&
إيلاف - فداء عيتاني: حين تحطمت اولى طائرات البوينغ على مبنى مركز التجارة العالمية كانت تثبت حقيقة مرة أمام خبراء وكالة الامن القومي، لقد منيوا بهزيمة منكرة، واصبحوا اقرب إلى فقاعات الهواء الضخمة، حجم هائلة وإيحاءات بقدرات متفوقة، وهشاشة منقطعة النظير.
النظام الذي انفق عليه اموال طائلة فشل في اكتشاف تحضيرات واعداد لعمليات متعددة ومكثفة وتمت ولا شك باحدث تقنيات الاتصال، هذا النظام المكون من وسائط متعددة بشرية والكترونية ومعلوماتية ارشيفية انهار على اسطورته، وتبين انه كان يلهوا فيما الشبان القادمون من الدول المتخلفة تقنيا يستعدون لتحويل أنفسهم إلى كاميكاز ويمرغون العلم الأميركي الشامخ في تراب من الذل والهزيمة والدم، لقد مات آلاف الابرياء، وصمتت وكالة الامن القومي، إنها ليست المرة الأولى التي تصمت فيها، هذه الوكالة تعامل نفسها بقليل من الادعاء، أو بكثير من الغرور، وحتى اللحظة، وبرغم كل التحقيقات التي تقول ان نظام ايشلون يرصد الكوكب، فالوكالة ترفض الاعتراف أو الانكار، إنها تكتفي بالقول ليس لدينا ما نعلق به.
&في منتصف شهر أيار (مايو) الماضي، عاد الوفد البرلماني الأوروبي من الولايات المتحدة الأميركية خائبا، كل إلى بلده وعمله، لقد منيت الزيارة الرسمية إلى واشنطن بالفشل، وأطلق الوفد تصريحات استنكارية احتجاجا على صد الولايات المتحدة الأميركية ووكالاتها الحكومية له، وحتى لعدم استقبال أعضاء الوفد، ثم هدأ المد الذي أطلقه البرلمان الأوروبي بإتجاه نظام "إيشيلون" المعلوماتي، كان البرلمان الأوروبي يستجيب لاحتجاجات الصناعيين الأوروبيين حول تجسس الولايات المتحدة على أعمالهم ومنافستهم بطريقة "غير شرعية"، وذهب الوفد إلى الولايات المتحدة حيث رفضت وكالة الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية استقباله.
هذه الإحتجاجات الأوروبية انفجرت خاصة مع تسرب معلومات بأن الوكالات الحكومية التابعة للولايات المتحدة: وكالة الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية، تقوم بالتجسس على البرلمان الأوروبي، وتفيد معلومات البرلمان الأوروبي بأن نظام "إيشيلون" يرصد بشكل مباشر الشركات والبرلمان الأوروبي، ليس من زاوية الإهتمام بالتطور التكنولوجيا هناك بل من ناحية كشف الخلل والتقصير لدى الشركات الأوروبية بهدف كسب الأسواق. ولكن الأمر قد انتهى مؤقتا إلى أن تقوم سلسلة إحتجاجات أوروبية أخرى.
الإحتجاجات الأوروبية بدأت في الشهر الثالث من العام الحالي، حين تسربت أولى المعلومات عن التجسس الصناعي والتجاري الأميركي، وقام جدل إشتركت فيه أوروبا (بمعنى آخر ناقشت أوروبا نفسها) عما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تستخدم نظام "إيشيلون" لغايات التجسس الصناعي وكسب الأسواق، وإنتهى الجدل إلى قرار في البرلمان الأوروبي بإرسال لجنة تحقيق إلى الولايات المتحدة، وعادت لجنة التحقيق بلاشيء، ربما بمزيد من التصريحات ولكن من دون أية معطيات حقيقية.
والمفوضية الأوروبية، من ناحيتها، بادرت بنفي سماحها لوكالة الأمن القومي الدخول وتفحص نظام تشفيرها الخاص بالمعلومات الهامة، وتقاطعت التقارير على ذكر أن الوكالة طلبت من شركة سيمنز الألمانية لصناعة الكومبيوتر، معلومات بشأن التكنولوجيا المستخدمة في نظام المعلوماتية المستخدم من قبل المفوضية الأوروبية، إلا ان الشركة رفضت الطلب الأميركي، هذا النظام للتشفير الرقمي الذي تستخدمه المفوضية الأوروبية لحفظ المعلومات وللإتصال بمندوبيها عبر العالم أصبح أحد أهداف وكالة الأمن القومي.
