تحليق

تراصت المقاعد فوق بعضها في ركن الفصل الدراسي. كانت دورة النظافة داخل المدرسة قد وصلت إلى فصلهم.&في الركن المقابل للباب جلس الطالب الصغير وقد ابتلت ملابسة بالكامل بالماء وعرقه ينضح. بدا تنفسه السريع وكأن الأماني والأحلام التي خطرت له في طريقها إلى التحقق. لم يكن يحب أن يتذكر أحلام اليقظة في تلك اللحظة، لكنه يتذكرها الآن بتوهج.
زميله يقف بجواره يقذف بالكلمات بسرعة متقطعة.
كانت رائحة الماء تعبق في الفصل وهدير المروحة يبدو كأنها ستقلع بالفصل ليحلق في السماء.&وبين الحين والآخر تصلهم أصوات خافته للطلاب وبعض المدرسين القريبين. لقد فضلا البقاء تحت نسمات المروحة المعلقة في السقف على النزول إلى الحوش.
توقف زميله عن الكلام وجلس على الأرض مسندا ظهره إلى الجدار. ساد صمت في الفصل اربكهما فاستسلما له. ارتفع صوت المروحة كثيراً، عندها شعرا انهما يقتربان ببطء من السقف.
الصورة والجدار

صورتي تلك تسكن داخل الإطار منذ عشر سنوات.
أمسكت بها وعلقتها على الجدار أمامي. كنت عندما أمل التطلع إلى المرآة انظر إلى الصورة. طوال تلك السنوات أراقب التغيرات في شكلي حتى هذه اللحظة. عندما أُجرح أو أُخدش أو تظهر بعض الحبوب الغريبة والنقط السوداء أعود إلى صورتي لأرى كيف كان موضع التغير صافياً. أدرك أن المصور كان& بارعا في إخفاء الجرح القديم بجوار انفي لذلك كنت أتجنب النظر في ذلك& الجزء.
اليوم علقت مرآة بجوار الصورة فأصبحت المقارنة سهلة لم اعد بحاجة إلى الذهاب والعودة فقدماي لم تعودا بذلك النشاط القديم. لفت نظري اليوم الإطار. لم اكن اهتم به من قبل بدا لي بسيطاً جداً، مجرد أربع أخشاب متلاصقة الأطراف. ظهرت على طلائها خفوت لوني أحزنني. أتمنى اليوم لو أنني أخذت صورة للإطار عندما كان جديداً لكي أستطيع تذكر حالته بوضوح.
كنت اعرف أنني كلما عزمت على البوح برغباتي أحس بالطرف الآخر يتراجع هاربا وكأنما لا يعرفني.
عدت لصورتي وإطارها الباهت. كنت انظر جانبا وابتسامتي البسيطة تظهر أسناني العليا. شعر رأسي يبدو قوياً. اشعر أن الإطار اصبح جزء من المرآة التي بجواره، فالصورة التي في المرآة تناسبه في القِدم.
عدت إلى الجدار في اليوم التالي. كان الإطار قد أحاط بالمرآة واختفت صورتي القديمة تماماً، ولم أسأل عنها أحد إلى اليوم؟

