&
&
لم يمض وقت طويل على مهرجان الشماتة والتضامن الإعلامي الإسرائيلي مع الإدارة والشعب الأميركي، حتى شرع المعلقون الإسرائيليون بالانقسام على أنفسهم حول مدى فائدة ما جرى بالنسبة لإسرائيل. فإضافة إلى المطالبين <<بدق الحديد وهو ساخن>> حسب البروفسور اتيان غلبوع في <<معاريف>>، ثمة من بدأوا يتحدثون عن أن إسرائيل في هذا العمل ستبقى وحيدة في الوراء. ويرى آخرون مثل يوئيل ماركوس في <<هآرتس>> وجوب التروي والحذر لأن الجميع يقع الآن على <<طريق الفيلة>>.
ويقول الخبير الإسرائيلي في الشؤون الأميركية اتيان غلبوع إن الولايات المتحدة ملزمة بالرد في اتجاهين، معاقبة كل الجهات ذات الصلة المباشرة بالهجوم الإرهابي، بشكل يردع كل من يفكر بتنفيذ عملية مشابهة في المستقبل في الولايات المتحدة، وإقامة ائتلاف ناجع لمحاربة الإرهاب بصورة عالمية، ويذهب إلى ضرورة القيام مثلا بعقد <<مؤتمر دولي يكون معاكسا في تنظيمه ومسيرته لمؤتمر دوربان الفاشل، وإطلاق رسالة حازمة ترفض أي تبرير للإرهاب بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف من الظروف، وتحدد انه الخطر الأساسي على أمن وسلامة العالم>>. ويمضي هذا الخبير في تحديد غايات إسرائيل من العمل الأميركي فيشير الى وجوب <<الامتناع عن إطلاق رسالة معاكسة، مثل انتخاب سوريا، وهي دولة إرهاب واضحة، قريبا كعضو في مجلس الأمن الدولي>>.
ويكتب حيمي شاليف في <<معاريف>> ان إسرائيل سوف تحظى حقا بتعاطف أميركي لم يسبق له مثيل، كأخوة في الدم والمصائب، ولكن محظور التسرع واستخلاص استنتاجات بعيدة المدى. ومنذ الآن غدا واضحا أنه ليست إسرائيل، وإنما الدول العربية المعتدلة، خاصة مصر والأردن والسعودية هي التي ستحتل في الآونة القريبة رأس سلم الأولويات الاستراتيجية الأميركية. وفي الكونغرس لن يحبوا ذلك، ولكن السياسة الواقعية للإدارة الأميركية تملي عليها منذ الآن التقارب مع القاهرة والرياض وعمان تحديدا. فبمثل هذه الطريقة، كما هو معروف يبنى <<التحالف الدولي>>.
ويمضي شاليف قائلا إن هذا هو المنطق الذي وجه بوش الأب فأقام الائتلاف الدولي ضد العراق، وهو المنطق الذي سيقود بوش الإبن عند إعداده رد الفعل الأميركي على العمليات. وأشار الى انه وعلى نقيض ردود الفعل الغريزية لدى الكثيرين في إسرائيل لم يسارع الأميركيون الى اعتبار عرفات واحدا من كبار المجرمين الذين ينبغي القضاء عليهم فوزا. فتحويل عرفات إلى عدو للأمة الأميركية يضعف موقف الإدارة في اتصالاتها مع الدول العربية المعتدلة.
ويرى ماركوس أن الولايات المتحدة هي قوة عظمى تتحرك ببطء. وأن قوتها التي هي أحيانا نقطة ضعفها، تكمن في أنها لا ترد بشكل غريزي. ففي كل الأماكن التي ضربها الإرهاب فيها، من لبنان وحتى الصومال، فضلت إعادة أبنائها إلى بيوتهم. وثقل حركة أميركا تذكرنا بالفيل الذي لا تعيق سيره المتثاقل كل الطفيليات والحشرات. ولكن عندما تشعر الفيلة بالخطر، تبدأ ركضا مجنونا وتدوس كل من يقف في طريقها. ويعرف هذا المسار بطريق الفيلة، الذي تحْذَر كل حيوانات الغابة من المرور فيه.
وكتب ماركوس ان هجوما إرهابيا في يوم واحد، يمكن أن يصل عدد ضحاياه إلى نصف عدد القتلى في السنوات الثماني لحرب فيتنام، دفع أميركا الغاضبة والحازمة إلى طريق الفيلة. وأميركا لن يهدأ لها بال الى ان تكشف المنفذين ومرسليهم والمتعاونين معهم في الولايات المتحدة وخارجها، وتورط <<المؤسسات الخيرية>> التي تنقل الأموال للمنظمات الإرهابية، والدول الإسلامية التي تقدم الملاذ والمساعدة الاستخبارية. والهدف لن يكون الثأر، وإنما الحرب المستمرة والساحقة ضد الإرهاب، بالتعاون مع الدول الديموقراطية التي رأت كيف أنه في ساعة واحدة تسببت أربع خلايا إرهابية في إحداث فوضى عالمية>>.
