جائزة في مدرسة صحافة حديثة"، مع ذلك فإن المؤلف نفسه لم يكن يعرف هذا المصطلح الأدبي حيث إن أسامة بن المنقذ سمى كتابه "كتاب الاعتبار" حين أملاه في دمشق قبيل سنوات من وفاته عام 1188. إن مصطلح "مذكرات" لم يجر تداوله في اللغة العربية حتى أواخر القرن التاسع عشر، ربما ترجمة عن الفرنسية،&وكان دخوله قاموس اللغة العربية مرتبطا بقدوم الحداثة إلى العالم العربي وعلامة على ظهور مفهوم جديد للهوية ودور جديد للأدب.
إن أهم فرق بين ذات القرون الوسطى كما هي متمثلة في كتاب سيرة ذاتية كالذي ألفه أسامة بن المنقذ والموضوع الحديث كما هو معبر عنه في قصص الحياة العصرية هو طبيعتها المنزلة الخالية من المشاكل. كان أسامة بن&المنقذ يرى الحياة جامدة، فقد كان يعيش حياة عاشها أبوه من قبل وسوف يعيشها أبناؤه من بعده. فحياة المرء ومماته ودوره في المجتمع ومكانه منه أمور مقدرة &لا محيد عنها، والانتماء لهذه الحياة أمر حتمي لا خيرة له فيه.
"من أنا ؟ وماذا أريد ؟ وماذا أحب ؟وماذا أكره ؟ ولم أرفض أن أعيش كما يعيش غيري ؟"
أما اليوم فقد غاب هذا الاستقرار وأصبح المرء يحيا حياة دائمة التقلب ومكانه منها ليس مقدرا ولا ممنوحا وإنما يمكنه تغييره واختياره، فالأبناء والبنات لم يعودوا ملزمين بأن يعيشوا عيشة آبائهم، بل لا يستطيعون ذلك، إذ أن التطور التكنولوجي وتلاشي أنماط الحياة التقليدية وانتشار التعليم وتأثير الثقافات واللغات الأجنبية والتمدن والهجرة فضلا عن تقلبات أخرى زادت كلها من الحركية الاجتماعية. وفي العالم العربي وجد بعض الناس طرقا جديدة للتحرر من مكانتهم الأصلية من المجتمع فيما أكره آخرون على التخلي عن جذورهم.
ومن ثم نشأت حرية أو حتمية تقضي بأن يختار المرء من يكون. لكن هذه الحرية أو الاختيار كان مشوبا بالخوف والقلق على حس الانتماء الحقيقي الذي أدى إلى ظهور مشكلة في العصر الحديث تعرف بمشكلة الهوية.
"من أنا ؟ وماذا أريد ؟ وماذا أحب ؟وماذا أكره ؟ ولم أرفض أن أعيش كما يعيش غيري ؟"
كانت تلك أسئلة طرحها الطفل البطل في صمت وهو مستلق في فراشه يقظا قلقا على مستقبله في "أيام من طفولتي" (3 مجلدات 1955، 1962، 1961) وهي أسئلة قد يطرحها الملايين. ففي هذه بالذات يجيب المؤلف والروائي ابراهيم عبد الحليم (1920-19860) بشكل مبطن، أن محاربة الاشتراكية التي تفهم على أنها ديموقراطية ومساواة وعدل ستحل مشكلة الهوية لدى الكائن الصغير. وبالفعل صار الفكر اليساري بعد الحرب العالمية الثانية هوية مشتركة للعديد من الكتاب العرب. وفي الخمسينيات والستينيات كان العصر ما يزال عصر التفاؤل وكان بطل السيرة الذاتية مثالا لا يحتذى رغم أن درع الفارس قد صار بزة الثوري والمقاتل من أجل الحرية.
ومن ثم نشأت حرية أو حتمية تقضي بأن يختار المرء من يكون. لكن هذه الحرية أو الاختيار كان مشوبا بالخوف والقلق على حس الانتماء الحقيقي الذي أدى إلى ظهور مشكلة في العصر الحديث تعرف بمشكلة الهوية.