في العام 1998 تضامنت عدة قوى لإطلاق حملة ضد نظام "إيشيلون"، كان الشعار هو الحريات العامة ورفض المراقبة غير المشروعة، يبدو أحيانا إن المواطنين الأوروبيين يأخذون حقوقهم على محمل الجد، أو هكذا ظهرت صورة الإحتجاجات القائمة ضد قواعد "إيشيلون" في المملكة المتحدة وفي هولندا، حيث تتربع أهم قواعد نظام الرصد وتحليل المعطيات، ثم وفي الفترة الأخيرة قامت إحتجاجات أكثر جدية، لقد اكتشف الأوروبيون، وبعضهم لم يتجاوز إطار الشك، بأن نظام "إيشيلون" يفيد الشركات الأميركية في إطار التجسس الصناعي غير المشروع، والمنافسة غير الشريفة بين كبريات الشركات في القارتين.
وما بين العام 1998 والعام الحالي مسافة زمنية طويلة في عالم المعطيات المخابراتية والصناعات التقنية والمال والأسواق، ثمة من يكسب والمكاسب هنا تقدر بألوف المليارات من الدولارات، إنها الأسواق والشركات العملاقة وجنسيتها الأم أميركية حتما. النازداك يهيمن على الأسواق بلا منازع، وثمة من يراقب الحركة المالية على هذا الكوكب، ثمة من يوجهها، وان كانت الحكومات المركزية تنادي بالليبرالية، فالوكالات الحكومية تعمل بغير ذلك.
الأوروبيون يؤكدون عبر تقارير خبرائهم أن مندوبين عن وكالات المخابرات الأميركية (سي أي آي و أن أس أي) يشاركون بإجتماعات تحضيرية في المركز الذي يقدم مساعدة إلى الشركات الأميركية في مجال التصدير والمعروف بأسم "أدفوكيسي سنتر". إنها المنطقة/النقطة التي تتم عبرها الإستفادة بشكل مباشر وصريح من المعلومات المخابراتية.
في العام 1948 قام تحالف جهازي المخابرات الخارجية البريطانية (أم أي 5) وجهاز المخابرات العسكرية الأميركية ببناء مشروع المراقبة المجدولة، بهدف إخضاع الاتصالات بالمعنى العريض للكلمة للرقابة المباشرة، وكانت الأهداف العملانية لهذا المشروع محددة بالاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية، هذا المشروع كان الابن الشرعي لمشروعات الرقابة الحكومية في الولايات المتحدة والغرب عامة على الاتصالات، حيث تخضع الاتصالات السلكية واللاسلكية منذ مطلع العشرينيات من القرن الماضي إلى الرقابة والتنصت، ولكن المشروع البريطاني الأميركي كان اكثر تطورا، حيث اعمتد على الكلمات الدالة، حيث لم يعد يفرز المعلومات بناء لتصنيفات الأشخاص بل الكلمات الدالة ومن هنا اخذ اسمه الرمزي "إشلون" (الاصطفاف).
وفي العام 1956 أنشئت قاعدة مان ويذ هيل (manwith hill) وفي العام 1966 نقلت وكالة الأمن القومي الأميركية أنظمة آي أل سي (وهي اختصار لأنظمة مراقبة الاتصالات الدولية عبر الكوكب) إلى القاعدة البريطانية، وحتى نهاية السبعينيات كان فرز المواد المجمعة في قواعد المعلومات المتراكمة يتم بشريا عبر عشرات الآلاف من الموظفين العاملين في قطاع فرز المعلومات وتصنيفها، وكان دائما المبرر المعلن لهذا المشروع الخطر القادم من الاتحاد السوفياتي ومقاومة أجهزة التجسس المعادية، الا ان ذلك لم يمنع من استفادة الشركات الكبرى من المعلومات المتوافرة، ودخولها أحيانا في تعاون مباشر مع المشاريع التجسسية العملاقة كمشروع إشلون، حيث يذكر المتقاعدون من جهاز المخابرات الخارجية البريطانية خاصة في كتبهم الكثيرة، ان شركات رئيسية كانت تلعب أدوارا حساسة في المجال التجسسي مقابل الاستفادة من المعلومات ذات الطبيعة التجارية او الصناعية.