ولكن أورلي أزولاي كانت الأكثر وضوحا في <<يديعوت أحرونوت>> حيث كتبت ان الولايات المتحدة معنية بإقامة ائتلاف دولي ضد الإرهاب يدعم أميركا في كل خطوة تتخذها سواء أكانت عسكرية أم سياسية. وأشارت الى أن الولايات المتحدة جندت حتى الآن أوروبا في الائتلاف ضد الإرهاب وتحدثت مع الصين وشرعت بحوار شبه سري مع باكستان، على أمل أن تستخدم هذه علاقاتها مع طالبان لوضع اليد على بن لادن. وترغب الإدارة الأميركية في ضم دول عربية معتدلة مثل السعودية ومصر إلى هذا الجهد.
وكتبت ان إسرائيل كانت الأسرع في إبلاغ الولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية بأنها جاهزة وراغبة في الانضمام إلى تحالف القوى التنويرية ضد قوى الظلام، ولكن وبأدب أميركي تقليدي، تم الطلب منها أن تخفض صوتها. ويبدو واضحا ان الولايات المتحدة غير معنية باعتبار إسرائيل شريكا في هذا الائتلاف، مثلما حدث عند تشكيل التحالف المناهض لصدام حسين خلال حرب الخليج. وقالت أزولاي ان واشنطن تفهم أن إدراج إسرائيل في هذا التحالف يمنع الدول العربية عن المشاركة فيه، كما أن ضم مصر والسعودية إلى هذا التحالف يعتبر بالغ الأهمية لعدة أسباب: لإثبات أن التحالف ليس ائتلاف الغرب ضد العالم الإسلامي، وإنما اتحاد المعادين للإرهاب، ولأن الولايات المتحدة تعرف من أين تؤكل الكتف، فإن غضبت السعودية فسترتفع أسعار النفط. والآن، حيث ينهار الاقتصاد فإن أهم شيء لدى إدارة بوش هو استمرار تدفق النفط إلى الولايات المتحدة بالوتيرة نفسها وبأسعار يتحملها كل مواطن.
وأشارت إلى أن لأميركا غرضا آخر وهو يتمثل في أن انضمام إسرائيل إلى الائتلاف يجعل منها هدفا مباشرا. وقالت انه لذلك تتعاون أميركا مع إسرائيل في محاربة الإرهاب ولكنها تفعل ذلك في الغرف الداخلية. فالأجهزة الاستخبارية للطرفين تتبادل المعلومات، ولكن من الوجهة العلنية، أميركا تريد إسرائيل صامتة.
ويوضح المراسل العسكري لصحيفة <<يديعوت أحرونوت>> أليكس فيشمان انه وبعد اتضاح صورة الهجمة الإرهابية على أميركا أدرك قادة إسرائيل <<اننا نواجه شيئا مغايرا تماما لما كان. وكان المتقدمون في السن أول من أدرك هذه المتغيرات تحديدا. وقد تحدث العسكريون عن الحاجة لاستغلال الفرصة، وأن هذا هو الوقت المناسب لضرب الفلسطينيين وإنهاء الأمر بالقوة. فالعالم سوف يتفهم ذلك ولن ينتبه أحد لما يحدث>>.
وكتب انه في عملية جنين الدائرة حتى الآن <<كان القلق ما يزال سائدا في إسرائيل حول المدة التي سيسمح لنا العالم بالتواجد داخل المنطقة <<أ>>. وبعد انهيار برجي مركز التجارة الدولية لم يعد هذا التساؤل المقلق قائما. و<<إن كان الجيش حتى الآن يتحدث بمفاهيم ومصطلحات <<استراتيجية الجدار>> أي تشكيل جبهة تحول دون تحقيق عرفات لأية إنجازات، فقد أصبح من الممكن الآن وصاعدا الحديث عن استراتيجية جديدة لإسقاط هذا الجدار على رأسه>>.
وأوضح أن بيريز وشارون أدركا أن تحالفا دوليا سيقضي على <<أحد أشد التهديدات خطورة بشكل جذري: الأصولية الإسلامية. وأدركا موقع إسرائيل في هذا التحالف... فإسرائيل لن تقف في خط الجبهة حتى لا تفسد الأمر على الأميركيين، وحتى لا تجتذب النيران إليها.. ومهمتها ستكون تقديم المساعدة الاستخبارية واللوجستية، وكل ما يطلب منها غير أن الكبار وحدهم هم الذين سيقومون بالمهمة نفسها>>.(السفير اللبنانية)
&