"من أنا ؟ وماذا أريد ؟ وماذا أحب ؟وماذا أكره ؟ ولم أرفض أن أعيش كما يعيش غيري ؟"
كانت تلك أسئلة طرحها الطفل البطل في صمت وهو مستلق في فراشه يقظا قلقا على مستقبله في "أيام من طفولتي" (3 مجلدات 1955، 1962، 1961) وهي أسئلة قد يطرحها الملايين. ففي هذه بالذات يجيب المؤلف والروائي ابراهيم عبد الحليم (1920-19860) بشكل مبطن، أن محاربة الاشتراكية التي تفهم على أنها ديموقراطية ومساواة وعدل ستحل مشكلة الهوية لدى الكائن الصغير. وبالفعل صار الفكر اليساري بعد الحرب العالمية الثانية هوية مشتركة للعديد من الكتاب العرب. وفي الخمسينيات والستينيات كان العصر ما يزال عصر التفاؤل وكان بطل السيرة الذاتية مثالا لا يحتذى رغم أن درع الفارس قد صار بزة الثوري والمقاتل من أجل الحرية.
الذات والتاريخ
إن معظم الكتاب العرب المعاصرين يستخلصون درسا من حياتهم غير ذاك الذي استخلصه أسامة بن المنقذ في حياته وما استخلصوه كان أن لا شيء مقدر سلفا، فالذات و المجتمع كلاهما يتكونان بفعل البشر وإرادتهم على نحو لا يكون دائما إلى الأحسن. فلا الحياة ولا التاريخ يتفقان مع ما يريد المرء حين يكون بعد شابا متفائلا.
منذ السبعينيات عم الشعور بالخيبة. وحين يفقد الرب السيطرة على مجرى الأحداث تتعاظم آلام الشيخوخة اللازمنية بفعل الإحساس بالمسؤولية الذاتية عن الفشل السياسي والشخصي.
منذ السبعينيات عم الشعور بالخيبة. وحين يفقد الرب السيطرة على مجرى الأحداث تتعاظم آلام الشيخوخة اللازمنية بفعل الإحساس بالمسؤولية الذاتية عن الفشل السياسي والشخصي.
لقد عصينا أمر آبائنا وصددنا عن استعطاف أمهاتنا دون أن نعي تمام الوعي أننا كنا نسعى للتخلص من السلطة الأبوية وأن ننطلق من القيود العائلية ونتخلص من القيم المحلية. وددنا أن نغير حياتنا الراكدة بين أحضان الأسرة التي ربتنا بحياة عريضة غنية في خضم المجتمع، فاتبعنا طريق العمل الحزبي وأدينا الثمن غاليا "العبث بالسياسة" واليوم نحن أبناء ذلك الجيل نعيش سن الأربعين والخمسين وقد خلفنا الحياة وراءنا وصار مستقبلنا ماضينا، فماذا نلنا من صراعنا هذا ؟
هذا النعي المركب لشباب ضائع وطموحات محبطة مقتطف من سيرة المؤرخ الفلسطيني هشام شرابي "الجمر والرماد" (1978)، الذي يعتبر نموذجيا من نواح عدة. أولا لأنه يعتمد نقد المجتمع ومساءلة النظام القائم ويثمن ثورة الفرد واحتجاجه على عكس التقليد القديم الذي عرف بالانصياع والموافقة. ونقد الذات هو أيضا جزء من هذا الموقف، فالمؤلف يقر بما اقترفه من أخطاء ويفضح جوانب من شخصيته قد تكون مشينة. فهذه الذات التي لا تمت إلى البطولية بصلة تقف في منتصف الطريق بين المثل الخلقي الرفيع ونقيض البطل المدمر حيث يشكلون مجتمعين الأنماط الثلاثة للشخصية في السيرة الذاتية.
فضلا عن هذا فالمؤلف يرى لنفسه وظيفة في التاريخ، فشرابي حين يكتب عن طفولته في فلسطين حيث ولد في مدينة يافا 1927 وعن شبابه في الولايات المتحدة وهو طالب وعن مغامراته في لبنان وهو نشط سياسي إنما يريد أن يبين كيف شكلت العوامل الاجتماعية والسياسية شخصيته وأثرت في حياته، وكيف كان هو نفسه عاملا مؤثرا في مجرى الأحداث. وهذا أيضا موقف نمطي للزمن المعاصر يتمثل في الاعتراف القوة الدنيوية للموروث والمحيط على القدرية الإلهية، وكذا تزكية قدرة الفرد على تغيير نظام الأشياء على الأرض وتحكمه في مصيره الشخصي.