رحيق الأجساد

كنت اعرف انه سيتاح لي مجال اكبر للمناورة والتحرك بعدما كنت أعيش شبه سجين للظروف. وكانت لدي قناعة غريبة بأنني عندما أنام ستتحر النساء بجباههن الجميلة ويرتفعن بأرواحهن إلى أن يصلن إلى صدور الملكات العذراوات فيمتزجن برحيق أجسادهن وتنطلق الرغبات حولهن بعربدات الغواية.
بعدها سأفيق واطلب من ملكة المنام أن تطلق رحيقهن حولي.
وسترفض.&وانام بعدها براحة وادخل في عالم النوم متفسخا من جميع أغطيتي إلى أن اصل إلى أقصى الخرائب.&عندها سأعقد العزم على الترحال وأتطلع إلى الأحلام دون أن انخدع بهذا الواقع أو بما تحاول أن تقنعني به.
- هذا جنون
- سمه ما تريد ولكنني بعد أن أستيقظ فانك لن تجد مني أي شيء لتغرس فيه ابرك المجنونة هذه.
- ولكنك ..
لم يترك له مجالا للحديث واستسلم للنوم سريعا وابتسامة صغيرة ارتسمت على فمه.
ولم يسمع أحد صوته بعد ذلك إلى هذا الوقت.
&
اتجاه
&&&&&&&&&&&&&&&&&&& الي: الصوت والكلمات هدى عبدالله
كان في مكة عندما وقف في طرف الساحة ثم اتجه إلى الركن. ثمة أوقات يجبر نفسه فيها على الصمت رغم صراخه الداخلي لذلك كانت وقفته غير متزنة مع الهواء الذي يلعب بثوبه الأبيض. لم يكن الفضاء خاليا أمامه بل توجد مبانٍ كبيرة تغطي معظم أجزاء الساحة وتسد الأفق أمامه حتى انه شعر بالاختناق فتوجه إلى الركن. تسللت إلى نفسه عشرون عاما من واشتبكت بيومه. لقد حضر هنا في هذه الساحة عندما كانت منزلا واحدا من طابقين و"سطوح"، أقيم به عرسٌ لاحدهم. كان يقف في ركن السطوح. عندها لم يتجاوز العاشرة. بحمل ثلاثين عاما عاد يتحسس بأذنيه أنغام تلك الليلة. ارهف السمع اكثر لتزداد حدة الرياح قليلاً ويتبدى بعض الجمال مختلطا بأصوات العرس القديم. لم تكن الأصوات واضحة، لكن جمالها تدفق بعد ذلك بقوة جعلته ينتفض وكأنه يرتفع عن الأرض. في تلك السن الصغيرة كانت رقصات النساء تعني له ما يشبه المزاح الذي يصل إلى حد الإزعاج، وهذا ما جعله لا يتذكر غيرها من النساء. لقد شعر برقصها جزء من عبادة تتحرر &بها من ألم. عاد اليوم بحثا عنها وعن صلاتها تلك.&أجال النظر في أركان المبنى الكبير وهز رأسه متحسرا.
- إذا فقد تهدم المبنى القديم ودفن بكل ابتهاج تلك الليلة.
&تحسس بعينه مرة أخرى المكان. رغم ارتفاعه البسيط عن الأرض إلا انه شعر بالمبنى الضخم وكأنه يتلاشى. لم يحاول أن يكذب عينيه بل أعجب بخياله هذا إلى أن تلاشى المبنى وتلاشت جميع المباني المحيطة وتبدى له البيت القديم مزداناً بالعرس. إذاً فلم يهدم البيت بل كان مختفيا.
اقنع نفسه بذلك واتجه بخطوات هادئة وجسد مرتفع نحو البيت القديم، أصوات الغناء تقترب وتصطخب حول أذنيه، ورائحة الهواء مليئة بالعطور القديمة، ويختفي بين المدعوين طفل صغير لم يتجاوز العاشرة.
بين قدميه
كان يشعر بأنه لو استمر فقط في الوقوف حيث هو سيشاهد العالم بين قدميه.
شعوره هذا نبت معه منذ أن كان طفلا يحاول المشي. لقد كان الوقوف تلك الأيام مغامرة كبيرة آيلة للسقوط في آية لحظة.
انغرس الخوف من الوقوف في قرارة نفسه إلى أن أتاه الشعور بالعالم المبهم عند قدميه.
الآن وعلى هذا الجبل فوق هذه الصخرة الملساء يقف والهواء يلعب بثوبه الأبيض ليحيله إلى ملاك مجنح، يتراءى السحاب قريبا من حزنه وأحلامه التي كان قاصراً عن تحقيقها.
صرخ في الهواء لترتفع رائحة صرخته متبددة في الهواء ويتضبب الجبل بما يشبه الحزن ويختفي بين الحجارة كائنا حاول الوقوف قبل أن يمشي إلى الهاوية.
ابتعاد ثابت
وفتح لي جدي المتوفي. يبدو أن جميع الميتين لهم نفس التصرفات الغريبة التي نسمع عنها. خرج لاستقبالي بشكله الذي أتذكره. شيخ كبير له تشابه الأرواح وابتعاد الدنيا عن الآخرة.
كان الضوء خلفه متماه مع بياض وجهه البارد لذلك لم أميز مصدر الضوء بدقة.
تكلمت كثيرا إلى أن تقلصت الحروف أمام صمته العظيم، ليبتعد بعدها عن الباب ببطء و أنا انظر إليه.
كانت مصابيح الرواشين تضاء عند مروره من تحتها. ركضت وراءه بسرعة ولم الحق به. كانت المسافة بيننا ثابتة رغم سرعتي ورغم بطأه المهيب.

خطوات
خطوات واضحة.
اسمعها جيدا وكأنها تعاد بايقاع ممل.&لم أتحرك من مكاني فقد كان الخوف يقيدني إلى الكرسي الذي اجلس عليه.
بجوار البحر والماء ممدد أمامي، أكاد احلم بجنيات الليل وبجمالهن المرعب، ترتفع تلك الخطوات.
لم اشعر أنها تقترب ولم اشعر أيضا بأنها تبتعد. لقد كانت مجرد خطوات تتردد من حولي.
أخذت نفسا عميقا ثم تشجعت وتلفت حولي؛ كان المدى بعيدا أمامي والبحر اسكن موجاته للصمت ولا يوجد حولي شيء.
شعرت بألم خفيف عندما ندمت على ابتعادي كثيرا عن المدينة. لكنني رغم ذلك لم أشاهد مصدر الخطوات. لقد هدأ المكان حولي حتى الهواء لم يعد يتحرك، مما جعلني أتحير في وصول الخطوات إلى أذني.
تلفت مرة أخرى ثم توقفت عن القلق عندما شاهدت الخطوات تتصاعد من حولي لتتجه نحو السماء دون أن تحدث دبيبا مسموعا أو ما يدل على أنها كانت على الأرض.
كأن تكون ملاك
بعد أن لمس الملاك بجناحيه عيني الطفل اصبح يرى.
وبعد أن لمس الملاك بجناحيه قدمي الطفل اصبح يمشي.
وبعد أن لمس الملاك بجناحيه يدي الطفل اصبح يكتب.
وبعد أن& لمس الملاك بجناحيه فم الطفل اصبح يتكلم.
وبعد أن لمس الملاك بجناحيه راس الطفل اصبح يفكر.
وبعد أن لمس الملاك بجناحيه صدر الطفل اصبح يحب.
وبعد أن لمس الملاك بجناحيه بطن الطفل اصبح شبعاً.
وبعد أن لمس لملاك بجناحيه ظهر الطفل اصبح قويا.
وبعد أن ابتعد الملاك قليلا عن الطفل لم يعد الملاك ملاكاً.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& (رابغ 28/6/2000)
&
&