وشكل الموقع البريطاني مان ويذ هيل مركزا هائلا في النصف الثاني من السبعينيات والثمانينيات للتطوير التقني للنظام التجسسي إيشيلون، واصبح نقطة استقبال رئيسية لما تبثه الاقمار الصناعية من معطيات رقمية، لقد اصبح المركز النموذجي إضافة إلى هولندا وفرجينيا (والبعض يقول المملكة الهاشمية الاردنية والمملكة العربية السعودية) لاستقبال وفرز المعطيات المجمعة من الاتصالات عبر العالم.
في تلك الحقبة سمح تطور تقنيات الكومبيوتر ورخصها النسبي بتفعيل نظام إيشيلون إلكترونيا، لقد تطورت عمليات الجمع وكذلك الفرز وبقيت مشكلة رئيسية لطالما عانى منها النظام الا وهي تحليل المعلومات المتوافرة.
لقد أصبحت قواعد المعلومات المجمعة تفرز إلكترونيا وفق جداول الكلمات الدالة، أو الكلمات المفاتيح، وتحول التصنيف من مهمة بشرية روتينية إلى مهمة موكلة إلى أجهزة كومبيوتر مركزية تعمل بنظم اليونيكس وفق ما أشار تقرير "ستوا" أو اللجنة الاستشارية العلمية التقنية التابعة للبرلمان الأوروبي، والذي اجري تحت عنوان "تطوير الحماية والرقابة التقنية ومخاطر سؤ استخدام المعلومات الاقتصادية".
وفي التسعينيات كان لنظام إيشيلون مشاركات جليلة في عملية عاصفة الصحراء وما تلاها، وتذكر التقارير الأوروبية ان نظام ايشيلون وفي النصف الثاني من تسعينيات هذا القرن بات يمتلك قدرة على رصد وجمع عدة مليارات من الفاكسات والرسائل الإلكترونية والمحادثات الهاتفية وكافة أنواع المعلومات المرسلة عبر الأجهزة الإلكترونية، وتقول التقارير ان القدرة النظرية هي اربعة مليارات حالة في بريطانيا وحدها.ويبقى أمام نظام ايشيلون مصاعب بسيطة نسبيا هي كابلات الألياف البصرية التي تصعب مراقبتها، والعامل البشري، حيث يعمل في قاعدة مان ويذ هيل البريطانية عدة الالاف من الموظفين البريطانيين في تحليل المعلومات المجمعة والمفرزة عبر الأنظمة المعلوماتية.
النائب الألماني في البرلمان الأوروبي ومقرر اللجنة البرلمانية الخاصة بنظام التجسس إيشيلون غيرهارد شميدت أكد في نهاية شهر أيار (مايو) ان البرلمان الأوروبي سيعتمد يوم 12 من شهر حزيران (يونيو) الماضي التقرير الذي صاغه النواب الأوروبيون والذي يشير للمرة الأولى بشكل رسمي إلى ان الولايات المتحدة تقوم بالتنصت وبمراقبة مجمل الاتصالات السلكية واللاسلكية والإلكترونية في القارة الأوروبية وبالتعاون مع كل من بريطانيا واستراليا وكندا ونيوزيلندا. معتبرا ان الأمر الخطير والحيوي الذي توصل إليه المحققون هو ان هذا النظام تحول إلى أداة تنصت اقتصادية وتجارية على الاتحاد الأوروبي حاليا.
ودعا النائب الألماني غيرهارد شميدت كافة المتعاملين الأوروبيين عبر مختلف وسائط الاتصال باللجؤ إلى أنظمة خاصة لحماية المكالمات والاتصالات وتبادل المعلومات وتحديدا بالنسبة للبريد الإلكتروني داخل المؤسسات والمصانع الهامة والاستراتيجية.
ويقول التقرير البريطاني الأوروبي حول إيشيلون والذي يتكون من 116 صفحة ان نظام إيشيلون قادر نظريا على مراقبة والتقاط كافة المكالمات والمعاملات البريدية والالكترونية بين ضفتى الأطلسي أي بين الولايات المتحدة وأوروبا. ويعتبر التقرير ان المكالمات الإلكترونية داخل أوروبا وعبر شبكة الإنترنت يمكن التقاطها ولكن بشكل أكثر صعوبة من المكالمات الهاتفية واللاسلكية الأخرى، ويؤكد إمكانية قيام نظام إيشيلون بمراقبة كافة الاتصالات التي تمر عبر عدد من الأقمار الصناعية المعروفة وتحديدا انتلسات وانتير سوتنيك وايمارست وعبر الموجات القصيرة. ويحذر الخبراء الأوروبيون من احتمال استعمال نظام إيشيلون لأغراض التجسس التجاري والصناعي.