فضلا عن هذا فالمؤلف يرى لنفسه وظيفة في التاريخ، فشرابي حين يكتب عن طفولته في فلسطين حيث ولد في مدينة يافا 1927 وعن شبابه في الولايات المتحدة وهو طالب وعن مغامراته في لبنان وهو نشط سياسي إنما يريد أن يبين كيف شكلت العوامل الاجتماعية والسياسية شخصيته وأثرت في حياته، وكيف كان هو نفسه عاملا مؤثرا في مجرى الأحداث. وهذا أيضا موقف نمطي للزمن المعاصر يتمثل في الاعتراف القوة الدنيوية للموروث والمحيط على القدرية الإلهية، وكذا تزكية قدرة الفرد على تغيير نظام الأشياء على الأرض وتحكمه في مصيره الشخصي.
الذات والمكان
إن أحد الأوجه النمطية في "الجمر والرماد" هو أن &جزءا من مشكلة الهوية لدى الراوي لها صلة مع منفاه. فهو لا يستطيع أن يعود إلى وطنه فلسطين لأنه صار اليوم إسرائيل. يريد أن يستقر في لبنان لكن الحرب الأهلية تحول دونه وما يريد. وبحكم عمله أستاذا جامعيا في الولايات المتحدة يشعر بالعزلة والانقطاع عن أصوله. مآزق متشابهة تلتقي في المذكرات العربية والسير الذاتية مرة تلو الأخرى. إن النفوذ الأجنبي السياسي منه والاقتصادي فضلا عن الفقر جعلا كثيرا من العرب يتجهون للخارج سعيا وراء العلم والعمل. أما الحروب والقمع فقد زادت إلى أعدادهم ما لا يحصى من اللاجئين يجمعهم حلم العودة إلى الوطن يوما ما. لكن أين هو هذا الوطن؟ هل له وجود في غير الحلم ؟ أم لعله كالشباب لا تدرك قيمته إلا بعد فواته وكلما ابتعد زاد تجذرا في خرافيته.
لذلك فحلم الشباب وحلم الوطن كثيرا ما يمتزجان في أدب السيرة الذاتية العربي وتنشأ عن مزيجهما لوحات خيالية خلابة تسكنها شخصيات رائعة ملأى بالأحداث الجميلة. أما الظرفية الجغرافية فقد تكون مدينة عامرة كالاسكندرية تصور شطحات الخيال في "مدينة الزعفران" (1989) لكاتبها إدوار الخراط أو تكون منطقة ريفية نائية شمال سوريا تشهد تفتق قريحة سليم بركات الشعرية في "الجندب الحديدي" لكن العالم السحري الذي يبدعه مثل هؤلاء المؤلفين لا وجود له على أية خريطة توبوغرافية.
إن جعل المكان "الوطن" امتدادا للذات "الشباب" استراتيجية نجدها أيضا على نحو أبسط في الروايات التاريخية. إذ كيف لك أن تصور الذات بعيدا عن محيطها؟ لذلك فقصة المدينة أو القرية أو الحارة أو البيت ذاته تكون كذلك قصة من كتبها رجلا كان أو امراة. وتظهر هذه المعادلة بوضوح في الكتب التي تتحدث عن الطفولة، تلك الفترة الخصبة من الحياة التي يفضلها الكاتب العربي المعاصر وقلما تناولها الكتاب القدامى. غير أن الوصف لم يكن دوما وصفا حنينيا بالضرورة، فمهما بلغت الطفولة في عذوبتها فهي لم تخل من نقط سوداء داكنة ومواطن ظلم بادية. لذلك فالحكايات المروية تتسم أحيانا بالوحشية والقسوة عن أطفال حرموا من الخبز والحب ولكنهم عاشوا رغم أنف الظروف.
لذلك فحلم الشباب وحلم الوطن كثيرا ما يمتزجان في أدب السيرة الذاتية العربي وتنشأ عن مزيجهما لوحات خيالية خلابة تسكنها شخصيات رائعة ملأى بالأحداث الجميلة. أما الظرفية الجغرافية فقد تكون مدينة عامرة كالاسكندرية تصور شطحات الخيال في "مدينة الزعفران" (1989) لكاتبها إدوار الخراط أو تكون منطقة ريفية نائية شمال سوريا تشهد تفتق قريحة سليم بركات الشعرية في "الجندب الحديدي" لكن العالم السحري الذي يبدعه مثل هؤلاء المؤلفين لا وجود له على أية خريطة توبوغرافية.
