كتاب لميلان كونديرا يصدر قريباً ويتحدث فيه عن نفسه وعمله ومفهومه للكتابة بشكل خاص
ميونيخ- حسونة المصباحي : منذ صدور عمله النقدي البديع "فن الرواية"، وذلك عام 1981 والكاتب التشيكي ميلان كونديرا يرفض رفضا قاطعا الادلاء بحوارات رادا بالقول ان رواياته هي وحدها القادرة على البوح بادائه وافكاره في مختلف القضايا، سواء هذه المتعلقة بالكتابة او بأي قضية اخرى. |
وكان ميلان كونديرا في الخامسة والاربعين من عمره عندما قرر الاقامة في فرنسا وذلك عام 1975. في ذلك الوقت لم يكن معروفا كثيرا ولم تكن دار "جاليمار" الشهيرة التي ستصدر جميع رواياته الاخرى لاحقا قد نشرت له سوى كتابين وذلك بين عامي 1965 و1968. وعندما غزت القوات السوفياتية براغ عام 1968، صودرت جميع كتب كونديرا ومنع تداولها واقتناؤها في المكتبات العامة. وهكذا كان عليه ان يترك بلده الى المنفى، الى فرنسا تحديدا. ويقول ميلان كونديرا بانه ظل على مدى سنوات مديدة يعاني من اهمال النقاد والقراء على حد سواء للمحتوى الحقيقي لرواياته، ولفلسفته في الحياة، ولرؤيته للوجود عامة منشغلين بوضعه كشاهد فقط على الديكتاتورية الشيوعية وما تسلطه على الناس من مظالم. اما هو فقد كان يرغب في الحديث عن ازمة الحداثة والتقدم في العالم، وعن الرواية، وعن وضع الانسان الاوروبي خلال القرن العشرين وعن هويته وتاريخه، وايضا عن طريقته في الحب والضحك والحلم والتذكر ومواجهة الموت.
وينوي ميلان كونديرا حاليا اصدار كتاب جديد يتحدث فيه عن نفسه، وعن عمله، وعن آرائه في العديد من القضايا، وخصوصا قضية الكتابة التي تشغله اكثر من غيرها. ويبدو هذا الكتاب شبيها بقاموس يحدد فيه صاحبه من خلال 73 كلمة اختارها هو شخصيا للتعبير عن مواقفه وآرائه. فعن الحداثة وضد الحداثة يكتب قائلاً: "نحن بحاجة ماسة الى ان نكون حداثيين، كما كتب ارتور رامبو.
وينوي ميلان كونديرا حاليا اصدار كتاب جديد يتحدث فيه عن نفسه، وعن عمله، وعن آرائه في العديد من القضايا، وخصوصا قضية الكتابة التي تشغله اكثر من غيرها. ويبدو هذا الكتاب شبيها بقاموس يحدد فيه صاحبه من خلال 73 كلمة اختارها هو شخصيا للتعبير عن مواقفه وآرائه. فعن الحداثة وضد الحداثة يكتب قائلاً: "نحن بحاجة ماسة الى ان نكون حداثيين، كما كتب ارتور رامبو.
وبعد مرور ستين سنة على ذلك، لم يكن جومبروفيتش متأكدا بانه يتحتم علينا ان نكون كذلك. وفي روايته "فايديدورك" التي صدرت في بولونيا عام 1938، نجد انفسنا امام عائلة لوجون التي تهيمن عليها فتاة لم تكن سوى تلميذة حديثة مولعة بالهاتف. لذا هي تهتف طوال الوقت. وهي تمقت الكتاب الكلاسيكيين. وبحضرة السيد الذي جاء لزيارة عائلتها، تكتفي بالنظر اليه، واضعة بين اسنانها مفك البراغي ماسكة اياه بيدها اليمنى، مادة اليه يدها اليسرى بوقاحة كاملة. امها ايضا حديثة. وهي عضو في لجنة حماية المولودين الجدد وتناضل ضد الحكم بالاعدام وحرية السلوك والطبائع. والحداثة، وهي تشيخ شيئا فشيئا، تصبح بالنسبة لها ضرورية كـ "بديل وحيد للشباب". الاب هو ايضا حديث. وهو لا يفكر في شيء غير انه يبذل كل في وسعه لارضاء ابنته. لقد امسك جومبروفيتش في روايته "فايديدورك" بالمنعرج الاساسي الذي حدث خلال القرن العشرين، فحتى ذلك الوقت كانت الانسانية منقسمة الى قسمين، قسم يدافع عما هو قائم وقسم اخر يدعو الى التغيير. غير ان الدفع بالتاريخ الى الامام له عواقبه. فعندما كان الانسان يعيش قديما في ديكور، نعني في مجتمع يبدو ساكنا، جاء الوقت، لكي يحس فجأة تحت قدميه بأن التاريخ اصبح مثل بساط متحرك.