حين انفجرت المدمرة الأميركية كول في اليمن أعلنت وكالة المخابرات المركزية الأميركية أنها كانت تمتلك معطيات وتحذيرات حول الأمر، ولكنها أهملت بغير قصد، وحين انفجر مبنى اوكلاهوما كذلك الأمر، وفي كل حادثة مفصلية تخرج وكالة المخابرات المركزية بإعلان مشابه، طبعا وكالة الأمن القومي نادرا ما تصرح ولا تتعامل مباشرة مع الإعلام، ولكن إذا كانت المخابرات المركزية تمتلك معطيات فلماذا يتم إهمالها؟ ولماذا لم تنتبه هذه الاجهزة إلى ما كان يتم التحضير له وعلى مدى الأشهر الماضية من تدمير المقر المركزي للتجارة الاميركة في اكثر شوارع الكوكب رمزية إلى التعاملات المالية والتجارية، وتحطيم هيبة الولايات المتحدة والسخرية من مكانتها العالمية عبر ضرب المركز الرئيسي للقوات العسكرية ووزارة الدفاع والحرب الأميركية؟
ان أنظمة التجسس والتنصت لديها أولويات مختلفة، ومهما قال الرؤساء والحكومات المركزية حول الإرهاب ومكافحة الإرهاب والتصدي لمحاولات العراق خرق نظام العقوبات والحريات الشخصية والانفتاح التجاري، إلا ان العمل الفعلي يتم وفق أولوية مطلقة هي أسواق المال وتوزيع المنتجات والسلع الأميركية الصنع، انه الخيار الاستراتيجي للوكالات الأميركية، وهي الأولوية لدى أجهزة التنصت والتجسس والرصد، ان نظام إيشيلون الذي يرصد كافة المكالمات والاتصالات عبر الكوكب قد تمت برمجته لفرز المعطيات الاقتصادية والتبادل السلعي بصفتها أمور أولوية وعاجلة، أما الملفات ذات الطبيعة الأمنية والعسكرية والسياسية فتأتي في المرتبة الثانية. وبرغم كل ذلك فقد فشل مرتين، أولا في حماية المراكز التجارية الحساسة، وكذلك في حماية القوى العسكرية ومقراتها، والفشل الثاني هو القدرة على رصد تطور الخصم الذي هاجمه، وإمكانياته التقنية وتفكيره في الوسائل التقنية الكفيلة بإحداث مفاعيل القنابل الاستراتيجية، أو الأسلحة غير الكلاسيكية، من غير استخدام أي من مكونات هذه الأسلحة.
ان وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي، قد صنعتا قوة شركات مثل مايكروسوفت التي تسيطر على 80 بالمائة من أسواق برامج التشغيل لأجهزة الكومبيوتر في العالم وهذه الشركة ترد الجميل بان تترك في أنظمتها للتشغيل وخاصة التي تشغل الخوادم (servers) أبوابا خلفية، ولا اعني مداخل كمداخل الطابعة (ال بي تي واحد)، وإنما أبوابا مشرعة أمام من يملك المصدر الكودي للبرامج (source code) وهي على كل دائرة مغلقة من التقدم التكنولوجي الذي يخدم الدوائر التجسسية التي تعود لتخدم الشركات الأميركية، حلقة مغلقة إلى حين. وبرغم كل شيء فمن المنغص للقوى الكبرى ان تعلم ان كل ما تكبدته من أموال وتقنيات وسرية وتجسس قد تم تعطيله وارباكه على أيدي ثلة لا تتجاوز في تعدادها موظفو مكتب صغير من مكاتب وكالة الأمن القومي، هؤلاء الشبان الذين ذهبوا إلى الموت مدمرين مع أجسادهم هيبة أنظمة التجسس المتفوقة، وسواء أعطيناهم لقب إرهاب أو غيره فقد كلفوا أنظمة التجسس ونظام ايشلون الأكثر تطورا حرجا لا أحد يعلم كيف سيبرره أمام إدارته وكيف سيشكل قوة ردع معنوية في المستقبل ضد أشكال التخريب والإرهاب.











التعليقات