إن جعل المكان "الوطن" امتدادا للذات "الشباب" استراتيجية نجدها أيضا على نحو أبسط في الروايات التاريخية. إذ كيف لك أن تصور الذات بعيدا عن محيطها؟ لذلك فقصة المدينة أو القرية أو الحارة أو البيت ذاته تكون كذلك قصة من كتبها رجلا كان أو امراة. وتظهر هذه المعادلة بوضوح في الكتب التي تتحدث عن الطفولة، تلك الفترة الخصبة من الحياة التي يفضلها الكاتب العربي المعاصر وقلما تناولها الكتاب القدامى. غير أن الوصف لم يكن دوما وصفا حنينيا بالضرورة، فمهما بلغت الطفولة في عذوبتها فهي لم تخل من نقط سوداء داكنة ومواطن ظلم بادية. لذلك فالحكايات المروية تتسم أحيانا بالوحشية والقسوة عن أطفال حرموا من الخبز والحب ولكنهم عاشوا رغم أنف الظروف.
وأشهر الكتب في هذا الصنف هو كتاب "الخبز الحافي" 1980 للكاتب المغربي محمد شكري.
فذكرياته المرة عن المجاعة ومساكن الفقر المدقع لا تقتصر عليه وحده رغم إمعانها في الفظاظة فالقصة ذاتها، قصة "الصبي الفقير الذي يعاني قبل أن يحقق مبتغاه" تتكرر في شهادات الكثيرين ممن كتب لهم البقاء في شرق العالم العربي وفي غربه. فأنت حين تقرأ هذه القصص تشعر بالقشعريرة والطمأنينة في آن واحد خاصة وأنها تؤول كلها إلى نهاية سعيدة، فتجد أنك قد كفيت مؤونة قصص الفشل المكدرة. إن هؤلاء الأطفال الذين هلكوا لم يكتب لهم أن يدونوا تجاربهم فلا تملك إلا أن تتخيل ما عانوه. |
من صنيع الذات إلى صنيع الإنسان
لقد كان دخول العالم العربي القرن الحادي والعشرين إيذانا كذلك بدخول عهد الحداثة. فالبحث عن الهوية لدى الجيل الأول من كتاب السيرة الذاتية كان بحثا عن ذات معقلنة وكانت القاعدة النظرية الضمنية هي داروين والتجريبية والوضعية، وأعقبت قصة الحياة النمطية الحبكة الرومانسية التي قوامها المغامرة والنصر ثم الجزاء الحسن.
هذه الهيكلة مثلا تحكم أدب السيرة الذاتية الكلاسيكي المعاصر بامتياز في كتاب "الأيام" (ثلاثة أجزاء : 1929-1939-1967) لطه حسين. إن عمى البصر في هذه القصة وليس الفقر هو ما يمثل موطن عجز الصبي البطل الذي عليه أن يتجاوزه ويمثل مغامرته في آن واحد، حيث تأخذه رحلته من كتاب القرية إلى القاهرة ليصارع مشايخ الأزهر المحافظين وينال آخر الأمر حقه باعتراف رؤسائه بذكائه وقبوله ضمن أعيان المجتمع.
ولعل عظم نجاح "الأيام" وجاذبية الكثير من الكتب من جنسه التي ما زالت تصدر إنما مرده إلى استخدام الحبكة ذاتها التي تدور حول نجاح السعي، بحثا عن الهوية والنسب والشهرة التي تعبر عن تطلعات القارىء المكتومة للارتقاء عاليا عن أصوله ونيل الحظوة بين الناس. إنها قصة انتصار داوود على جالوت حيث تكون تعاطف القارىء دوما مع المستضعف.
أما الأجيال التالية فقد أوجدت مفهوما أكثر سوسيولوجية للذات، حيث استقلال الفرد أمر نسبي ومسار حياته عرضة لعوائد أحداث سياسية واجتماعية لا طاقة له بها. وحيث الهوية الذاتية يشكلها نتاج التفاعل بين الذات والمجتمع، بين النواة الداخلية أو "الذات الحقة" والعالم الخارجي. هذا المفهوم السوسيولوجي وجد له دعما من علم النفس وتالف ماركس وفرويد حيث كان مفهوم الأسرة مثل مجتمع مصغر والتربية فيه شكل آخر من أشكال الإكراه. لقد ظلت فكرة "أنا" بكر و"أنا" أصيلة، نقية لكن موحدة هي السائدة. وكانت مهمة الكاتب أن يبين كيف أن هذه الذات الأصيلة قد دمرتها سلطوية المجتمع وزعامة الأب الأسرية او لربما أنقذتها جهود الفرد وكفاحه المستميت. ولعل سيرة شرابي المذكورة آنفا هي خير مثال على هذا النوع من تفهم الذات. اليوم ومع إشراف القرن الحادي والعشرين، استهل المجتمع العربي حقبة جديدة هي حقبة "ما بعد الحداثة" التي جلبت معها تجارب وروايات جديدة.