معنى ذلك ان ما كان قائما قد بدأ يتغير. وفي الحين غدا التوافق معه مماثلا للتوافق مع التاريخ وهو يتحرك. وهكذا اصبح بامكان الناس ان يكونوا تقدميين وامتثاليين، تقليديين وثوريين في نفس الوقت! وعندما هاجمه سارتر وانصاره متهمين اياه بالرجعية، قام البير كامو برده السريع على اولئك الذين "وضعوا الكرسي باتجاه التاريخ". وقد كان كامو على حق غير انه لم يكن مدركا ان هذا الكرسي اللعين كان على عجلات، وانه منذ بعض الوقت، بدأ الناس يدفعونه الى الامام، التلميذات الحديثات، والامهات الحديثات، والاباء الحديثون وايضا كل المناضلين ضد الحكم بالاعدام وكل اعضاء لجان المولودين الجدد، وبطبيعة الحال، كل السياسيين الذين وهم يدفعون بالكرسي الى الامام، يديرون وجوههم الضاحكة باتجاه الجمهور الذي يركض وراءهم ضاحكا هو ايضا، عارفا بأن الوحيد الذي يتلذذ بان يكون حديثا هو الحديث الاصيل. وعندئذ فهم البعض من ورقة رامبو هذه الحقيقة الخارقة، وهي ان الحداثة الوحيدة التي تستحق اليوم هذا المفهوم هي "الحداثة المضادة للحداثة!".
وتحدث ميلان كونديرا عن السوريالية والوجودية قائلا: "هناك كوكبان ظلا مجهولين حتى ذلك الحين سطعا في السماء فوق رواية القرن العشرين. هذا الكوكبان هما السوريالية والوجودية. كافكا مات في وقت مبكر لذا لم يعرف رموز هذين التيارين ولا برامجهما. مع ذلك، وهذا شيء لافت للنظر، يمكننا ان نقول ان روايات كافكا هي التي هيأت لهذين التيارين الفنيين. والشيء الاخر اللافت للنظر هو انه اظهرهما متشابكين، متلاحمين، ومرتبطين ببعضهما البعض، ومتوحدين ضمن افق واحد، عندما يرغب بلزاك او فلوبير او بروست في رسم سلوك احد الافراد داخل وسط اجتماعي ملموس، فان كل انتهاك للظاهر يغدو في غير مكانه ومتنافراً جماليا. لكن عندما يركز الروائي هدفه على مسألة وجودية، فان فريضة خلق عالم الظاهر بالنسبة للقارئ لا تفرض نفسها في مثل هذه الحال كقاعدة وضرورة.
وتحدث ميلان كونديرا عن السوريالية والوجودية قائلا: "هناك كوكبان ظلا مجهولين حتى ذلك الحين سطعا في السماء فوق رواية القرن العشرين. هذا الكوكبان هما السوريالية والوجودية. كافكا مات في وقت مبكر لذا لم يعرف رموز هذين التيارين ولا برامجهما. مع ذلك، وهذا شيء لافت للنظر، يمكننا ان نقول ان روايات كافكا هي التي هيأت لهذين التيارين الفنيين. والشيء الاخر اللافت للنظر هو انه اظهرهما متشابكين، متلاحمين، ومرتبطين ببعضهما البعض، ومتوحدين ضمن افق واحد، عندما يرغب بلزاك او فلوبير او بروست في رسم سلوك احد الافراد داخل وسط اجتماعي ملموس، فان كل انتهاك للظاهر يغدو في غير مكانه ومتنافراً جماليا. لكن عندما يركز الروائي هدفه على مسألة وجودية، فان فريضة خلق عالم الظاهر بالنسبة للقارئ لا تفرض نفسها في مثل هذه الحال كقاعدة وضرورة.