هذه الهيكلة مثلا تحكم أدب السيرة الذاتية الكلاسيكي المعاصر بامتياز في كتاب "الأيام" (ثلاثة أجزاء : 1929-1939-1967) لطه حسين. إن عمى البصر في هذه القصة وليس الفقر هو ما يمثل موطن عجز الصبي البطل الذي عليه أن يتجاوزه ويمثل مغامرته في آن واحد، حيث تأخذه رحلته من كتاب القرية إلى القاهرة ليصارع مشايخ الأزهر المحافظين وينال آخر الأمر حقه باعتراف رؤسائه بذكائه وقبوله ضمن أعيان المجتمع.
ولعل عظم نجاح "الأيام" وجاذبية الكثير من الكتب من جنسه التي ما زالت تصدر إنما مرده إلى استخدام الحبكة ذاتها التي تدور حول نجاح السعي، بحثا عن الهوية والنسب والشهرة التي تعبر عن تطلعات القارىء المكتومة للارتقاء عاليا عن أصوله ونيل الحظوة بين الناس. إنها قصة انتصار داوود على جالوت حيث تكون تعاطف القارىء دوما مع المستضعف.
أما الأجيال التالية فقد أوجدت مفهوما أكثر سوسيولوجية للذات، حيث استقلال الفرد أمر نسبي ومسار حياته عرضة لعوائد أحداث سياسية واجتماعية لا طاقة له بها. وحيث الهوية الذاتية يشكلها نتاج التفاعل بين الذات والمجتمع، بين النواة الداخلية أو "الذات الحقة" والعالم الخارجي. هذا المفهوم السوسيولوجي وجد له دعما من علم النفس وتالف ماركس وفرويد حيث كان مفهوم الأسرة مثل مجتمع مصغر والتربية فيه شكل آخر من أشكال الإكراه. لقد ظلت فكرة "أنا" بكر و"أنا" أصيلة، نقية لكن موحدة هي السائدة. وكانت مهمة الكاتب أن يبين كيف أن هذه الذات الأصيلة قد دمرتها سلطوية المجتمع وزعامة الأب الأسرية او لربما أنقذتها جهود الفرد وكفاحه المستميت. ولعل سيرة شرابي المذكورة آنفا هي خير مثال على هذا النوع من تفهم الذات. اليوم ومع إشراف القرن الحادي والعشرين، استهل المجتمع العربي حقبة جديدة هي حقبة "ما بعد الحداثة" التي جلبت معها تجارب وروايات جديدة.
إنك تجد في نصوص أدبية لكتاب مثل رؤوف مسعد "بيضة النعامة"(1994) أو رشيد الضعيف "عزيزي السيد كاواباتا" (1995) تجد شخصيات مكونة ليس |
من هوية واحدة بل من هويات عدة قد يناقض بعضها بعضا. فالهوية لم تعد بسيطة مستقرة مع الزمن من الطفولة حتى الشيخوخة ولكنها أصبحت معقدة متقلبة. وأصبحت الذات الجديدة مجزأة، دائمة التحول، مستحيلة الرصد، بعيدة عن المعقول تتنقل بين خيارات عدة. إنها تشكيلة غامضة مبهمة من صنع الإنسان. وللتعبير عن هذه الهوية المتصدعة يقدم لنا الضعيف لئمه شخصية مستقلة في كتابه "عزيزي السيد كاواباتا". كما توظف رضوى عاشور التقنية نفسها في عمل السيرة الذاتية الذي ظهر أخيرا "الأشباح" (1999).
إن انشطار الموضوع الموحد صاحبه تلاش متزايد للحدود التي كانت تفصل بين الخيال والحقيقة في الأدب، حيث أصبحت "الحقيقة" إشكالية كالذات، غير أن الحاجة لكتابة قصة عن الذات لا زالت قائمة ولو لأسباب معرفية لا غير، إذ أن العقل البشري يمنح مغزى للحياة عن طريق القصة. وما دام الأمر كذلك فسيظل للسيرة الذاتية شأنها. أما حالها في المستقبل فهذا لا يعلمه أحد. الأكيد أنها لن تكون مرآة بسيطة لأن الكلمة لم تكن قط كذلك. ولقد يعلم الكاتب والقارىء كلاهما أن "أنا" المنظور هي في آخر المطاف بيد الناظر.