فالكاتب هنا يمكن ان يسمح لنفسه بان يكون مقصراً اكثر تجاه آلة المعلومات، والاوصاف، والتحليلات التي يجب ان تعطى لمظهر الواقع. وفي مثل هذه الحالات القصوى، يمكنه ان يعتبر ان وضع شخصياته داخل عالم غريب تماما شيء محبذ وايجابي. وبعد ان تجاوزها |
كافكا، اضحت حدود اللاواقعي واللامعقول بلا شرطة وبلا جمارك. يعني انها اصبحت مفتوحة الى الابد. وكانت تلك لحظة هامة وكبيرة في تاريخ الرواية. ولكي لا يفهم معناها بشكل سيئ، أنبه الى ان الرومنطيقيين الالمان الذين ظهروا في القرن التاسع عشر لم يكونوا رسل هذه المرحلة. ان لخيالهم الخارق معنى آخر مفصولا عن الحياة الحقيقية. هو كان بصدد البحث عن حياة اخرى. ولم يكن لهذا الامر علاقة بفن الرواية. كافكا لم يكن رومنطيقيا. ولم يكن يعشق لا نوفاليس ولا تيك ولا هوفمان. بروتون هو الذي كان يعشق هؤلاء. اما هوفلا وعندما كان شابا قرأ كافكا مع صديقه ماكس برود فلوبير بحماس كبير. قرأه بالفرنسية ودرسه جيدا. ان فلوبير، المراقب ذا النظرة النفاذة هو الذي كان اذن معلمه. كلما لاحظنا جيدا وبامعان واقعا ما، ازددنا ادراكنا واقتناعا ان هذا الواقع لا يستجيب مع الفكرة التي يحملها الناس عنه. وتحت نظرة كافكا الثاقبة، يتجلى هذا الواقع شيئا فشيئا لا معقولا، واذن غير حقيقي. ان هذه النظرة المتلهفة المصوبة طويلا الى عالم الواقع هي التي قادت كافكا وروائيين كبار آخرين بعده الى ما وراء حدود الظاهر والواقع".
وفي قاموسه. تحدث ميلان كونديرا بتقدير كبير عن كتاب اميركا اللاتينية، وعنهم كتب يقول: "كان ذلك عقب ثلاثة اشهر من احتلال الجيش الروسي لتشيكوسلوفاكيا. في ذلك الوقت لم تكن روسيا قادرة بعد على الهيمنة على المجتمع التشيكي الذي كان يعيش تحت وطأة الجزع لكن لبضعة اشهر فقط. وظل اتحاد الكتاب الذي كان متهما بانه مركز من مراكز "الثورة المضادة" محتفظا بدور النشر التي كان يسيرها ويشرف عليها. كما ظل محتفظا بمجلاته الادبية، وايضا بحقه في استقبال مدعويه من الكتاب والشعراء الاجانب. وهكذا، وبدعوة منه، جاء الى براغ ثلاثة روائيين من اميركا اللاتينية هم خوليو كورتزار، وجابرييل جارسيا ماركيز وكارلوس فيونتاس. جاءوا ككتاب وبطريقة متحفية الى حد ما، لكي يعاينوا ويفهموا ما حدث ولكي يعاضدوا زملاءهم التشيكيين. وقد امضيت بصحبتهم اسبوعا رائعا اصبحنا اثره اصدقاء. وبعد رحيلهم، تمكنت من ان اقرأ "مائة عام من العزلة" في الترجمة التشيكية. وقد فكرت في اللعنة التي القاها السورياليون على فن الرواية معتبرين اياها مناقضة للشعر، ومنغلقة على الخيال الحر.
وفي قاموسه. تحدث ميلان كونديرا بتقدير كبير عن كتاب اميركا اللاتينية، وعنهم كتب يقول: "كان ذلك عقب ثلاثة اشهر من احتلال الجيش الروسي لتشيكوسلوفاكيا. في ذلك الوقت لم تكن روسيا قادرة بعد على الهيمنة على المجتمع التشيكي الذي كان يعيش تحت وطأة الجزع لكن لبضعة اشهر فقط. وظل اتحاد الكتاب الذي كان متهما بانه مركز من مراكز "الثورة المضادة" محتفظا بدور النشر التي كان يسيرها ويشرف عليها. كما ظل محتفظا بمجلاته الادبية، وايضا بحقه في استقبال مدعويه من الكتاب والشعراء الاجانب. وهكذا، وبدعوة منه، جاء الى براغ ثلاثة روائيين من اميركا اللاتينية هم خوليو كورتزار، وجابرييل جارسيا ماركيز وكارلوس فيونتاس. جاءوا ككتاب وبطريقة متحفية الى حد ما، لكي يعاينوا ويفهموا ما حدث ولكي يعاضدوا زملاءهم التشيكيين. وقد امضيت بصحبتهم اسبوعا رائعا اصبحنا اثره اصدقاء. وبعد رحيلهم، تمكنت من ان اقرأ "مائة عام من العزلة" في الترجمة التشيكية. وقد فكرت في اللعنة التي القاها السورياليون على فن الرواية معتبرين اياها مناقضة للشعر، ومنغلقة على الخيال الحر.