إن انشطار الموضوع الموحد صاحبه تلاش متزايد للحدود التي كانت تفصل بين الخيال والحقيقة في الأدب، حيث أصبحت "الحقيقة" إشكالية كالذات، غير أن الحاجة لكتابة قصة عن الذات لا زالت قائمة ولو لأسباب معرفية لا غير، إذ أن العقل البشري يمنح مغزى للحياة عن طريق القصة. وما دام الأمر كذلك فسيظل للسيرة الذاتية شأنها. أما حالها في المستقبل فهذا لا يعلمه أحد. الأكيد أنها لن تكون مرآة بسيطة لأن الكلمة لم تكن قط كذلك. ولقد يعلم الكاتب والقارىء كلاهما أن "أنا" المنظور هي في آخر المطاف بيد الناظر.
تمكين الفن
لقد قيل إن كتابة السيرة الذاتية فن يتعاطاه المهمشون تعبيرا عن سخطهم على وضعهم المستضعف في المجتمع. إن كتابة السيرة الذاتية ضرب من التقوى، فأنت حين تتأمل ذاتك تبرز المكبوت وترسم له مخرجا. وهذا التأويل يصح أيضا على الأدب العربي المعاصر حيث ينزع الكتاب لوصف حياتهم، خاصة حياة الطفولة على أنها صراع من أجل التحرر. فالبحث عن الهوية هو بحث عن الحرية. فإلى عائق العمى والفقر في هذا السايق يمكننا أن نضيف "ذنب" المرأة في كونها امرأة من وجهة نظر المجتمع الرجالي.
لقد نشأ تقليد يعود لسنوات الثلاثينيات لكتابة مذكرات النساء في مصر حيث نشأت مبكرا منظمات نسائية وصحافة نسائية وأصبح أمر تحرير المرأة الخيط الأحمر في كل هذه الكتابات التي تبين أن حياة الفتاة وتنشئتها كان مختلفا. غير أن تحرر المرأة& هذا كان تحررا يحظى بدعم آيات من القرآن وشعارات ماركسية مما يبين أن هويات النساء قابلة للتفاوض تماما كما هي قابلة للتفاوض هويات الرجال. أو ليس هذا حال السيرة الذاتية؟
مسألة تفاوض. فكاتب السيرة الذاتية يفاوض من أجل معنى للحياة. فهوية كاتب السيرة الذاتية ليست من قبيل المعطى إنما هي تنشأ من خلال كتابة الذات. ولذلك فإن الكتاب الشباب والكهول إنما يمارسون فعل تمكين الفن بنفس الحدة التي للشيوخ في ذلك.فلكل ماض يؤلمه وحاضر يواجهه ومستقبل يبينه ولو في مذكراته ليس إلا.
لقد نشأ تقليد يعود لسنوات الثلاثينيات لكتابة مذكرات النساء في مصر حيث نشأت مبكرا منظمات نسائية وصحافة نسائية وأصبح أمر تحرير المرأة الخيط الأحمر في كل هذه الكتابات التي تبين أن حياة الفتاة وتنشئتها كان مختلفا. غير أن تحرر المرأة& هذا كان تحررا يحظى بدعم آيات من القرآن وشعارات ماركسية مما يبين أن هويات النساء قابلة للتفاوض تماما كما هي قابلة للتفاوض هويات الرجال. أو ليس هذا حال السيرة الذاتية؟
مسألة تفاوض. فكاتب السيرة الذاتية يفاوض من أجل معنى للحياة. فهوية كاتب السيرة الذاتية ليست من قبيل المعطى إنما هي تنشأ من خلال كتابة الذات. ولذلك فإن الكتاب الشباب والكهول إنما يمارسون فعل تمكين الفن بنفس الحدة التي للشيوخ في ذلك.فلكل ماض يؤلمه وحاضر يواجهه ومستقبل يبينه ولو في مذكراته ليس إلا.
ننشر هذا&المقال، بالاتفاق مع المؤلف تيتز روك& (اكاديمي ومترجم في جامعة أوبسالا - السويد) ومع&المؤسسة الاوروبية للثقافة (أمستردام -هولندا)
&European Cultural Foundation
Jan van& Goyenkade 5
NL 1075 HN Amsterdam
&
Jan van& Goyenkade 5
NL 1075 HN Amsterdam
&











التعليقات