غير ان رواية جابرييل جارسيا ماركيز لم تكن سوى خيال حر، بل هي واحدة من اعظم الاعمال الشعرية التي قرأتها، كل جملة هي عبارة عن شرارة من الفانتازيا. كل جملة هي مفاجأة، وفتنة، وسحر، واعتقد ان كل روايات ماركيز هي على هذه الشاكلة. وهي رد مفحم على "البيان السوريالي" واحتقاره للرواية (وفي نفس الوقت تمجيد كبير للسوريالية ولريحها التي اخترقت القرن). ها هو الدليل على ان الشعر والغنائية ليسا مفهومين اخوين، ولكنهما مفهومان لا بد ان نجعل مسافة بين كل واحد منهما. ذلك ان شعر ماركيز لا علاقة له بالغنائية. فالمؤلف هنا لا يقوم بعملية بوح، ولا يفتح روحه، وهو ليس منتشيا الا بالعالم الموضوعي الذي يرفعه الى ذلك لا يكون فيه لا واقعيا ولا عجائبيا".
ويواصل كونديرا حديثه عن اباء اميركا اللاتينية قائلا: "عقب سنوات من لقائنا في براغ، انتقلت الى فرنسا، حيث ان الصدفة ارادت ان يكون كارلوس فيونتاس سفيرا فيها لبلاده، المكسيك. في ذلك الوقت كنت اقيم في مدينة ران. وخلال اقامتي القصيرة في باريس كنت اسكن عنده في السفارة، في غرفة بسقف منحن. وكنت اتناول معه فطور الصباح الذي كان يطول بسبب نقاشات بلا نهاية. ومنذ البداية اكتشفت ان اوروبا الوسطى التي انتمي اليها جارة لاميركا اللاتينية. فهما طرفان من الغرب يوجد ان على الطرفين المتقابلين. ارضان مهملتان. ارضان مقصيتان. وجزءان من العالم مطبوعان عميقا بالتجربة الصادمة للباروكية. اقول التجربة الصادمة ذلك ان الباروكية جاءت الى اميركا اللاتينية كفن يمتلكه الغازي وجاءت الى بلادي محمولة بالاصلاح المضاد الدموي الشيء الذي جعل ماكس برود يصف براغ بانها "مدينة الشر". تحدثت مع كارلوس فيونتاس ورأيت جسراً فضيا، خفيا، مرتعشا، مضيئا، منتصبا مثل قوس قزح فوق القرن، بين اوروبا الوسطى الصغيرة واميركا اللاتينية المترامية الاطراف (.....). وفكرت ايضا في صلة قربى اخرى بين هذين الجزءين من العالم. فهما يمثلان مكانة بارزة في تطور الرواية خلال القرن العشرين. ففي البداية كان روائيو اوروبا الوسطى الذين قاموا بهذا الدور. وكارلوس على حق عندما قال بان رواية "السائرون نياما" لهرمان بروش هي واحدة من اعظم روايات القرن العشرين. وبعدهم بثلاثين عاما، واصل روائيو اميركا اللاتينية مثل هذا العمل التطويري لفن الرواية".
ويواصل كونديرا حديثه عن اباء اميركا اللاتينية قائلا: "عقب سنوات من لقائنا في براغ، انتقلت الى فرنسا، حيث ان الصدفة ارادت ان يكون كارلوس فيونتاس سفيرا فيها لبلاده، المكسيك. في ذلك الوقت كنت اقيم في مدينة ران. وخلال اقامتي القصيرة في باريس كنت اسكن عنده في السفارة، في غرفة بسقف منحن. وكنت اتناول معه فطور الصباح الذي كان يطول بسبب نقاشات بلا نهاية. ومنذ البداية اكتشفت ان اوروبا الوسطى التي انتمي اليها جارة لاميركا اللاتينية. فهما طرفان من الغرب يوجد ان على الطرفين المتقابلين. ارضان مهملتان. ارضان مقصيتان. وجزءان من العالم مطبوعان عميقا بالتجربة الصادمة للباروكية. اقول التجربة الصادمة ذلك ان الباروكية جاءت الى اميركا اللاتينية كفن يمتلكه الغازي وجاءت الى بلادي محمولة بالاصلاح المضاد الدموي الشيء الذي جعل ماكس برود يصف براغ بانها "مدينة الشر". تحدثت مع كارلوس فيونتاس ورأيت جسراً فضيا، خفيا، مرتعشا، مضيئا، منتصبا مثل قوس قزح فوق القرن، بين اوروبا الوسطى الصغيرة واميركا اللاتينية المترامية الاطراف (.....). وفكرت ايضا في صلة قربى اخرى بين هذين الجزءين من العالم. فهما يمثلان مكانة بارزة في تطور الرواية خلال القرن العشرين. ففي البداية كان روائيو اوروبا الوسطى الذين قاموا بهذا الدور. وكارلوس على حق عندما قال بان رواية "السائرون نياما" لهرمان بروش هي واحدة من اعظم روايات القرن العشرين. وبعدهم بثلاثين عاما، واصل روائيو اميركا اللاتينية مثل هذا العمل التطويري لفن الرواية".











التعليقات